الثلاثاء , يناير 25 2022
الرئيسية / صحافة / سجلات الحرب الأفغانية…2

سجلات الحرب الأفغانية…2

قرر بوش الإبقاء على بعض الجنود في أفغانستان إلى أجل غير مسمى لمطاردة “الإرهابيين” المشتبه بهم بعد سلسلة من “الانتصارات” العسكرية العاجلة والمؤقتة في عام 2001-2002. وهرع إلى بغداد لاجتياحها حتى باتت أفغانستان فكرة قديمة!! أخبر الدبلوماسي والمبعوث الخاص إلى أفغانستان لإدارة بوش وأوباما، جيمس دوبينز، المحاورين الحكوميين بأن غزو العراق ومغادرة أفغانستان “خطأ متعجرف (إن لم تكن خطيئة)”. واختفى تنظيم القاعدة من أفغانستان بالتزامن مع تسنم أوباما سُدَّة الرئاسة في عام 2009. لكن طالبان عادت. مزق أوباما استراتيجية بوش لمكافحة “الإرهاب”، واعتمد خطة قطبية معاكسة بشن حملة شاسعة لمكافحة “التمرد”، بمساندة 150000 جندي من الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، وأطنان من المعونات لحكومة أفغانية واهنة. فرض أوباما على النقيض من بوش مواعيد محددة، وتعهد بإعادة القوات الأميركية إلى موطنها في نهاية فترة رئاسته. أفضت استراتيجية أوباما إلى الفشل. وأورد أميركيون وأفغان ومسؤولون من حلف الناتو، أنهم استندوا إلى حكومة أفغانية فاسدة وعاجزة عمليًا. حاول أوباما تحديد مواعيد مصطنعة لإنهاء الحرب. واقتضى على طالبان التربص به ورصد سياسته. قال العقيد بوب كراولي: “زخرت الاستراتيجية بالافتراضات الخاطئة، ومنها: تهيؤ أفغانستان للديموقراطية بين عشية وضحاها، ودعم المواطنين الأفغان للحكومة في إطار زمني وجيز، ثم ستمطر السماء بالإنجازات والتطورات ومشاريع التنمية!!!”. تدفق 775000 جندي أميركي في الفترة 2001-2018. وتوفي 2300 في مدن الأفغان وعاد 20589 مصاب، وفقًا لأرقام وزارة الدفاع. بقي منهم 13000 إلى عام 2018.

يقر الجيش الأميركي بأن طالبان أقوى مما كانت عليه منذ عام 2001. ولم يكن ثمة إحصاء شامل للإخفاقات الاستراتيجية في أطول حرب على مدار التاريخ الأميركي. لم نعثر على تقرير لجنة 11 سبتمبر باللغة الأفغانية التي نال المتحدثون بها أسوأ أعقاب من الحكومة الأميركية بدون أن يشارك في الهجوم أفغاني!! ولم ينشر الأميركيون نسخة أفغانية من جلسات استماع فولبرايت؛ لا توجد أيضًا نسخة أفغانية من تاريخ الجيش عن حرب العراق المؤلف من 1300 صفحة. قررت وكالة فدرالية أنشأها الكونجرس في عام 2014، ملء خواء السلطة. ودشن مكتب الراصد العام SIGAR، مشروع “الدروس المستفادة” والعبرات المستخلصة من أخطاء الحرب الأساسية. صرح دونالد رامسفيلد عن طالبان وتنظيم القاعدة في لقاء صحافي مع قناة MSNBC، يوم 28 مارس 2002: “ما يمكنك القيام به تفجيرهم وقتلهم…هذا ما فعلناه واختفوا”، في عبارة تلخص قانون الغاب بين الحيوانات: “أستطيع قتلك لأنني الأقوى ماديًا وأمتلك أدوات القضاء عليك…سأفعل ذلك…ولتذهب إلى الجحيم!!”. كان تصريح رامسفيلد السابق لأوانه الأول من نوعه عندما افترض كبار المسؤولين الأميركيين مخطئين أنهم يستطيعون إنهاء الحرب بشروطهم. ورفضت إدارة بوش بعد احتلال أفغانستان الجلوس مع قادة طالبان المهزومين آنذاك للتفاوض على سلام دائم، القرار الذي ندم عليه الأميركيون لاحقًا. استبعدوا المنتمين إلى طالبان من المؤتمرات الدولية والتجمعات الأفغانية عام 2001-2003، لتأسيس حكومة جديدة، رغم أن بعض شخصيات طالبان أعلنت استعدادها للانضمام إليها. لكن الغطرسة والثقة المفرطة رفضت التحاور معهم، ومنحت مكافآت للقبض عليهم وإرسال المئات منهم إلى خليج الخنازير في كوبا (جوانتانامو). أفاد بارنيت روبين، الأكاديمي الأميركي في شؤون أفغانستان ومستشار الأمم المتحدة آنذاك بـ”إن الخطأ الجسيم الذي اقترفناه معاملة طالبان على غرار تنظيم القاعدة…اهتم قادة طالبان بإعطاء النظام الجديد فرصة، ورفضنا إتاحتها لهم”. لم يتورط طالبان في هجمات 11 سبتمبر؛ ولم يكن الخاطفين أو المخططين أفغان. صنفت إدارة بوش قادة طالبان رغم ذلك في فئة “الإرهاب” بذريعة أنهم منحوا القاعدة ملاذ ورفضوا تسليم أسامة بن لادن، وهذا قمة التضليل لأنهم وافقوا على تسليم بن لادن لكن الأميركيين رفضوا مناقشة الأمر معهم. شيطن الأميركيون طالبان لتزمتهم الديني، وأثبت تنظيمهم أنه متجذر وراسخ في المجتمع الأفغاني بحيث لا يمكن استئصاله. أورد روبن في لقاء “الدروس المستفادة”: “تطلع الجميع إلى محو طالبان واختفائها…ولم يكن ثمة إرادة لتقليص التهديد بالدبلوماسية ومساهمة طالبان في عملية السلام”. أقر مسؤول في الأمم المتحدة لم يذكر اسمه بأنها “أهم فرصة ضائعة لإنهاء الحرب وقتئذ…تهيأ قادة الحزب الإسلامي أو طالبان في تلك اللحظة للانضمام إلى الحكومة، ومن ثم، فإن الدرس المستفاد من هذا الخطأ: إذا سنحت لك الفرصة للتحدث مع طالبان، فتحدث معهم”.

أدرك المسؤولون بعد فوات الأوان أنه من المستحيل التغلب على الطالبيين، لاسيما في ظل تفشي الأمية والفقر، فالإنسان ابن بيئته ويتغير نمط تفكيره بتغير ظروفها. يؤدي التعليم وانتعاش الاقتصاد إلى ارتقاء الإنسان ومجتمعه تلقائيًا بدون حرب لإخضاعه قسرًا على تغيير تزمته الديني. اقتنع مسؤولو البنتاغون في عام 2017، بأن السبيل لإنهاء الحرب تسوية سياسية لمصالحة تنظيم طالبان مع الحكومة الأفغانية. وبدأت الحكومة الأميركية محادثات سلام مباشرة مع طالبان في العاصمة القطرية. من سخرية القدر أن خمسة من المتفاوضين مع حكومة واشنطن كانوا أسرى حرب في جوانتانامو لمدة 12 عامًا، ليتحول السجان والسجين إلى شركاء سلام!! أقر المبعوث الأميركي-الأفغاني والسفير السابق للولايات المتحدة في أفغانستان عام 2003-2005، ثم سفيرًا في العراق والأمم المتحدة، زلماي خليل زاد، في ديسمبر 2016، بأن إدارة بوش أهدرت فرصة لإنهاء الحرب بعد فترة وجيزة من شنها عندما رفضت التحدث مع طالبان: “لم نكن ذوي بديهة وحصافة للتواصل مع طالبان في وقت مبكر، واعتقدنا أنهم هُزموا ويجب مقاضاتهم، بدلاً من احتوائهم وتسوية الخلافات معهم”. استعان ترامب بزلماي بعد عام من لقائه في برنامج “الدروس المستفادة”، كمبعوث أميركا للتفاوض مع طالبان. وحظر المسؤولون الفيدراليون صفحات من لقاء زلماي قبل تنقيح نسخة لصحيفة واشنطن بوست في يونيو، بذريعة أنها تشتمل على معلومات مصنفة. أفصحت وزارة العدل في ملف المحكمة، بأن إلغاء الحظر عن مواد محجوبة “يؤثر سلبًا على المفاوضات الدبلوماسية” قبل سيطرة طالبان عام 2021. وقال مسؤولون آخرون إن إدارة بوش ضاعفت خطأها مع طالبان بارتكاب خطأ فادح آخر متمثل في سوء التعامل مع الحليف الباكستاني. مهد الرئيس العسكري لباكستان، اللواء برويز مشرف، للبنتاغون المجال الجوي الباكستاني وتعقب قادة القاعدة في الأراضي الباكستانية من عملاء المخابرات CIA. أدرك البيت الأبيض في عهد بوش متأخرًا أن باكستان تدعم طالبان وراء الكواليس. وأورد مارين سترمكي، كبير مستشاري رامسفيلد: “حجبت الثقة الشخصية بمشرف وتعاونه في اعتقال زمرة القاعدة، سياسته المزدوجة منذ عام 2002-2003… واشتكى حامد كرزاي والأفغان على الدوام من دعم إسلام أباد لطالبان منذ عام 2002…لكننا لم نصغ لهم لتعاون باكستان مع واشنطن في محاربة تنظيم القاعدة…ولم نجابه الباكستانيين في دعم طالبان”.

باتت أفغانستان عام 2002، حرب الأمس من منظور إدارة بوش التي تهيأت لغزو العراق. وبدا رامسفيلد مندهشًا من انحسار أفغانستان عن تفكير بوش في 21 أكتوبر، بعد قضاء بضع ساعات في البيت الأبيض لمناقشة اجتياح العراق، وفقًا لمستند كتبه وزير الدفاع في ذلك اليوم. التقى رامسفيلد بالقائد العام قبل الثالثة مساءً. وسأل بوش عما إذا كان يرنو إلى عقد اجتماع مع اللواء تومي فرانكس، رئيس القيادة المركزية، واللواء دان ماكنيل، قائد القوات الأميركية في أفغانستان على مدى الأشهر الستة الماضية. كان بوش في حيرة من أمره. وكتب رامسفيلد: “تساءل الرئيس: من هو اللواء ماكنيل؟!!…فأجبته: إنه المسؤول عن أفغانستان…حسنًا، لا أرغب في مقابلته”. نشرت المذكرة كجزء من دعوى قضائية بموجب قانون حرية المعلومات، لملفات الأمن القومي، معهد الأبحاث في جامعة جورج واشنطن الذي تشاركها مع صحيفة بوست. وأفاد ماكنيل بأنه “نال القليل من التوجيه الاستراتيجي…تمحور اهتمام البنتاغون حول تقليص عدد القوات”. قاد ماكنيل 8000 جندي، الذي يعد جزء ضئيل من العدد الكلي للقوات. ولم يكن ثمة معارضة مؤثرة لقرارات بوش. اقترح الدبلوماسي ومنسق بوش في أفغانستان، ريتشارد هاس، بعد هجمات 11 سبتمبر، توزيع 20000 إلى 25000 جندي أميركي، إلى جانب عدد مماثل من قوات الناتو. ورفض مقترحه. أراد بوش تحقيق انتصارات سريعة على جبهتين (بغداد وكابل). ووضعت لافتة “أنجزت المهمة” في 1 مايو 2003، على حاملة طائرات، حيث صرح بوش بإنهاء “العمليات القتالية الرئيسية” في العراق. زار رامسفيلد كابل في ذلك الحين، وأعلن إنهاء “العمليات القتالية الرئيسية” في أفغانستان.

جاء التصريحان بنتائج عكسية فادحة. وانزلق العراق إلى حرب أهلية-إقليمية. أعادت طالبان تجميع صفوفها بثبات بعد تركيز الحكومة الأميركية على العراق. وأورد الدبلوماسي وسفير إدارة بوش إلى حلف الناتو، نقولاس بيرنز: “إن الإدارة خسرت المشهد في أفغانستان في زمن حاسم. لم نستفسر بعد عام 2003 و2004، عن أهمية بقائنا في كابل؟ ومدى نجاحنا؟”. يعد بيرنز من الثلة التي أقرت بمسؤوليتها الشخصية عن إخفاقات الحرب: “غالبًا ما تساءلت عن أخطائنا؟ أعترف بخطأي ونادم على ما اقترفت…كان يجب طرح هذه الأسئلة عام 2005-2006”. جابهت القوات الأميركية وقوات التحالف طالبان في شرق-جنوب البلاد عندما تولى اللواء البريطاني ديفيد ريتشاردز قيادة الناتو عام 2006، الذي أقر بهزيمة التحالف وعدم قدرته على التأقلم والمواءمة: “لم يكن لدينا استراتيجية صلبة على المدى البعيد، إنما الكثير من التكتيكات!!”. وارتفع عدد الأميركيين وقوات الناتو إلى 50000، في مارس 2007. لم يتمكن مسؤول من صياغة استراتيجية رغم وفرة أعدادهم. وفكر بعضهم من منظور ديموقراطية جيفرسون التي لا يمكن تطبيقها في أفغانستان. اتسمت ممارسات العسكريين بالانتهازية، وكان معظمها ردود أفعال. توقع ديفيد بترايوس في مارس 2011، عندما كان قائدًا للقوات الأميركية وحلف الناتو، أن عدد جنود طالبان 25000، أثناء شهادته في الكونجرس. وتنبأ الجيش الأميركي عام 2018، أن العدد تضاعف إلى 60000.

عن Rokayah

شاهد أيضاً

تفاعلات الأمن السوري وأزمة المهاجرين…5

بدأت أزمة المهاجرين السوريين إلى تركيا في أبريل 2011، عندما وصلت المجموعة الأولى المؤلفة من …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *