الأربعاء , مايو 18 2022
الرئيسية / صحافة / العالم من أفق الإمبراطورية الأميركية…16

العالم من أفق الإمبراطورية الأميركية…16

أعلن الرئيس باراك أوباما في 31 أوغست 2013، عن هجوم عسكري على سوريا ردًا على هجوم الأسلحة الكيميائية. وأكد أوباما للجمهور الأميركي أن الهجوم محدود لمعاقبة حكومة الأسد. لم يكن المقصد من الهجوم العسكري إزاحة حكومة الأسد، ولا تغيير ميزان القوى في الحرب السورية الطائفية. ويعتمد الإدراك العام للسياسة الخارجية الأميركية على تقييم دوافع المسؤولين الذين يدعون أن غاياتهم سامية أكثر مما يتشاركونه مع بعضهم البعض، وبالتالي، تتباين تقييمات الجمهور للسياسة الأميركية، مما جعل نشر ويكيلكس للبرقيات الدبلوماسية مهمًا لدى الرأي العام. أعطت البرقيات للجمهور نافذة حديثة على استراتيجيات ودوافع المسؤولين الأميركيين التي عبّروا عنها لبعضهم البعض، وليس كما أفصحوا عنها للجمهور. تُوضح البرقيات في حالة سوريا، أن تغيير النظام في دمشق يعد غاية محورية وقديمة للسياسة الأميركية; وأن الولايات المتحدة حرضت على الطائفية لدعم سياسة تغيير النظام، مما أتاح مرسى الحرب الطائفية ووضع حجر الأساس لسفك الدماء الغزيرة في سوريا اليوم؛ لم تتغير المكونات الرئيسية لسياسة تغيير النظام في عهد بوش حتى بعد تحرك إدارة أوباما جهرًا نحو سياسة الاشتباك؛ واهتمت الحكومة الأميركية بالسياسة الخارجية للحكومة السورية، لا سيما علاقتها بإيران، أكثر من اهتمامها بحقوق الإنسان. احتوت برقية 13 ديسمبر 2006، بعنوان “التأثير على الحكومة السورية عام 2006″، على أنه منذ عام 2006 – قبل خمس سنوات من مظاهرات الربيع العربي – كان زعزعة استقرار الحكومة مقصد مركزي في سياسة الولايات المتحدة. وحدد مرسل البرقية، وليام روبوك، المسؤول عن أعمال السفارة في دمشق، استراتيجيات لزعزعة استقرار الحكومة: “نعتقد أن نقاط ضعف بشار تكمن في أسلوب رده على القضايا التي تلوح في الأفق، سواء كانت متصورة أو واقعية، مثل النزاع بين خطوات الإصلاح الاقتصادي (وإن كانت محدودة)، قوى الفساد الراسخة، القضية الكردية، وتهديد النظام بالوجود المتفاقم للمتطرفين الإسلامويين العابرين للحدود. ونقترح إرسال إجراءات وبيانات وإشارات من الحكومة الأميركية لتنمية انبثاق هذه الفرص”. تبرهن البرقية على أن المقصد في ديسمبر 2006، تقويض الحكومة السورية بأية وسيلة متاحة، وما يهم الأسلوب الأميركي لزعزعة استقرار الحكومة، وليس تأثيراته. ساندت الولايات المتحدة الإصلاح الاقتصادي جهرًا، وارتأت في السر أن النزاع بين الإصلاح الاقتصادي وقوى الفساد الراسخة (وتحديدًا الأقلية العلوية) “فرصة”. عارضت واشنطن المتطرفين الإسلامويين جهرًا في مختلف الأمكنة. وارتأت في السر أن تهديد النظام بالمتطرفين العابرين من الحدود التركية “فرصة” ينبغي على الولايات المتحدة اتخاذ إجراءات لبلورتها. سرد وليام علاقة سوريا بإيران باعتبارها “نقطة ضعف” يجب على الولايات المتحدة “استغلالها” على النحو الآتي: “اعزف على المخاوف السنية من التأثير الإيراني وبث التشيع في سوريا، ثمة مخاوف لدى الأغلبية السنية من التبشير الشيعي الإيراني لتحويل السنة إلى شيعة، لا سيما أن معظمهم من الفقراء الذين قد تجذبهم أنماط الإغواء الإيرانية. وتعكس تضايق المجتمع السني من انتشار النفوذ الإيراني في بلادهم بأنشطة تتراوح من تشييد المساجد إلى التجارة. تتوجس البعثات الدبلوماسية المصرية والسعودية وقادة السنة السوريون من نفوذ طهران، ويجب علينا التنسيق مع حكومة القاهرة والرياض لتركيز الاهتمام الإقليمي على القضية وأساليب الدعاية”. جادل بأن الولايات المتحدة يجب أن تحاول زعزعة استقرار الحكومة بالتنسيق الوثيق مع مصر والسعودية لتأجيج التوترات الطائفية، والترويج للمخاوف “المبالغ فيها” من التبشير الشيعي وانتشار النفوذ الإيراني على هيئة بناء مساجد ونشاط تجاري.

رثى مسؤولو واشنطن لطابع الحرب الطائفي عام 2014، باعتباره تطور بائس، في حين حرض عليها مسؤول السفارة في ديسمبر 2006، في برقية إلى وزيرة الخارجية والبيت الأبيض، وحث على تعاون الحكومة الأميركية مع السعودية ومصر لتوغل النزاع الطائفي في سوريا كوسيلة لزعزعة استقرار الحكومة. ومن ثم، لا يستطيع اِمْرُؤٌ في الحكومة الأميركية ادعاء البراءة. بعث وليام رسالة التحريض في قمة الحرب الطائفية في العراق التي لم يستطع الجيش الأميركي احتوائها. وكلف الاشمئزاز الأميركي العام من الحرب الطائفية في العراق، الجمهوريين السيطرة على الكونجرس في انتخابات نوفمبر 2006. أدت نتيجة الانتخابات إلى استقالة دونالد رامسفيلد من وزارة الدفاع. وأدرك مختلف العاملين في مجال الدبلوماسية آنذاك عواقب الترويج للطائفية. كان من المتوقع أنه حتى إذا قوضت استراتيجية النزاع الطائفي الحكومة، إلا أنها ستدمر المجتمع السوري. ولم يتورع رغم ذلك وليام عن تحفيز حكومته وتوصيتها بالتعاون مع السعودية ومصر لتنشيط التوترات الطائفية. اكتسب وليام خبرة من إدارة جورج بوش حتى بات مهنيًا في السلك الدبلوماسي، ومسؤول ذو مكانة مرموقة في السياسة الخارجية. عمل في السفارات الأميركية في العراق وليبيا في عهد أوباما. ولم يعتبر العاملون في السياسة الخارجية آرائه في البرقية جدلية؛ لم يتسبب نشرها أيضًا في وصم السياسة الخارجية. أحبطت السمة الطائفية الغرب (على الأقل الشعوب)، وقد يكون من القسط القول إنه في عام 2006، اعتقدت مؤسسات السياسة الخارجية الأميركية أن دعم الطائفية في سوريا فكرة جيدة لحماية “المصلحة الأميركية”. تقاسمت الرؤية قضية مشتركة مع السعودية المهتمة بعلاقة سوريا مع إيران، الواردة في برقية 22 مارس 2009، من السفارة الأميركية في الرياض بعنوان “محادثات رئيس المخابرات السعودية عن الأمن الإقليمي مع وفد برينان”. ولخصت اجتماع يوم 15 مارس بين المستشار الأميركي لمكافحة “الإرهاب” آنذاك جون برينان والسفير الأميركي في السعودية فورد فريكر والأمير مقرن بن عبد العزيز، رئيس المخابرات الخارجية. وصف مقرن إيران بأنها “منتشرة في شتى الأماكن”. واعتقد أن “الهلال الشيعي تحول إلى قمر مكتمل” يشمل لبنان، سوريا، العراق، البحرين، الكويت، واليمن، بالإضافة إلى المملكة حيث “لدينا مشاكل في المدينة المنورة والمنطقة الشرقية”. أكد مقرن على الدعم الإيراني لأعمال الشغب في المدينة. وأردف بأن “إيران تتألم في…”، ويتمنى أن يتمكن الرئيس من “تصويب اعوجاجها”. أفاد سفير الرياض في برقية 24 فبراير 2009 بعنوان “اشتباك الشيعة السعوديين مع الشرطة في المدينة المنورة”، بمناوشات 20 فبراير بين قوات الأمن والحجاج الشيعة السعوديين في المدينة المنورة بدون الحديث عن إيران. ومنعت الشرطة الحجاج الذين يتراوح عددهم بين 500 و2000، من دخول مقبرة البقيع المقابلة للمسجد النبوي، مما نتج عنه اعتقالات وتفريق الحشد بخراطيم المياه. حظرت السلطات على وسائل الإعلام الإبلاغ عن الحادث وتحديد المتظاهرين بأنهم شيعة، ونزعت فتيل الطائفة الشيعية في شرق البلاد. قال قادة الشيعة في المنطقة الشرقية في منشور أن الحكومة تواصلت مع شيخ القطيف المؤثر حسن الصفار لعرقلة المظاهرات العامة في القطيف. ولم تحدث مظاهرات في القطيف ردًا على حادثة المدينة المنورة. تعد مقبرة البقيع التراثية المجاورة للمسجد النبوي، المثوى الأخير لأهم الشخصيات في عهد الإسلام الأول، بمن فيهم أقارب وصحابة النبي محمد، ابنته فاطمة، حاكم المسلمين الثالث وصهر النبي عثمان بن عفان، حسن بن علي والعديد من أئمة المسلمين الأوائل. يبجل الشيعة هذه القبور!!! ويحملون ضغينة تاريخية على آل سعود لتدمير المقابر وحجرات زوجات النبي بعد هيمنة الملك عبد العزيز على المدينة عام 1925. اعتقد الملك وأتباعه من الإخوان المتعصبين أن الأضرحة وعلامات القبور عبادة وثنية ودمروها في أنحاء البلاد. يأسى الشيعة على يوم تدميرها حتى الآن ويصفونه بـ”يوم الحزن”. ولا تزال المقبرة للدفن. صرح الناطق عن شرطة المدينة لصحيفة الوطن اليومية التي كانت جريئة في طرحها قبل أن يشتكي منها “المطاوعة” وترضخ للتدجين على غرار بقية الصحف السعودية: “في مساء الجمعة، وبعد انتهاء ساعات زيارة البقيع، تجمع زوار لدخول المقبرة…وأخبرهم حراس الأمن أنها مغلقة، مما أدى إلى فوضى عارمة في المكان وارتفعت أصواتهم”. أوردت الوطن أن الشيعة اعترضوا السبيل المؤدي إلى بوابة المسجد النبوي، ومنعوا أداء صلاة العشاء، حتى اعتقل خمسة منهم. وأفادت صحف مغايرة بأن “قوات أمن الطوارئ” شكلت “درعًا بشريًا” لمنع المتظاهرين من الاشتباك مع هيئة الأمر بالمعروف، لكنها تحركت لتشتيت الحشد بعد أن رشقهم المتظاهرون بالأحذية وعلب الأطعمة. ورد أن أطفال عالقين ونقلوا إلى المستشفى لإصابات طفيفة. في حين أضاف الشيعة في منشوراتهم أن “المواجهة بدأت في الخامسة مساءً واستمرت لمدة ثلاث ساعات. وتجمع الشيعة، بعد إغلاق المقبرة، وأغلبيتهم من النساء، معتبرين رفض دخولهم إهانة. لكم ضباط الأمن النساء بكوعهم، مما أدى إلى مشاجرة وإزاحة حجاب بعض النساء. وتسلق مسؤول أمني جدار لتصوير النساء بالفيديو”. أوردت السفارة الأميركية أن طهران غير مرتبطة بالحادث ولا علاقة لها باشتباكات المدينة. وتوضح برقية عام 2006، أن الولايات المتحدة ابتهجت من توبيخ إيران لأنها أرادت التعاون مع المملكة في سوريا. جاءت الفقرة الآتية من التلغراف بعنوان “فطام سوريا من إيران”: “سأل برينان مقرن عما إذا كان يعتقد أن السوريين مهتمون بتطوير العلاقات مع الولايات المتحدة. فأجاب رافضًا الإدلاء برأيه: لا أستطيع قول شيء سواء كان إيجابي أو سلبي”. بيد أنه ارتأى أن السوريين لن ينفصلوا عن إيران بدون عنصر محفز. وجاء تطوير العلاقات مع الولايات المتحدة في مارس 2009، مرادف لفطامها من إيران، وأن محور اهتمام واشنطن في سوريا لم يكن التزام الحكومة بحقوق الإنسان، إنما العلاقات السورية-الإيرانية. ركزت برقية عام 2006، أيضًا على “نقاط الضعف” في سوريا وأنماط استغلالها لبث الفوضى باستفزاز الحكومة والمبالغة في التفاعل الداخلي والخارجي. وانطوت “نقاط الضعف” التي ذكرها وليام على سخطها من نائب الرئيس السابق عبد الحليم خدام الذي أصبح معارضًا لرئاسة بشار عام 2005، ومكث في باريس منذ ذلك الحين حتى وفاته عام 2020. أسس في فرنسا “جبهة الخلاص الوطني” المعارضة. وكتب وليام عن حليم الذي عمل مع حافظ الأسد لمدة 30 عام، وأقرت المحكمة العسكرية الجنائية في دمشق سجنه لمدد مختلفة أشدها الحبس المؤبد مع الأشغال الشاقة بتهم متفاوتة ومنها «الافتراء الجنائي على القيادة السورية والإدلاء بشهادة مزيفة في لجنة التحقيق الدولية بشأن مقتل رفيق الحريري حيث كان حليم متيقنًا من أن بشار الأسد أمر المخابرات السورية باغتيال رفيق، وكتابات لم تجزها الحكومة»: “يعرف حليم مخابئ الهياكل العظمية للنظام، مما يهيج غضب بشار الذي يقتفي ونظامه أخبار حليم في الصحافة باهتمام انفعالي. ويتصرف بغضب عارم كلما استقبلت دولة عربية حليم أو مكنته من الإدلاء ببيان علني في وسائل إعلامها”. اقترح وليام لاستغلال ثغرة حليم الأمنية: تشجيع السعوديين وغيرهم على تمكين حليم من الوصول إلى وسائل الإعلام، ومنحه مساحة لنشر غسيل الحكومة السورية المتسخ. و”نتوقع تفاعل مبالغ فيه من النظام يفاقم من عزلته واغترابه عن جيرانه العرب”. لاحظ أن الغاية من حث السعوديين وغيرهم على لقاء حليم في منافذ إعلامهم لم يكن مساندة الديموقراطية وحقوق الإنسان في سوريا، بل استفزاز حكومة دمشق للرد بسلوكيات “تزيد من عزلتها” عن الدول العربية المجاورة، لتثبت الولايات المتحدة أن الحكومة السورية مارقة وغير راغبة في الامتثال للمعايير الدولية، مما يهدد حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة!!! وبالتالي، يجب على الحكومة الأميركية الرد على تمردها!! علمنا بعد تسريب وثائق ويكيلكس أن السياسة السورية لم تكن تطورات مؤسفة تتفاعل معها واشنطن على مضض، إنما مقصد واضح للسياسة الأميركية. صرح حليم بعد ثمانية أشهر من البرقية السابقة في أوغست 2007، لصحيفة الوطن السعودية بأن تصريحات نائب الرئيس السوري فاروق الشرع التي تنتقد المملكة “جزء من سياسة الزمرة الحاكمة التي تسعى إلى قطع العلاقات السورية مع العالم العربي وربطها باستراتيجية إيران الإقليمية”. حرصت الحكومة في الواقع على تقليص الخلافات، وصرحت بأن البيان المنسوب إلى الشرع “مشوه”. لكن التطورات منطقية في سياق برقية وليام التي أوصت بتأجيج التوترات بين سوريا والسعودية. واستفز حصول حليم على منبر إعلامي من السعودية الحكومة السورية في عام 2006، حيث لا تكتف الدول العربية بتقييد حرية التعبير، إنما تطارد المعارضين في شتى أصقاع المعمورة لخياطة أفواههم!! بأسلوب مقزز يبرهن على مدى تماسك أنظمتهم بنسيج أوهن من بيت العنكبوت.

تحدث حليم مع صحيفة الشرق الأوسط السعودية عن أولوياته في باريس في لقاء يناير 2006، بعد سؤاله عن إمكانية إصلاح حكومة دمشق أو الإطاحة بها: “لا يمكن إصلاح النظام، ولم يبق سوى تغييره”. يتخيل المرء رد فعل حكومة البحرين أو مصر أو مدى استجابة واشنطن إذا أتاحت إيران لنائب رئيس بحريني أو مصري سابق منبر إعلامي للقول: “لا يمكن إصلاح النظام، ولم يتبق سوى الإطاحة به”. كان تصريح حليم قبل 11 شهر من تلغراف وليام، وخمس سنوات من مظاهرات الربيع العربي في سوريا. وأخبرنا الغرب بأن جهود إزاحة الحكومة بالعنف نتيجة لقمع الحكومة للمعارضة في عام 2011، لكننا نعلم الآن أن “تغيير النظام” في صميم سياسة الولايات المتحدة وحلفائها قبل الثورة بخمس سنوات. حث وليام على “تداول الشائعات ومؤشرات التآمر الخارجي لأن النظام حساس للغاية تجاه شائعات التخطيط لانقلاب وتبرم الأجهزة الأمنية والجيش. ويجب تشجيع الحلفاء الإقليميين مثل مصر والسعودية على لقاء شخصيات بمستوى حليم ورفعت الأسد لإرسال هذه المؤشرات إلى بشار، مع تسريب مناسب للاجتماعات بعد ذلك لملامسة جنون الشك والاضطهاد لدى النظام المعزول والتفاعل المفرط للشخصية الانهزامية”. تصور وليام أنه إذا التقت مصر والسعودية مع حليم و”سربت أخبار الاجتماع”، فإن ذلك يرسل إشارة إلى الحكومة السورية بأن هذه الدول تتآمر على سوريا، وربما تحاول تنظيم انقلاب. نعت وليام النظام بـ”مصاب بجنون الارتياب” لمخاوف تبدو منطقية، وتستند إلى تصرفات الولايات المتحدة وحلفائها، لاسيما أن أقوى حكومة في العالم وحلفائها في المنطقة تطلعوا إلى الإطاحة به. ويزخر السجل الأميركي بمحاولات الإطاحة بالحكومات في مختلف الدول. أمدت واشنطن المتمردين في عام 2014، بالأسلحة لقتل مسؤولي الحكومة السورية، فهل كانت خشية حكومة دمشق منطقية أو برنويا؟!! ويبرهن عدم الاعتراف بأن مخاوف خصوم الولايات المتحدة منطقية على رؤية العالم للتهديدات الأميركية باعتبارها طبيعية وغير مرئية وأمر لا مناص منه، وأنه لا يعترض عليها إلا اللامستقرين ذهنيًا (المجانين)، ومخاوفهم بمثابة دليل على اضطرابهم الذهني!! سرد ألكسندر كوكبيرن في غضون حرب الكونترا (فرق الموت) الأميركية ضد حكومة نكاراغوا في الثمانينيات، رأي نائب في الكونجرس سافر إلى نكاراغوا: “يروي سكان نكاراغوا قصصًا عن متقصي الحقائق الأميركيين بأسلوب ساخر وارتيابي. وأنصت نائب في الكونجرس إلى قائد عسكري يبين هيجان الكونترا السفاح: لنفترض أن 5000 من مقاتلي الكونترا يعبرون حدودك. لنفترض أنك تعرضت للغزو من جيش هندوراس، فلماذا تقلق؟!! هل فقدت الأمان إلى هذه الدرجة؟!!!”. أدرج وليام رفض الإصلاحات الاقتصادية ضمن نقاط ضعف حكومة بشار بعنوان “قوى الإصلاح ضد البعثيين…النخب الفاسدة”: “تتدفق مبادرات بشار للإصلاح الاقتصادي بخطوات محدودة وغير فعالة، إلا أنها أعادت السوريين المهاجرين للاستثمار في بلادهم، وصاغت على الأقل وهم الانفتاح المتضخم. يمكن ابتداع أساليب للتشكيك في إصلاحات بشار والإيماءة إلى المحسوبية والرشاوى لإحراج بشار وتقويض جهوده وشرعيته”.

يعد مصطلح “الشرعية” محوري في السياسة الخارجية الأميركية ضد خصومها وفي البلدان التي لا تخشى الولايات المتحدة عسكريًا، لأنها تمتلك أسلحة نووية. ولديه معنى محدد في سياق السياسة الخارجية الأميركية. لا يرتبط المفهوم المعتاد عن “شرعية” الحكومة في القانون الدولي والدبلوماسية الذي تطبقه الولايات المتحدة على حلفائها، بمحبة الحكومة المعنية أو اعتبارها منصفة، فإما أن تكون الحكومة معترف بها في البلاد، ولديها مقعد في منظمة الأمم المتحدة، أو النقيض. لا يناقش امرؤُ في واشنطن لا شرعية الحكومات في السعودية والبحرين والأردن وكيان الاحتلال الإسرائيلي لأنه لم يتم انتخابها من مواطنيها أو لانغماسها في انتهاكات حقوق الإنسان. ولا يتحدث امرؤُ في واشنطن عن لا شرعية حكومة روسيا أو الصين، لأن المرء يمقت سياستها، أو لافتقارها إلى الديموقراطية وانتهاكاتها في مجال حقوق الإنسان. حازت هذه الدول على أسلحة نووية ولها مقعد دائم في منظمة الأمم وحق النقض في مجلس الأمن، وقد يجلب تحدي شرعيتها عواقب وخيمة. قد تشكو الولايات المتحدة من سياساتها، لكنها لا تستطيع تحدي “شرعيتها”. بينما تنتمي دول على نمط سوريا والعراق قبل اجتياح عام 2003، وليبيا قبل غزو عام 2011، عندما أطاحت الحملة العسكرية لأميركا وحلف شمال الأطلسي بحكومة القذافي، إلى فئة مختلفة. إذا اعتقدت حكومة واشنطن أنه يمكن الإطاحة بحكوماتها، تعلن أنها “غير شرعية”. ويفضي الإعلان الأميركي إلى الإطاحة بها. أكد وليام الرؤية بعنوان “تثبيط الاستثمار الأجنبي المباشر، وتحديدًا من دول الخليج: “ارتفعت نسبة الاستثمار الأجنبي المباشر (FDI) في العامين الماضيين. ويأتي أهم الاستثمارات من الخليج”. تنقض بيانات أهم استثمار أجنبي مباشر من الخليج، مزاعم أميركا وحليم بأن علاقات سوريا سيئة مع دول الخليج، وترسم صورة لدولة تحاول الانسجام مع الجوار. ارتأى وليام أن الأكراد في سوريا من نقاط الضعف كما هو الحال في تركيا والعراق وإيران حيث تسعى هذه الأقلية إلى الانفصال في مختلف الدول وتكوين دولتها!! بدلاً من الاندماج في مجتمعاتها والحرص على حقوق المواطنة: “تنتمي أغلبية المعارضة السياسية ومؤسسات المجتمع المدني الأكثر تنظيمًا وجرأة إلى الأقلية الكردية، وتتمركز في شمال-شرق سوريا ودمشق وحلب. يتهيأ الأكراد للاحتجاج بعنف عندما لا يجرؤ الآخرون”. تتضمن كلمة “جرأة” باللغة الإنجليزية معنى “الشجاعة المثالية”. ولذا، لا تنعت الصحف الأميركية نضال الفلسطينيين ضد الاحتلال الإسرائيلي وجرائمه بـ”الجرأة”، لأن الولايات المتحدة لا تعتبر مقاومتهم شجاعة نموذجية يمكن الاقتداء بها!! يوضح وليام رؤية الدبلوماسيين الأميركيين لدول العالم: ينبغي أن يكون اعتراضك على الحكومات الحليفة (البحرين، مصر، وإسرائيل)، غير عنيف، ولا بأس من اللجوء إلى العنف إذا تظاهرت ضد حكومة الأسد أو إيران!! إذا اعترضت على حكومة تريد الولايات المتحدة الإطاحة بها، فإن العنف يبرهن على “الجرأة”. واقترح وليام تسليط الضوء على “الشكاوى الكردية في البيانات العامة التي تشمل إذاعة انتهاكات حقوق الإنسان لتضخيم مخاوف النظام من الأكراد”.

“تتعاظم أعداد العناصر المتطرفة في سوريا كقاعدة لهم، واتخذت الحكومة بعض الإجراءات ضدها. قتل زعيم القاعدة على حدود لبنان في ديسمبر، وبلغت الهجمات الإرهابية في سوريا ذروتها في هجوم 12 سبتمبر على السفارة الأميركية”. ارتأى وليام ضرورة “الإعلان عن وجود مجموعات متطرفة عابرة للحدود (أو متمركزة خارجيًا) في سوريا، ولا تقتصر على حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين، وبث دعاية الجهود السورية ضد المجموعات المتطرفة بأسلوب يشير إلى الوهن والفوضى والتفاعل العشوائي. يجب استعمال أيضًا مبرر الحكومة السورية بعد الهجمات الإرهابية بأنها ضحية للإرهاب لإلقاء الضوء على نمو مؤشرات اللاستقرار”. تأمل أنه ليس لدى وليام مشكلة للإقرار بأن سوريا ضحية للإرهاب وأن الحكومة تكافح عنفهم. لكن وقوعها ضحية للإرهاب يتضمن ضعفها من منظور وليام، ويبرهن على اضطرابها ومعاناتها من “رد فعل لا يمكن السيطرة عليه” لأن دعمها للإرهابيين في دول مغايرة “يعود إليها”. تخيل إذا ارتأى دبلوماسي من دولة خصم للولايات المتحدة أن هجمات 11 سبتمبر على مركز التجارة العالمي والبنتاغون، والجهود الأميركية للتصدي للهجمات المستقبلية، مؤشر على ضعف واشنطن وزعزعة استقرارها، وتفاعلها العشوائي المفرط، وتستحق ما حدث لها لأن الدعم الأميركي السابق للإرهابيين “عاد إلى أراضيها”. صرح المرشح الرئاسي الجمهوري رون باول في مايو 2007، أن هجمات 11 سبتمبر رد فعل على السياسة الخارجية، واستهجن المرشح رودي جيلياني تصريحه واعتبره من منظري المؤامرة. أورد رئيس إيران الاعتقاد السائد عام 2010، في خطاب الأمم المتحدة، أن سياسة الحكومة الأميركية أفضت إلى هجمات 11 سبتمبر، فانسحبت الولايات المتحدة من القاعة واستنكرت الخطاب. نستنتج أنه من المنطقي توقع رد فعل دمشق إذا اعتقدت الولايات المتحدة أن الإرهاب نتيجة لأخطاء سوريا الخارجية، ومن الطبيعي أن ترى الحكومة السورية تصريحها سلوك عدائي. تصور كبير الدبلوماسيين الأميركيين في سوريا أن غاية السياسة في ديسمبر 2006، زعزعة استقرار الحكومة بشتى السبل المتاحة؛ إيقاد الطائفية بدعاية التبشير الشيعي وتأجيج السخط من النشاط التجاري الإيراني وبناء المساجد؛ الضغط على الحلفاء العرب لمنح منصة إعلامية لمسؤول سوري سابق يدعو إلى عزل الحكومة؛ تشنج العلاقات بين دمشق والحكومات العربية، ثم إلقاء اللوم على سوريا; تضخيم رهبة الحكومة السورية من مؤامرات الانقلاب واستفزازها للإفراط في رد فعلها؛ وإذا ردت الحكومة على الاستفزازات الخارجية، فإنها تثبت إصابتها بالذعر أو جنون الارتياب؛ تقويض الإصلاحات الاقتصادية وتثبيط الاستثمار الأجنبي؛ تغذية الاعتقاد بأن الحكومة السورية ليست شرعية؛ الثناء على المظاهرات العنيفة في سوريا للاقتداء بها; واستغلال الإرهاب لاتهام الحكومة بالوهن واللاستقرار والمعاناة من عواقب سياستها الخارجية. أفادت السفارة الأميركية في الرياض أن الولايات المتحدة اهتمت بتطوير العلاقات مع دمشق إذا أرادت فقط “الفطام” من إيران، وأنفقت أموالها على تنظيمات المعارضة السورية. أقرت الحكومة الأميركية بالتمويل بعد نشر وثائق ويكيلكس. وأعلنت قبل ذلك عن تمويلها “لتعزيز الديموقراطية” في سوريا، ولم يكن معروفًا مدى مساهمة الحكومة الأميركية في تمويل مجموعات المعارضة والأنشطة التي اعترفت بأن الحكومة السورية تعتبرها براهين على جهود الانقلاب. أشارت برقية 21 فبراير 2006، إلى أن: “جهات الاتصال بالسفارة الأميركية في سوريا هرعت إلى إدانة البيان العام الذي أصدرته حكومة الولايات المتحدة وأعلن عن تخصيص خمسة مليون دولار لدعم المعارضة، ووسمته بالغر والمؤذي. شددت جهات الاتصال على إساءة البيان إلى المعارضة، واستغلاله من الحكومة في الأشهر القادمة لتلطيخ صورة خصومها كعملاء للأميركيين. وأوردت أن المبادرة أثبتت عدم اهتمام واشنطن بمصير المعارضين، واستغلالهم”. اعتقد بسام إسحاق، الناشط السوري-الأميركي الذي خاض انتخابات مجلس الشعب كمرشح مستقل عام 2003، أن زملائه في المجتمع المدني والمعارضة اتفقوا على التعامل الهزلي للحكومة الأميركية. وطرحت وزارة الخارجية ثمان مبادرات للشراكة الأميركية الشرق-أوسطية (MEPI) من أجل سوريا منذ عام 2005، وبلغت الأموال المخصصة لها 12 مليون دولار بمجيء سبتمبر 2010.

تحدثت برقية 8 يوليو 2009، عن “انقسامات المعارضة وتحالفات غامضة بين الإخوان وحركة العدالة والديموقراطية، ومنظمة إعلان دمشق، وأشارت إلى أن الحكومة اخترقت حركة العدالة واطلعت على برامج الولايات المتحدة في سوريا. استجوبت الأجهزة الأمنية الناشطة في مجال حقوق الإنسان رزان زيتونة في 29 يونيو 2009. وأخبرتنا زيتونة أن المحققين سألوا عما إذا التقت مسؤول من وزارة الخارجية الأميركية أو مجلس الديموقراطية ممول حركة العدالة لتشغيل قناة بردى التلفزيونية”. اختطفت مليشيا “جيش الإسلام” بقيادة زهران علوش المدعومة من السعودية رزان بعد الثورة، بالإضافة إلى زوجها وائل حمادة، واثنين من زملائها (الناشط والمحامي والشاعر ناظم الحمادي والناشطة والمعتقلة السياسية السابقة سميرة الخليل). واختفى الأربعة منذ ذلك الحين. من المفارقات الساخرة أن موقع ويكيبيديا يتهم حكومة الأسد باختطافهم بينما يعلم القاصي والداني أن مليشيا “جيش الإسلام”، السلفية مسؤولة عن اختفائهم. واظبت أميركا على تمويل أنشطة المعارضة التي باتت الحكومة السورية أكثر وعيًا بها. وأنكرت واشنطن أنها ترقى إلى مستوى سياسة تغيير النظام عندما أصبحت علنية. دفعت دول الخليج وتركيا لتبني سياسة تغيير النظام في عام 2011. وضغطت هذه البلدان لتنفيذ المشروع الأميركي. تمحورت القصة المعروضة على الجمهور الأميركي حول اجتهاد حكومتهم للتعامل مع سوريا وإخفاقها بعد قمع الثورة عام 2011. بينما تبرهن البرقيات على اعتماد سياسة تغيير النظام قبل الانتفاضة بسنوات. قمعت الحكومة الإيرانية المظاهرات عام 2009، لكن الولايات المتحدة لم تهمل إشراك طهران في الإصلاحات والحوار، ولم تناد بالانقلاب عليها. تتواصل واشنطن ومختلف دول أوروبا مع إيران وتتفاوض معها على برنامج التخصيب النووي؛ اعتقد الأميركيون وحلفاؤهم أنه يمكن إزاحة الحكومة السورية قسرًا، في حين لا يستطيعون ذلك مع الحكومة الإيرانية. لا تعد الولايات المتحدة ضحية بريئة للظروف. وتجابه أوضاع صاغتها بالسعي إلى تغيير النظام بالقوة العسكرية والمليشيات وإلغاء الانتقال إلى مرحلة الدبلوماسية.

عن Rokayah

شاهد أيضاً

العبودية الأميركية لكيان إسرائيل المؤقت…9

نشطت حملة صهيونية مماثلة لتلك الأميركية في سراديب أوروبا. وتوغلت الطواقم الصهيونية في مخيمات اللاجئين …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *