الخميس , أكتوبر 28 2021
الرئيسية / صحافة / معركة إخماد الصحافة المستقلة في بريطانيا…

معركة إخماد الصحافة المستقلة في بريطانيا…

اقتضى على كريج موراي، السفير البريطاني السابق في أوزبكستان، وأب لطفل حديث الولادة، وامرؤُ في حالة صحية متدهورة، الرضوخ للشرطة السكتلندية ليكون أول سجين بتهمة غامضة وضبابية التعريف. كما أن كريج أول سجين في بريطانيا بتهمة ازدراء المحكمة في صحافته على مدى 50 عام، الفترة التي سادت فيها القيم القانونية والأخلاقية المختلفة التي أنهتها المؤسسة البريطانية في الآونة الأخيرة بمقاضاة النساء اللاتي يُذعن لعمليات إجهاض. لا يستند قرار السيدة ليونا دوريان، ثاني أهم قاضي في سكتلندا، لسجن كريج لمدة ثمانية أشهر إلى قراءة متأنية للقانون السكتلندي، إنما بموجب حرص المؤسسات السياسية في سكتلندا ولندن على الانتقام من الدبلوماسي السابق. ورفضت المحكمة العليا البريطانية الإنصات إلى استئناف كريج على الرغم من الاختلالات القانونية الساطعة لتمهيد طريقه إلى السجن. يرتبط سجن كريج بإحراج الدولة البريطانية منذ عام 2000، وتحوله إلى أندر الظواهر: دبلوماسي مُبلغ عن انتهاكات حكومته. وأفشى تواطؤ الحكومة البريطانية، إلى جانب الولايات المتحدة، في نظام التعذيب الأوزبكستاني. أحرج كريج الدولة البريطانية أيضًا في إبلاغه عن الانتهاكات القانونية في قاعة محكمة لندن حيث تسعى واشنطن إلى تسليم مؤسس موقع ويكيلكس، جوليان أسانج، وحبسه مدى الحياة في سجن شديد الحراسة، لا سيما بعد نشر جوليان ملفات الانتهاكات الأميركية والبريطانية في العراق وأفغانستان وملفات التجسس الأميركي في الشرق الأوسط عبر الدبلوماسيين وانتهاكات الرؤساء العرب التي تعد من أسباب اندلاع ثورات الربيع العربي. تريد أميركا أن يكون جوليان أسانج عظة وعبرة لمن يتجرأ على هتك ستر جرائمها ونشر رسائلها الدبلوماسية المسربة التي أزاحت قناع سياسة واشنطن الخارجية البشعة. يسوغ سجن كريج بإجراءات ازدراء المحكمة الاسكتلندية حرمانه من جواز سفره حتى لا يتمكن من السفر إلى إسبانيا والإدلاء بشهادته في قضية أسانج التي تربك بريطانيا والولايات المتحدة بزعم أنها رائدة حقوق الإنسان على مستوى العالم! رغم أن ما فعله جوليان في الاعتماد على مصادر خاصة للحصول على وثائق الانتهاكات من صميم العمل الصحافي الممارس يوميًا في شتى أصقاع الدنيا. وطرحت جلسة الاستماع الإسبانية حُزْمة براهين على التجسس الأميركي اللاقانوني على جوليان داخل السفارة الإكوادورية في لندن، حيث سعى إلى نيل اللجوء السياسي لتفادي تسليمه إلى واشنطن. كان من المقرر أن يثبت كريج في شهادته تصوير محادثاته الخاصة مع جوليان ولقاءات أسانج مع محاميه. وكان من المفترض أن يؤدي التجسس إلى إلغاء القضية المرفوعة ضد جوليان، فيما إذا طبق قضاة لندن القانون بحذافيره. يرتبط سجن كريج أيضًا بإحراج المؤسسات السياسية والقانونية السكتلندية لدفاعه عن الوزير الأول السابق في سكتلندا، ألكس سالموند. وأفضت الأدلة التي قدمها محامو سالموند وتجاهلتها وسائل الإعلام السائدة إلى تبرئته من تهم الاعتداء على إناث بهيئة محلفين تهيمن عليها قاضيات. جسدت تقارير كريج عن سالموند جزء من متاعبه، واقتناع هيئة المحلفين بأن سالموند كان ضحية مؤامرة من كبار السياسيين في هوليرود لتلطيخ صورته ومنع عودته إلى واجهة السياسة السكتلندية. ارتأى كريج أن القصد من سجن سالموند إعاقته لمجابهة لندن ومنع سكتلندا من الانفصال عن المملكة المتحدة. واعتبر موراي شوكة في خاصرة المؤسسة البريطانية منذ عقدين من الزمن. لقد عثروا الآن على طريقة لحبسه كما فعلوا مع أسانج، بعد إنهاكه لسنوات في معارك قانونية واستنزافه ماديًا عندما سعى إلى تبرئة اسمه. كما أن حبسه قد يحول ثمانية أشهر إلى عقوبة أبدية بتأمل حالته الصحية المتدهورة والموثقة في مستندات المحكمة. أوشك كريج على الموت بانسداد رئوي منذ 17 عامًا بعدما هاجمته المؤسسة البريطانية. ولم تتحسن صحته منذ ذلك الحين. كشف كريج في غضون ذلك منذ عام 2000، الفترة السابقة والتالية لغزو العراق، عن تواطؤ زملائه الدبلوماسيين وتغاضيهم عن انتهاكات حكومتهم بفسادها وتحالفها المفسد مع الولايات المتحدة. وأسست بعد ذلك برنامج “التسليم الاستثنائي” لواشنطن الذي يعد اختطاف برعاية الدولة، وتعذيب في أماكن على نمط سجن أبو غريب، حيث كان ينبغي على الدبلوماسيين التحدث عن الانتهاكات جهرًا، إلا أنهم رفضوا الإبلاغ عن المخالفات على النقيض من كريج. لقد وفروا غطاءً للهمجية واللاشرعية. وحرصت حكومة توني بلير آنذاك على تشويه كريج موراي باعتباره مفترس جنسيًا، التهمة ذاتها التي استغلت لإيذاء جوليان أسانج، حيث تعد أداة المرأة للاقتراب من المعارضين من أساليب الحكومة لتشويه سمعتهم وتنفير الجمهور منهم لكي لا ينصت إلى آرائهم. ورغم ذلك، برأه تحقيق وزارة الخارجية البريطانية من الاتهام الذي التصق به، وأرغمه على إنهاء عمله في الوزارة. لا يتناغم الالتزام بالاستقامة الأخلاقية والقانونية مع مقاصد السياسة الخارجية البريطانية. واقتضى على موراي إعادة ابتكار حياته المهنية بإنشاء مدونة craigmurray، التي تقيد فيها بمبادئ الصحافة المستقلة وحماية حقوق الإنسان، إلا أن المؤسسة البريطانية الحاكمة لم تتركه وشأنه، وجابه قمعها الشرس.

يتضمن قرار دوريان لسجن كريج ابتكار قانوني شائن وفادح يؤدي إلى تقسيم الصحافيين إلى فئتين: أولئك الذين يعملون في وسائل إعلام الشركات المعتمدة لدى الحكومة، وفئة المستقلين على غرار كريج الذين غالبًا ما يتم تمويلهم من القراء بدلاً من الحصول على رواتب باهظة من المليارديرات أو الدولة. وارتأت دوريان أن الحماية القانونية من حقوق صحافيي الشركات فقط التي “يرفضها” الصحافيون “غير الرسميين” والمستقلون الذين يتصدون للحكومات وينتقدون مساوئ النظام القانوني ويكشفون نفاق وتضليل الإعلام الحكومي. لم تميز دوريان بين ما كتبه موراي عن قضية سالموند وما بثه الإعلام الرسمي لإدانته بشتى الوسائل. وأورد اثنان من استطلاعات الرأي أن معظم الذين تابعوا محاكمة سالموند تعرفوا على “الضحايا” المختلقات عبر الإعلام الرسمي، وتحديدًا BBC. يبدو أن كتابات موراي كان لها تأثير ضئيل على تحديد هوية المتهمين. واستشهد المشاركون في الاستطلاع بتقارير الصحافي داني جارافيلي، ومجلة لندن لمراجعة الكتب، 15 مرة أكثر من موراي. اكتب لصحيفة التايمز أو الجارديان، أو بث تقاريرك على قناة BBC، للوصول إلى الجمهور المكثف، والحصول على الحماية القانونية من وجهة نظر دوريان. بينما إذا كتبت عن الموضوعات ذاتها في مدونتك قد تخضع للمطاردة والسجن. يرتكز الأساس القانوني للغز دوريان على توسيع نطاق صلاحيات الدولة، وتسويغ قرارات المؤسسة القانونية التعسفية التي يمكنها قمع وإصمات الصحافيين والمنتقدين. وأدى رفض استئناف موراي إلى موافقة المحكمة العليا على تقسيم الصحافيين. أطاحت دوريان بمفهوم الصحافة التقليدية وممارستها المبنية على محاسبة وانتقاد المسؤولين وذوي النفوذ، والأفراد الذين يرتكز عملهم على هذه المبادئ سواء كانوا صحافيين أم لا. وتجلت الفكرة مع ازدهار صحافة المواطن عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي روجت لها منافذ الإعلام المؤسسي التي أصبحت بعض برامجها يعتمد على محتوى تطبيقات التواصل. تصورت وسائل الإعلام الحكومية وتلك التابعة لشركات خاصة أن المواطنين الصحافيين لا يمكنهم الارتقاء إلى مستوى قصصهم وتقاريرهم وأن وسائل الإعلام المؤسسية فقط يمكنها تحقيق موارد من بث موادها، مما حفز صحيفة الجارديان على إنشاء قسم لمجموعة متنوعة من المتخصصين لإمدادها بالمقالات مجانًا وتنمية مبيعات الصحيفة ونسبة الإعلانات. لم تتغير سياسة المؤسسات الإعلامية تجاه الصحافيين المواطنين والجارديان من نموذج التعليق والمقالات المجانية، إلا عندما أثبت هؤلاء الصحافيون صعوبة السيطرة عليهم، وكثفت موادهم الضوء على ثغرات وتضليل الإعلام الرسمي ومعاييره المزدوجة. دقت دوريان المسمار الأخير في نعش صحافة المواطن. وصرحت بحكمها الجائر على كريج أنها وقضاة آخرين بإمكانهم تحديد سمات الصحافي، وبالتالي، من يستحق الحصول على الحماية القانونية، حتى تتمكن الدولة من “اعتماد” الصحافيين الملائمين لسردياتها، وتحويل الصحافة إلى نقابة مهنية بصحافيين رسميين ومنتمين إلى شركات فقط محصنين من عقاب الحكومة القانوني. من المفارقات أن القضاء البريطاني بدلاً من محاكمة المسؤولين المرتبكين للجرائم في أفغانستان والعراق أو لندن، يصب جام غضبه على الصحافي أو المدون الذي بث أو كتب عن انتهاكاتهم، ويلاحظ المرء أن الجمهور في عدة بلدان لا يسلط الضوء على الجاني، إنما على الصحافي الذي تحدث عن جرائمه ويتسم التركيز عليه بالسلبية وليس بالثناء على عمله والإشادة به. على سبيل المثال: تمحور اهتمام الجمهور ووسائل إعلام قبل أسبوع حول مجموعة القرصنة الإلكترونية “عدالة علي” التي اخترقت كاميرات المراقبة في سجن إيفين الإيراني الذي يقبع فيه معتقلي الرأي والسجناء السياسيين، وأهمل محتوى المجموعة الذي يثبت التعذيب ولم توجه اتهامات للمسؤولين عنه أو يتم القبض عليهم وانتهى الأمر وكأن شيئًا لم يكن!!! يبدو أن المشاعر تبلدت واعتاد الجمهور على رؤية مشاهد التعذيب والإجرام.

قد يتم سجنك فيما إذا كنت صحافي غير معتمد من الحكومة البريطانية ولا تعمل في قناة شركة، كما هو الحال مع كريج، على أساس قانوني مماثل لسجن شخص أجرى عملية جراحية بدون مؤهلات طبية. وفي حين أن القانون ضد الجراحين الدجالين يحمي المواطنين من الأذى الجسدي والمعنوي الذي قد يصيب المرضى، فإن قرار دوريان ضد كريج يحمي الدولة من إماطة اللثام عن انتهاكاتها وممارساتها الإجرامية ومعاقبة الصحافيين المستقلين. يعيد القرار القضائي الصحافة إلى السيطرة الحصرية للدولة وشركات المليارديرات. وقد لا يكون من المباغت إذعان صحافيي الشركات للقرار لحرصهم على صيانة مورد معيشتهم بصمتهم على الاعتداء الشامل ضد الصحافة وحرية التعبير، وكنوع من حماية الصحافيين العاملين في الإعلام المؤسسي الذي لا ينوي انتقاد المسؤولين. يتمثل الأمر المفزع في تراكم صلاحيات الدولة اللامحدودة وطبقة الشركات المتحالفة معها المدعومة ضمنيًا من نقابة الصحافيين البريطانيين NUJ التي صمتت عن مهاجمة كريج بذريعة تقاريره الإعلامية ومحاولات تشويه صورته لدى الجمهور. ولم تصدر بيان أو ضجة عن تقسيم الصحافيين إلى فئتين: معتمدين وغير مصرح لهم من الحكومة!! أو حول سجن كريج بناءً على التقسيم. تخطت NUJ المقاييس بإقصاء كريج من النقابة وتواطئها في مطاردة صحافي على غرار تعقب زملائه الدبلوماسيين أثناء عمله كسفير. ويندرج قرار دوريان ضمن تألب المؤسسات السياسية والقضائية والإعلامية للتضييق على الصحافة، واستبعاد المواد التي لا تجتاز مقص الرقيب. يعد كريج من ثلة الصحافيين الذين أعدوا تقارير مسهبة في مدونته عن براهين طاقم جوليان أسانج القانوني في جلسات محاكمته. ويتضح أن قاضي أسانج وموراي الذي يترأس الجلسة يستند في قراره إلى تقييد حرية التعبير المحمية تقليديًا في مجال الصحافة ونزع صفة الصحافي عن جوليان وكريج لتدعيم قراره. بينما يعد النموذجان تجريم للصحافة المستقلة واعتداء مباشر على إمكانيات الصحافيين وصحافة المواطن المتحررة من قيود الشركات والدولة لتناول قصص سياسية مهمة. دافعت قاضية أسانج، فانيسا باريتسر، عن مزاعم الولايات المتحدة بأن ما فعله مؤسس ويكيلكس تجسس وليس صحافة. وأرجأت إدارة أوباما مقاضاة أسانج لأنها لم تستطع التمييز بين حقه القانوني في نشر أدلة على جرائم الحرب الأميركية ومساهمة صحيفة نيويورك تايمز والجارديان في نشر وثائق ويكيلكس، ويجب على الإدارة الأميركية مقاضاة محرري تلك الصحف فيما إذا حاكمت أسانج. اجتازت إدارة دونالد ترامب حجر العثرة بالتفرقة المصطنعة بين الصحافيين “الملائمين” العاملين لدى الشركات، والصحافيين “المزيفين” المستقلين الذين لا يخضعون لقيود الرقابة وضغوط الشركات والحكومات. نفى مسؤولو ترامب بأن أسانج صحافي وناشر وعاملوه كـ”جاسوس” متواطئ مع المخبرين الأميركيين الذين كان من بينهم جنود في الجيش الأميركي المتمركز في العراق أحسوا بتأنيب الضمير ولم يحتملوا انتهاكات الحكومة الأميركية والعراقية وأرسل أحدهم مقطع الفيديو الذي يوضح جنود أميركيين في طائرة هليكوبتر يرشقون بالرصاص مدنيين عراقيين سائرين في الشارع وسيارة إسعاف وصحافيين من وكالة رويترز. كان من المفترض أن يؤدي مقطع الفيديو إلى معاقبة الجنود المسؤولين عن رشق الرصاص، إلا أن الحكومة الأميركية بحثت عن الجندي الذي لديه تصريح تقني للاطلاع على وثائق الجيش والمسؤول عن نشره حتى عثرت عليه وسلبته حقوقه العسكرية بسجنه متعريًا من ملابسه ومعزولاً بالقاعدة الأميركية في الكويت لمدة شهر ثم سجنه في الولايات المتحدة. ويتضمن ذلك إلغاء حماية حرية التعبير الدستورية. تعد قضية الولايات المتحدة ضد أسانج هراء. وتشن حملة ضد الصحافيين الاستقصائيين الذين يستند عملهم إلى التعاون مع المبلغين عن الانتهاكات. بينما يرتكز عمل الجواسيس على إخفاء معلومات المبلغين، وليس نشرها للعالم بأسره!!! كما فعل أسانج. لاحظ التشابه بين جوليان وكريج. رددت القاضية فانيسا صدى النمط الأميركي بحماية القانون للصحافيين المعتمدين فقط من الملاحقة القضائية؛ وحقهم في حرية التعبير التي يجب ممارستها في صالات الأخبار المؤطرة بمصالح الدولة والشركات!! وزعمت أن حرية التعبير وحماية القانون لم تعد مرتبطة بشرعية ما يقال، إنما بوضع المتحدث القانوني، رغم أنه من مصلحة الدولة ومن عناصر قوتها أن يتحدث الإعلام عن الفساد والانتهاكات التي تنخر بنيانها حتى لا تتراكم وتؤدي إلى انهيارها. بينما لا يندرج الصمت عنها إلا ضمن مصلحة فئة نخبوية محددة لا تهتم إلا بمنافعها وتكديس أموالها.

ضاهت دوريان في قضية موراي فانيسا. وأنكرت مكانته الصحافية، لتصنيفه بأنه “مدون غير لائق ومعتل!!!”. ألمحت أيضًا إلى أن الصحافيون “المعتلين” أو “المزيفين” يشكلون تهديد اجتماعي بحيث يجب تجريدهم من الحماية القانونية لحرية التعبير، مثلما حدث مع أسانج. وتعتبر ادعاءات الاعتداء الجنسي التي تنطوي على حقوق المرأة وسياسات الهوية أداة مثالية لاكتساب تأييد الرأي العام وتجريم حرية التعبير للصحافيين الناقدين على نطاق شاسع، رغم أن الممارسة الجنسية التي اتهم بها جوليان أسانج في ستوكهولم، على سبيل المثال، كانت برضى الطرفين ثم زعمت رفيقته أنها خشيت من إصابتها بالإيدز!!! واشتكت جوليان إلى مركز شرطة في مملكة السويد حيث كان يقيم قبل انتقال الأسترالي ذو الشعر الأبيض إلى بريطانيا. تحاول دوريان وفانيسا والمؤسسة الحاكمة الداعمة لهما إعادة العفريت إلى القُمْقُم، وعكس الاتجاه الذي شهد على مدى عشر سنوات نمو عدد الصحافيين المعتمدين على التكنولوجيا وتطبيقات التواصل الاجتماعي للتحرر من أغلال الإعلام الرسمي وقنوات الشركات والتعبير عن آرائهم وحقائق لم يكن من المتوقع ذات يوم أن يطلع عليها الجمهور، كما هو الحال مع وثائق ويكيلكس. سرد Nick Davies، زميل مراسل صحيفة الجارديان والأوبسرفر في البوسنة والعراق، إد فوليامي، في كتابه “أخبار الأرض المسطحة”، أن روجر ألتون، محرر الأوبسرفر أثناء حرب العراق، حاز على أعظم القصص في تاريخ الصحيفة، عندما أقنع فوليامي المراسل المخضرم والموثوق به عام 2002، ميل جودمان، المسؤول السابق في وكالة المخابرات الأميركية CIA، الذي نال وقتئذ تصريح أمني، ببث السجلات التي تثبت أن CIA كانت تعلم أنه لا توجد أسلحة دمار شامل في العراق واتخذتها ذريعة لاجتياح وشيك وغير قانوني. خدعت حكومة بوش وبلير الشعب الأميركي والبريطاني لتبرير حرب العراق، وكان لدى فوليامي مصدر رئيسي لإثبات ذلك. لكن ألتون أخفى القصة المدمرة لمشروع بوش وبلير في مكتبه، ثم رفض نشر ستة تقارير عنها من إعداد فوليامي الغاضب على مدى أشهر مع اقتراب الحرب. وصمم على إقصاء التوثيق الذي حصل عليه فوليامي من مبلغ في وكالة المخابرات. ارتقى رؤساء التحرير في سلم المناصب عام 2002، نتيجة لحذف بعض الأخبار ومنعها من الوصول إلى قرائهم، حتى غيرت وسائل التواصل الاجتماعي حساباتهم. ولم يكن باستطاعتهم سحق قصة فوليامي إذا حدثت في الوقت الراهن لأنها ستسرب بواسطة صحافي مستقل ومرموق على غرار جوليان أسانج وكريج موراي. ولهذا السبب، تعد هذه الشخصيات مهمة لمجتمع صحي، واعي، ومستنير، وتحرص الحكومات على تواريها تدريجيًا وتقليص عددها لأنها أدركت أن تكلفة الصحافيين المستقلين باهظة للغاية. غالبًا ما تنعت الحكومات ومنافذ إعلامها محتوى الصحافة المستقلة بأنه “أخبار مزيفة”، وتناشد الجمهور لغض الطرف عنها، في الوقت الذي لا ترد عليه بمحتوى يثبت النقيض أو يبرهن على “تضليله”. إذا اعتبرت ما أقوله مزيف فلتطرح ما عندك ولتخبرني بالصواب المدعوم ببراهين ومقارنات، بدلاً من تبادل الاتهامات. تواطأت بعض شركات التواصل الاجتماعي في السنوات الأخيرة مع إرث المؤسسات الإعلامية الرسمية لرمي خوارزمية الصحافيين المستقلين في جُبّ النسيان بحذف مواقعهم وصفحاتهم حتى لا يستطيع المتصفح العثور عليها. ويتم حاليًا تثقيف الصحافيين المستقلين بمصيرهم المحتمل فيما إذا حاولوا مضاهاة أسانج وموراي.

تهيأت المؤسسة البريطانية الحاكمة لتوسيع نطاق تجريم الصحافة على شبكة الإنترنت، في حين غرق الإعلام الرسمي في سبات شتوي ورقد صحافيو الشركات أثناء القيادة. حرضت وثيقة التشاور الحكومية البريطانية على فرض المزيد من الإجراءات القاسية وشن حملة قمعية على ما وصمته بـ”الإفصاح المتصاعد” في إيماءة إلى الصحافة بدعم وزيرة الداخلية بريتي باتيل. وتشير الوثيقة إلى أن الصحافة تختلف قليلاً عن التجسس والإبلاغ عن المخالفات!!! ثم حثت بريتي البرلمان على “مضاعفة العقوبات القصوى” ضد الجناة – أي الصحافيين – وإلغاء التمييز بين “التجسس والإفصاح غير المصرح به” بذريعة أن “الإفصاح المتصاعد” قد يؤدي إلى أضرار “أخطر” من التجسس!! ولذا، يجب التعامل مع الصحافيين كجواسيس!!! ومحو دفاع المصلحة العامة، أمان الصحافيين الاعتيادي. يتجلى أثناء رصد جلسات محاكمة أسانج في الصيف الماضي التي تستثني حضور معظم الصحافيين العاملين في الإعلام المؤسسي، أصداء ادعاءات الولايات المتحدة لتسليم جوليان التي تخلط بين الصحافة والتجسس بدعم القاضية فانيسا. وأورد منشور على الإنترنت في صحيفة The Register عام 2017، أن اللجنة القانونية تناقش: “مقترح المملكة البريطانية المتحدة لقانون تجسس جديد متأرجح وعنيف الذي سيفضي إلى سجن صحافيين وتصنيفهم في فئة الجواسيس!!! وصاغ التشريع مستشارين قانونيين بتهور”. كتب اثنان من الصحافيين الاستقصائيين، أحدهما عمل منذ فترة في الجارديان، مقال عن وثيقة التشاو الحكومية في خروج عن المعتاد وبدون الحديث عن جوليان أسانج. ولم يلتقط رادار الإعلام الرسمي قضية كريج على نحو مشابه. إن أسانج وموراي عصفوري كناري في منجم فحم في ظل حملة القمع المتفاقمة على الصحافة الاستقصائية ومكافحة انتقاد الإدارة التنفيذية. لا يتحدث الإعلام المؤسسي عن القمع، مما يفسر هتافه وسكونه إزاء المناخ السياسي والقانوني التصاعدي ضد حرية التعبير والشفافية. وتنحت الدولة البريطانية مُجَسَّم في قضيتي أسانج وموراي، لتحديد ما يمكن اعتباره “صحافة شرعية ومعتمدة”، ويتواطأ صحافيون في المجال الرسمي بصمتهم للحفر نحو الانحدار والهبوط. يهمس لنا التواطؤ بالمصالح المتبادلة بين المؤسسات السياسية والقانونية والقضائية وإعلام الشركات. ويخبرنا حرمان جوليان وكريج من تضامن زملائهم الذين يمثلون دور روجر ألتون قبيل حرب العراق وقد تأتي مهاجمتهم على خط النار مستقبلاً، بما نسعى إلى معرفته عن الإعلام السائد الذي تتجسد مهمته في حماية مصالح ذوي النفوذ والتغطية على فسادهم.

عن Rokayah

شاهد أيضاً

العالم من أفق الإمبراطورية الأميركية…8

تتهيأ الجيوش للسير نحو أماكن محددة. وتخوض الإمبراطوريات الحروب لغايات حتى يغدو الدم مرادف للإمبراطورية. …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *