الثلاثاء , يناير 25 2022
الرئيسية / صحافة / سجلات الحرب الأفغانية…3

سجلات الحرب الأفغانية…3

تعهد جورج بوش الابن وباراك أوباما ودونالد ترامب بـ”لن تتعثر الولايات المتحدة في عبء بناء الدولة الأفغانية”. وصرح بوش في أكتوبر 2001، بأنه سيدفع “الأمم المتحدة” نحو “تشييد الأمة”. أصر أوباما بعد ثمان سنوات، على أن حكومته لن توحل في “مشروع بناء الدولة” الممتد. وصرح ترامب بعد ثمان سنوات بتعهد مشابه: “لن نبني دولة” لأن مهمتهم الأساسية التدمير!! يثبت ذلك السجل الأميركي للاجتياح العسكري في العراق، سوريا، ليبيا، اليمن، هايتي، والصومال على مدار الـ25 عامًا الأخيرة. وتستنزف الحروب الأمم مثلما حدث في كابل منذ عام 1979. لا يتفاعل مع العالم الخارجي سوى ثلة من الأفغان. ويعد أغلبيتهم من الأميين. حظر تنظيم طالبان الديني قبل الغزو، بعض سمات الحضارة الحديثة التي تشمل مشاهدة التلفزيون وعزف الآلات الموسيقية والمساواة في حقوق المرأة. ونال الرئيس بموجب الدستور الجديد بعد الغزو سلطة تطغى على البرلمان والقضاء وتتضمن اختيار مدراء المناطق. ومن ثم، تمركز النفوذ لدى الرئيس. وتعارض النظام الأميركي مع التقاليد الأفغانية، المتمثلة في مزيج من السلطة اللامركزية والعادات القبلية. رشق الأميركيون الرصاص بالتزامن مع هزيمة طالبان وانهيارها. وبات حامد كرزاي رئيسًا من قبيلة البشتون. والأهم من ذلك، أن كرزاي متحدث باللغة الإنجليزية وعميل وكالة المخابرات CIA. أنقذ جاسوس أميركي حياته في عام 2001، وأدرجته المخابرات ضمن جداول رواتبها لسنوات تالية. تمكن نظام كرزاي من بسط سيطرته. وانتخب في عام 2004، بعد رئاسته للمرحلة المؤقتة، في أول انتخابات أفغانية. وطد كرزاي علاقته الشخصية مع بوش. وتجاذب الرئيسان محادثات منتظمة. لكن العلاقات توترت تدريجيًا. أصبح كرزاي صريحًا وانتقد تصاعد الهجمات الجوية الأميركية والغارات الليلية التي قتلت ضحايا مدنيين وأدت إلى نفور السكان. غضب الأميركيون عندما أبرم كرزاي صفقات مع أمراء الحرب ووزع إدارة المحافظات عليهم كغنائم سياسية. عاد أمراء الحرب بعد عام 2005، لأن كرزاي تعامل معهم بنظام المحسوبية، ولم يعتمد على المؤسسات “الديموقراطية”. استعان بأصدقائه وأنصاره. وبات رئيس لولاية ثانية في عام 2009. اتهم إدارة أوباما بانتهاك السيادة الأفغانية والتخطيط للإطاحة به. وابتلع الأميركيون اعتراضهم على إعادة انتخابه. حاولت الحكومة الأميركية ربط المنطقة الصناعية بمشروع إنتاج الكهرباء لقندهار، ثاني أكبر مدينة في أفغانستان، والمناطق المحيطة بها. وقاست المدينة من ندرة الطاقة. اعتقد العسكريون الأميركيون أنهم إذا تمكنوا من إنتاج الكهرباء، فإن سكان قندهار سيدعمون الحكومة وينقلبون على طالبان. وأراد الجيش إعادة بناء محطة طاقة كهرومائية في سد كاجاكي، على بعد 100 ميل شمال قندهار. شيدت الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، السد في الخمسينيات 1950، وثبتت محركات التوربينات في السبعينيات 1970. سعت الحكومة الأميركية إلى تدشين المشروع وتوسيع قدراته منذ عام 2004. وسيطرت طالبان على المنطقة المحيطة بالسد وخطوط النقل. تضمن ترميم السد قوافل وطائرات هليكوبتر للوصول إلى الموقع. ورفض خبراء التنمية ذلك لأنه ليس من المنطقي تمويل مشروع عملاق في أراضي العدو، وافتقار الأفغان إلى الخبرة التقنية لصيانته على المدى البعيد. يستغرق المشروع سنوات، فوضعوا خطة لشراء مولدات تعمل بالديزل. وكانت طريقة شنيعة ومكلفة للغاية لإنتاج الكهرباء بنفقات تصل إلى 256 مليون دولار على مدى خمس سنوات، معظمها للوقود. استعاد ديفيد بترايوس السلطة في العراق وأراد تطبيق الشيء ذاته في أفغانستان. لكن بغداد لديها النفط والمهندسين والإمكانات المحلية. أنفقت الحكومة الأميركية 775 مليون دولار في ديسمبر 2018، على السد ومولدات الديزل والمشاريع الكهربائية المختلفة في قندهار وهلمند. وتضاعف إنتاج الطاقة من السد ثلاث مرات، بيد أن المشاريع تعاني من خلل عملي؛ قررت الوكالة الأميركية USAID، أن منشآت قندهار العامة ليست حيوية تجاريًا، ويمكن تفعيلها بدعم خارجي.

لم يعد الأفغان يخفون فسادهم بعد 18 عامًا من الحرب. وتدفقت الأموال المظلمة. تحول أهم بنك في أفغانستان إلى بؤرة احتيال وخداع. واحتوت أمتعة السفر على ملايين الدولارات المغادرة من كابل. سمقت قصور الخشخاش من تحت الأنقاض لإيواء زعماء الأفيون. وتراجع الأميركيون لتترسخ اللصوصية. تغاضت واشنطن عن أرذل المجرمين وأمراء الحرب وتجار المخدرات والمتعاقدين الدفاعيين، لأنهم حلفاؤها! وأعطت المخابرات أموال لأمراء الحرب والمحافظين ونواب البرلمان والقادة الدينيين لشراء الموالاة والمعلومات. حرض الجيش الأميركي والمؤسسات على الفساد بتوزيع الرشاوى والعقود على سماسرة النفوذ الأفغان المبغوضين بذريعة تحقيق الاستقرار المضللة. وأفاد جيرت برتولد، المسؤول القضائي في الطاقم العسكري، من عام 2010 إلى 2012، بأنه شارك في تحليل 3000 عقد لوزارة الدفاع بقيمة 106 مليار دولار لمعرفة المستفيد. استنتج أن 40% من الأموال انتهى بها المطاف إلى جيوب العصابات الإجرامية والمسؤولين الأفغان الفاسدين. وكان من بينهم محمد خان، قائد مليشيا طاجيكية في ائتلاف الشمال، حيث ساهم في الإطاحة بطالبان عام 2001. وتسنم وزارة الدفاع عام 2001-2004، ثم النائب الأول لرئيس البلاد على الرغم من همجيته وفساده. سرد محمد للدبلوماسي الأميركي رايان كروكر أسلوب قتله لوزير آخر بلامبالاة في عام 2002. وتوفي لأسباب طبيعية في عام 2014. في حين سرمدت ذكريات أمير الحرب لمطاردة السفير. اشتملت قائمة أمراء الحرب المنتفعين من الأميركيين على عبد الرشيد دوستم الذي حارب إلى جانب عملاء المخابرات وقوات العمليات الخاصة بعد 11 سبتمبر. واتهم بارتكاب جرائم حرب بعدما أهلكت مليشيته المئات من سجناء طالبان في نوفمبر 2001، بحبسهم في حاويات شحن. احتضنت إدارة بوش دوستم، على غرار خان وفقًا لمذكرات رامسفيلد. وأرسل دوستم إلى بوش بعد بضعة أسابيع من مقتل سجناء طالبان، لتهنئته بإجازة العام: “عزيزي رئيس الولايات المتحدة، جورج بوش…أرجو قبول تحياتي يوم رأس السنة الجديدة! يرفل الشعب الأفغاني بالسلام بعد فترة من المعاناة، وممتن لجهودكم…أتمنى لكم الصحة والحظ الوفير!!!”. اجتهد البنتاغون لإيصال رسالة أمير الحرب بدلاً من اعتراضها. وابتعثها اللواء تومي فرانكس، رئيس القيادة المركزية، إلى رامسفيلد الذي أمر طاقمه بالتأكد من ذهابها إلى مكتب بوش. التصقت بدوستم تهم الاغتصاب والتعذيب والقتل على مر السنين. ولم يقطع الأميركيون علاقتهم به. حاز على 70000 دولار شهريًا عام 2014، من المخابرات الأميركية عبر القصر الرئاسي الأفغاني. في حين أورد مسؤول أميركي أنه حصل على 100000 دولار شهريًا لتفادي المتاعب والاضطرابات. كان أمير الحرب شير محمد أخوندزادة، المسؤول عن هلمند عام 2001-2005، محبوبًا ومكروهًا في آنٍ معًا من الأميركيين. واتسم بفرض النظام بقسوة وبدون مراعاة للظروف. داهم الأميركيون والأفغان المسؤولون عن مكافحة المخدرات مكاتب شير في عام 2005، وعثروا على مخبأ ضخم للأفيون بحجم تسعة أطنان. أنكر مسؤوليته عنها. واستقال من منصبه بضغط دولي. جمع أمير الحرب غول آغا شيرزاي ثروته بنهب الضرائب والعقود أثناء عمله كمحافظ. وقال لشبكة NBC الإعلامية عام 2014: “إذا كنت متورطًا في الفساد، سأمتلك مباني شاهقة في دبي وأراكم ملايين الدولارات في بنوك خارجية!”. لم تغدق واشنطن فقط على أمراء الحرب بالرشاوى. وقدمت الحكومة الأميركية حزم للوفود التي ساندت “حقوق الإنسان” عام 2002-2003، عندما اجتمعت المجالس القبلية لصياغة دستور. تعاظمت هيمنة الكليبتوقراطية تدريجيًا، حتى تغيرت أولوية الحكومة الأفغانية من القسط إلى دعم اللصوص. وترسخت كجزء من الأنماط المؤسسية. اتهم كرزاي الغرب بمسؤوليته عن قضية الفساد برمتها. واعتقد أنه لا يمكن تكديس الأموال في دولة ومجتمع واهن للغاية بدون أن يفضي ذلك إلى تغذية الفساد حتى يغدو عملاق لا تستطيع القضاء عليه إلا باجتثاث المسؤولين عنه.

ارتأى الأفغان أن الشرطة عبارة عن لصوص مفترسين، ووصمها أميركيون بأكثر المؤسسات الممقوتة. أورد مسؤول نرويجي أن 30% من مجندي الشرطة تركوا أسلحتهم الحكومية ليتمكنوا من إنشاء نقاط تفتيش وابتزاز المسافرين. وخصصت الولايات المتحدة 83 مليار دولار للدعم الأمني منذ عام 2002، المبلغ الذي يفوق ميزانيات الدفاع للدول النامية المغايرة. تلقت كابل 11 مليار دولار من المعونات الأمنية عام 2011، التي تجاوزت ميزانية باكستان الدفاعية بـ3 مليار دولار، التي لديها مخزون من الأسلحة النووية وجيش رجراج. تبدو قوات الأمن صلبة على الورق، مع 352000 جندي وضابط شرطة. ولا يعمل منهم إلا 254000، حيث ضخم القادة الأفغان أرقامهم بإنشاء جنود أشباح، مما اقتضى تسجيل بيانات بيومترية تتضمن بصمات الأصابع وفحص الوجه بالأشعة، للتحقق من عدد الجنود. تكبد الجيش والشرطة خسائر بشرية جمة، وحرصت الحكومة على سرية الأرقام لتفادي تحطيم الروح المعنوية. تشير التقديرات إلى مقتل أكثر من 60000 من قوات الأمن الذي يطغى على عدد القتلى من القوات الأميركية والناتو بـ17 مرة. ويضم الجيش معظم قوات الأمن بـ162000 جندي. يستطيع 2 من 10 مجندين القراءة والكتابة. وهيأ مدربون من أميركا والناتو دورات لمحو الأمية لكنها دامت لبضعة أسابيع فقط. لم تتمكن الولايات المتحدة والناتو من العثور على مهنيين في مجال إنفاذ القانون لتدريب الشرطة. وأوكل البنتاغون المهمة إلى القوات الرسمية لسد الفجوة، على الرغم من ضآلة معرفتهم بدهاليزها.

شن العسكريون الأميركيون في أفغانستان عملية “العاصفة الحديدية” عام 2017، المؤلفة من غارات جوية بقاذفات B-52 وF-22 Raptors وطائرات حربية متنوعة، لقصف شبكة معامل إنتاج الأفيون التي تدر 200 مليون دولار سنويًا من أموال المخدرات لطالبان. وتسيطر كابل على أسواق الأفيون الدولية بإنتاج 82% من الإمدادات عام 2018. تضاعفت زراعة الخشخاش التي يُستخرج منها الأفيون لصنع الهيروين أربع مرات مقارنة بمساحته قبل عام 2002. وشددت صناعة الأفيون قبضتها على الاقتصاد الأفغاني، وأفسدت مجالات حكومية. كما وفرت لطالبان مصدر دخل ثابت ومتصاعد. طبقت بريطانيا مختلف الاستراتيجيات لتقليص إنتاج الأفيون. ومنحت رشاوى للامتناع عن غرس الخشخاش، استأجرت مرتزقة لاجتياح حقول الخشخاش، ووضعت خطط لرش رذاذ كيميائي. أهمل الأميركيين في عهد بوش معركة الأفيون. واعتقدوا أنها حجر عثرة في سبيل محاربة “الإرهابيين”. ارتأى العسكريون أن الأفيون تهديد في ولاية أوباما، مع تفاقم الأدلة على تمويل أموال المخدرات لطالبان، غير أن التردد أعاقهم لأن استراتيجية الحرب اعتمدت على دعم الشعب، ومكافحة الخشخاش تنفر المزارعين الذين يشكلون فئة مؤثرة من السكان، ناهيك عن أمراء الحرب المتحالفين مع واشنطن، والمستفيدين من تجارة الأفيون. يتم نقل مادة الأفيون الصمغية إلى المعامل لمعالجتها وتحويلها إلى المورفين والهيروين. ويُصدر الأفيون الأفغاني إلى أوروبا وإيران ودول آسيوية. تعد أسواق المكسيك المجاورة لواشنطن من الأماكن التي لا تسيطر عليها الولايات المتحدة وتستلم كميات هائلة من الهيروين. من المفارقات أن الجهة التي أثبتت قدرتها على شل صناعة المخدرات طالبان الذي أعلن زعيمه الأعور الملا محمد عمر في يوليو 2000، عندما هيمن جنوده على أغلبية المدن والقرى، أن الأفيون محرم دينيًا، وحظر زراعة الخشخاش. كما أنهم اعتقلوا مدمنين بعد سيطرتهم على البلاد عام 2021، لمعالجتهم في المستشفيات. اندهشت دول العالم من فعالية الحظر. وامتنع الأفغان من زراعة الخشخاش التي تراجعت بنسبة 90% عام 2000-2001. أفضى التحريم إلى اضطرابات في أسواق الهيروين العالمية وتعطيل الاقتصاد الأفغاني. ويتذكر الأفغان هذه اللحظة برهبة التي تبين التعاسة النسبية للحكومة الأفغانية وأميركا والناتو في حروب الأفيون. استأنف المزارعون غرس بذور الخشخاش بعد الغزو الأميركي والإطاحة بنظام طالبان عام 2001، مما أدى إلى نمو إنتاج الأفيون. وخدع الأفغان البريطانيين عندما تعاملوا معهم ببرنامج المال مقابل إتلاف الخشخاش. تهيأ الفلاحون لحيازة أموال طائلة مع تيقنهم من رحيل المحتل. وجاء البريطانيون لتوزيع الرشاوى للحصول على مصدرين للمورد المادي. أعلن كرزاي الجهاد على الخشخاش في 9 ديسمبر 2004: “إن زراعة الأفيون وإنتاج الهيروين أخطر من غزو السوفييت والقتال بين الفصائل والإرهاب”.

عن Rokayah

شاهد أيضاً

تفاعلات الأمن السوري وأزمة المهاجرين…5

بدأت أزمة المهاجرين السوريين إلى تركيا في أبريل 2011، عندما وصلت المجموعة الأولى المؤلفة من …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *