الخميس , أكتوبر 28 2021
الرئيسية / صحافة / الانسحاب الأميركي من أفغانستان بعد 20 عام من العبث…

الانسحاب الأميركي من أفغانستان بعد 20 عام من العبث…

في يوم انسحاب آخر جندي أميركي من أفغانستان 31 أوغست 2021 – 23 محرم 1443، عالج أستاذ العلوم السياسية أناتول ليفين، الباحث في مؤسسة “أميركا الجديدة”، ونائب المجلس الأكاديمي لنادي فلدي للحوار في روسيا ومفوض اللجنة الاستشارية في وزارة الخارجية البريطانية وشؤون الكومونويلث، الحرب العبثية من زاوية لم يتحدث عنها كثيرون: مرت عشر سنوات على الحرب عندما زرت معسكر شوراباك، القاعدة العسكرية الأفغانية المرفقة مثل كوخ منحدِر السقف، بالسياج المحيط بالقاعدتين الأميركية والبريطانية في شمال هلمند، من الولايات الأفغانية الـ34. وكان ذلك الحين في خريف عام 2013، أثناء رحلة نظمها حلف الناتو وقادمة للتو من مدينة لشكرجاه التي تهيأ طاقم إعادة الإعمار البريطاني للانسحاب منها. تزامن تأمين عسكر لشكر جاه مع رفض تحركنا بعيدًا عن الأسلاك البريطانية. واصطحبنا مسؤولون في معسكر شوراباك، لرؤية تدريب الناتو للجنود الأفغان على أحدث الأسلحة الأميركية والغريبة التي أرغمهم الكونجرس على تبنيها بتأثير المجمع الصناعي-العسكري الأميركي. جلس آنذاك ضباط أفغان بدون أسلحة، على الأرضية أمام المدرب البريطاني الذي يحمل مسدس في جيبه، ويشرح لهم على السبورة، معتمدًا على مترجم أفغاني أعزل بدون بندقية. وقف بجوار الأبواب جنود من جورجيا مدرعين من رأسهم إلى أخمص قدميهم، ويمسكون بنادق آلية في وضعية التأهب، حيث أرسلتهم الدولة القوقازية لحرصها على الانضمام إلى تحالف الناتو برشق الرصاص على حلفائنا الأفغان فيما إذا تحركوا للهجوم على مُعلمهم!! أدركت وقتئذ أن الحملة الأفغانية محكوم عليها بالفشل لاضمحلال الثقة بين الحلفاء!! ويمكن تفسير الكارثة الأفغانية بثلاثة أجزاء: انتصار طالبان; هزيمة الحكومة الأفغانية; والانسحاب الأميركي. ونبدأ بانتصار طالبان: يجب علينا الاعتراف بشجاعتهم الاستثنائية وعزيمة وتضحية طالبان بأرواحهم من أجل قضيتهم مهما كانت أفكارهم بغيضة ومقيتة وممارساتهم همجية، ومهما بلغ مستوى اختلافنا معهم، على الأقل من باب اللياقة! اقتضى على البريطانيين التعلم عن قيادة طالبان من وحي تجربتهم مع القومية الأيرلندية التي لخصتها كلمات الشاعر الأيرلندي وليام بتلر في عام 1916:

قلوبنا تتطلع إلى غاية واحدة
تتدفق صيفًا وشتًاء
مفتونة بجوهرة
لإثارة ينبوع متَّقد…

تمثلت “جوهرة” أفغانستان في موالاة الأفغان الصلبة في المناطق الريفية لتقاليدهم الدينية والثقافية. واقتنع مسؤولون وصحافيون غربيون منذ سنوات أن طالبان من صنع باكستان والسعودية وواشنطن وليس لديها جذور في أفغانستان، وأن عقيدتهم “شاذة”، ولا تجسد التقاليد الأفغانية بنسيج من التخيلات والأوهام والتضليل الممزوج بذرات من الحقيقة، مما جعل صمود طالبان ودعمه الجماهيري غامض. يعد الجانب المذهل في خيال الدعاية الغربية أنه قبل نحو 20 عامًا من أحداث 11 سبتمبر، كان هؤلاء الأفغان الطالبيون (أو آباؤهم)، الذين ينتمون إلى المنطقة، ويقاتلون من أجل ذات الأسباب: القومية، أو الدين والانتقام، أعزاء الغرب عندما حاربوا السوفييت وحلفائهم من الأفغان الشيوعيين في فترة الثمانينيات 1980، وانضم إليهم آنذاك أسامة بن لادن الذي جلب إليهم التبرعات السعودية ووصفته الصحف الغربية بـ”البطل”. تراكمت معرفتي بطالبان منذ ذلك الحين، وتحديدًا في عام 1988 و1989، عندما عملت صحافيًا في التايمز البريطانية، ورافقت “المجاهدين” الأفغان في رحلاتهم. ويعد تطور طالبان وتحولهم إلى منظمة أكثر اتحادًا وانضباطًا بقيادة متناسقة ومنسجمة الفارق المهم بالمقارنة مع آبائهم “المجاهدين”. قد يبدو انهيار الدولة الأفغانية الحَثِيث الأكثر إثارة للدهشة، إلا أن الحكومة الشيوعية استمرت لمدة ثلاث سنوات بعد انسحاب السوفييت في مارس 1989، وتلاشت بعد تشرذم الاتحاد السوفييتي وإنهاء معوناته المادية. بينما انهارت “دولة” الغرب الأفغانية خلال أسبوعين!! هرع الاتحاد السوفييتي في ديسمبر 1979، لمساندة حلفائه الشيوعيين المهددين بالانقراض، وورثت موسكو الدولة الملكية الأفغانية وجيشها التي جابهت الانشقاق، في حين أدت واجباتها الأساسية في محاربة المتمردين الإسلامويين والقبليين على غرار تغلب الروس والإيرانيين في سوريا لأنهم ساندوا دولة كائنة ومحددة الآفاق ومعترف به رسميًا، على النقيض من الدعم الأميركي بعد هجمات 11 سبتمبر، الذي لم يرث هياكل دولة أفغانية حقيقية، إنما ساند ميليشيات التحالف الشمالي الأفغاني التي صاغت القوات البرية للغزو الأميركي، وتألفت من الميليشيات الإثنية وأمراء الحرب الذين كرههم الأفغان لوحشيتهم وقمعهم ونهبهم وحربهم الضروس، ناهيك عن سلوكهم وأسلوب تعاملهم مع السكان. أمضت الولايات المتحدة سنوات لتقليص دورها. وتفاقمت الأوضاع عندما رفض الأميركيون باستبداد انضمام ضباط شيوعيين من فترة الثمانينيات على نمط قانون الاجتثاث الذي أدى إلى تفتيت الجيش العراقي بطرد البعثيين، وأهدروا خبراتهم حتى فوات الأوان، مما أدى إلى انتقام البعثيين من الأميركيين وحلفائهم الشيعة بمنح خبراتهم المتميزة لتنظيم داعش.

تكدست المعونات الغربية لأفغانستان في جيوب المتعاقدين الغربيين، المستشارين، والمنظمات غير الحكومية، وأفضت إلى انفجار الفساد الأفغاني الحكومي. استغلت الحكومة أموال المساعدات المسروقة لإنشاء شبكة محسوبية في كابول واتصال أمراء الحرب المحليين وزعماء القبائل بالدولة الأفغانية. وقوضت المحسوبية والرشاوى التي جذبت هؤلاء الزعماء بعيدًا عن قاعدتهم، سيطرتهم على أتباعهم المحليين، مما نتج عنه فشل الميليشيات في الأسابيع الأخيرة للقتال ضد طالبان بخلاف ما حدث في فترة التسعينيات 1990. انهمك قادتهم بحياة الترف والرفاهية في كابول ودبي، وجمع أموال المعونات الغربية المسروقة وتجارة الهيروين. وتعد مسألة القرب (أو المسافة) بين الرؤساء وجنودهم عنصر حاسم لروح الميليشيات القتالية، سواء كانت موالية للحكومة أو المتمردين. أدركت ذلك في إسلام أباد عام 1989، عندما زرت “اللواء” عبد الرحيم وردك، “القائد العسكري” للجبهة الإسلاموية الوطنية بقيادة بير سيد أحمد جيلاني، الذي اعتمد أيضًا على المعونات الغربية. نزع المسؤولون الغربيون إلى هذه القوة الملكية برئاسة أفراد من الطبقة الأرستقراطية القديمة بذريعة “اعتدالها” مقارنة بالمجموعات الإسلاموية الراديكالية. وبات أعضاء الجبهة معروفين لدى الصحافيين والمسؤولين والجواسيس في بيشاور بلقب “عصابة غوتشي”. التقيت عبد الرحيم مرتديًا بدلة غربية أنيقة وساعة ذهبية; ولم يهمل مهمته العسكرية بلباس شريط تمويه حول قلمه الذهبي. بدا تناقض مظهرهم الباذخ مع ملابس المقاتلين الفلاحين المعسرين ماديًا والمتدينين من ذوي البأس الشديد سرياليًا. وعلمت أن عبدالرحيم تقلد منصب وزير الدفاع في أفغانستان عام 2004، مما زاد يقيني من فشل جهود الغرب. تذكرت عبدالرحيم عندما شاهدت لقطات لهيئة الإذاعة البريطانية BBC عن انهيار الدولة الأفغانية، وجلوس مقاتلي طالبان المنتصرين على الكراسي المذهبة والسجاد الفخم في قصر نائب الرئيس السابق عبد الرشيد دوستم: “لماذا بحق السماء يموت جندي أفغاني من أجل تمكين جنرال من الجلوس على كرسي من طراز عرش لويس الرابع عشر؟ (أو رئيس نائم في فندق دولة مجاورة؟!!!)”. هرب دوستم الآن إلى الخارج، بعدما كان “قائدًا صارمًا وقاسيًا” لميليشيا أوزبكية ضد طالبان. ويبدو أن شدته ذابت بتأثير المعونات الغربية المفسدة. تزدحم الأسئلة التي يجب طرحها عن أسباب انهيار الدولة الأفغانية، لكن أهمها: لماذا يموت جندي أفغاني من أجل كرسي الجنرال دوستم المصمم على نمط عرش ملك فرنسا لويس الرابع عشر؟ وينبغي علينا رصد أحوال قادة طالبان المستقبلية فيما إذا سيفقدون أعظم مميزاتهم، وقربهم من جنودهم، بفساد الترف والجلوس على مثل هذه الكراسي. يعد الانسحاب الأميركي حتميًا، لأن جميع الإدارات صرحت بذلك ولأن مصير الاحتلال إلى زوال مهما طالت مدته. وتطلع مسؤولون أمنيون أميركيون إلى بقاء قواعد عسكرية في أفغانستان لتهديد الإيرانيين والروس والصينيين. غير أن جهود بناء الدولة المدعومة من الجيش الأميركي تلاشت على مدى أجيال. صمدت طالبان ولم تتطور الدولة الأفغانية، حتى بات انسحاب القوات الأميركية وانهيار الدولة المحددة مؤسساتها على الورق فقط عاجلاً غير آجل. وربما كان ثمة فرصة لتأسيس دولة مستدامة وتناغم الآراء، فيما إذا تفاوضت واشنطن مع ثلة من مقاتلي طالبان. أورد الضابط البريطاني مايك مارتن في كتابه: “حرب وثيقة: تاريخ شفهي لنزاع هلمند”، بأن هذه الإمكانية تقلصت على المستوى الداخلي بسبب أطماع وضَغائِن ومخاوف أمراء الحرب البشتون الذين أعادهم الغرب إلى السلطة والثروة في شرق وجنوب أفغانستان.

منع أمراء الحرب قادة طالبان السابقين من المشاركة في الحكم والثروة. وكان الطالبيون بهزيمة نظامهم ونزوح جنودهم وتشتت شبكاتهم، تواقين للانضمام إلى الحكومة، وتأكدت من ذلك عندما زرت شرق أفغانستان عام 2002. رفض الأميركيون آنذاك الإنصات إليهم، وأصغوا إلى سم حلفائهم: قتل الجيش الأميركي أو اعتقل معظم القادة المحليين المعنيين، مما أدى إلى نفور عشائرهم وجنودهم. وتوطدت السياسة المروعة ببيان جورج بوش عن حربه العالمية على “الإرهاب” وتأطر النزاع بكفاح “الخير ضد الشر”، و”إما أن تكون معنا أو ضدنا”. تغاضت إدارة بوش عن الولاءات السياسية المتغيرة وتأثير قرابة النسب الدائمة وصلة الرحم على الأفغان. وحاول أناتول ليفين وآخرون بعد دعوتهم إلى واشنطن اقتراح الحوار مع طالبان، ورد عليهم الأميركيون: “طالبان أشرار…إرهابيون…أميركا لا تتحدث مع الإرهابيين!!”. تمتد الهزيمة إلى بريطانيا ودول حلف الناتو الذين ذهبوا إلى أفغانستان لإرضاء الولايات المتحدة، وإن اختلفت الأسباب بين بريطانيا والأوروبيين. ينبغي أن تؤدي كارثة على مستوى أفغانستان إلى تمحيص الذات لأنها أماطت اللثام عن وهن النظام البريطاني السياسي. بينما تعد مساهمة أعضاء الناتو الأوروبيين بمثابة تمرين مسرحي يسعى إلى إبقاء الولايات المتحدة ملتزمة بالدفاع عن أوروبا. حفز الخوف من روسيا البولنديين وبلدان البلطيق (إستونيا، لاتفيا، ليتوانيا). وحرض الفرنسيين نفوذهم في أفريقيا الذي لا يستطيعون حمايته إلا بدعم أميركي. يدرك الألمان وآخرون أنهم غير قادرين على حث الروح القتالية والإنفاق العسكري على أمن البلقان وردع العدوان الصربي والتركي بدون واشنطن. ويتذكر الأوروبيون فشلهم في البوسنة أثناء التسعينيات، ناهيك عن ذكريات الاستسلام والهوان في بولندا أثناء الحرب العالمية الثانية التي أنقذهم الأميركيون من نهايتها المأساوية. تمحور اهتمامهم في أفغانستان على المشاركة. وأقر مسؤول ألماني: “كانت خطة ألمانيا تنفيذ الحد الأدنى لإبقاء أميركا متعهدة بأمن أوروبا”. ترقص دول الناتو في مراسم تنصيب الرئيس الأميركي للبرهنة على موالاتها والترفيه عن حماتها الإمبراطوريين. وقال ضابط أميركي عن الأوروبيين في أفغانستان: “يتظاهرون بالقتال، ونتظاهر بالاستماع إليهم”. وبالتالي، كان من المنطقي أن يقرر بايدن الانسحاب بدون إبلاغ دول الناتو أو التشاور معها. تمركز الجيش البريطاني في هلمند عام 2006، متأهبًا للقتال، كما وثق فيليب ستيفنز في كتابه: “بريطانيا منفردة: الطريق من قناة السويس إلى البريكست”، وسيمون أكام في كتابه: “تغيير الحرس: الجيش البريطاني منذ هجمات 11 سبتمبر”، إلا أنه اتخذ لأسباب لا علاقة لها بأفغانستان، إنما بتصور بريطانيا أنها لا تزال قوة “عظمى”، بينما تعتمد على الولايات المتحدة وتتصرف في الشؤون الجغرافية-السياسية وكأنها قِنّ للأميركيين. كما أرادت لندن استعادة الثقة في واشنطن بعد إخفاق الجيش البريطاني في مدينة البصرة العراقية.

استعرض الجنود البريطانيون للجمهور الأميركي، مثلما أكد توني بلير في عام 2002 لقناة BBC، أنه يتفق مع رأي وزير الدفاع الأميركي روبرت ماكنمارا في حرب فيتنام بأن بريطانيا يجب أن تدفع ثمن علاقتها مع واشنطن بالدم. وقد يرضخ بريطانيون للثمن فيما إذا خاطر بلير وأمثاله بأرواحهم ودمائهم في هلمند. لم يكن من الملائم أن تفرض على ضابط مخابرات بريطاني تعلم لغة الباشتو إلا بمقدار ما تتعلم ممثلة تؤدي دور جولييت اللغة الإيطالية. وإذا لم تستطع تحفيز جندي أفغاني على الموت من أجل كراسي المسؤولين وتراكم ثرواتهم، فلا يمكنك حث جندي بريطاني على الموت من أجل مسرحية. سيتدفق المهاجرون إلى أوروبا فيما إذا انهارت نيجيريا، على سبيل المثال، التي يبلغ عدد سكانها 200 مليون نسمة ومن المتوقع أن يتضاعف عددهم عام 2050، أو انحدرت إلى الفوضى بسبب التطرف الديني، النزاع العرقي، الفساد، النمو السكاني، ندرة المياه، وتغير المناخ. اتسمت ردود الأفعال في ألمانيا ودول أوروبية مغايرة بالعنف أحيانًا ضد هجرة السوريين التي أدت إلى صعود الأحزاب الشوفينية المتطرفة في وطنيتها وقد تدمر الديموقراطية الليبرالية. ينبغي على بريطانيا وأوروبا الاستفادة من تجربة أفغانستان: بضرورة الالتزام في دول الفوضى على المدى البعيد، التهيؤ لتكبد الخسائر، وإدراك الحقائق المحلية لبناء ديموقراطية ليبرالية وليس التخيلات الغربية. تتمثل مأساة القتلى البريطانيين والأوروبيين في إزهاق أرواحهم من أجل مسرحية في أفغانستان، وذهابهم إلى المسرح الخطأ.

عن Rokayah

شاهد أيضاً

العالم من أفق الإمبراطورية الأميركية…8

تتهيأ الجيوش للسير نحو أماكن محددة. وتخوض الإمبراطوريات الحروب لغايات حتى يغدو الدم مرادف للإمبراطورية. …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *