الثلاثاء , يناير 25 2022
الرئيسية / صحافة / سجلات الحرب الأفغانية…1

سجلات الحرب الأفغانية…1

أذاعت صحيفة واشنطن بوست وثائق حكومية تثبت أن كبار المسؤولين الأميركيين حرصوا على تعتيم الحرب في أفغانستان لمدة 20 عامًا، وبثوا تصريحات وردية يدركون أنها زائفة ومضللة، بإخفاء براهين لا لبس فيها عن هزيمة الحرب الحتمية. تتضمن الوثائق ملاحظات لمشاركين في الحرب من ألوية ودبلوماسيين إلى عمال إغاثة ومسؤولين أفغان. وعلمت الحكومة الأميركية عام 2015، من لواء الجيش ذو الثلاث نجوم، دوجلاس لوت، الذي يعد بمثابة قيصر الحرب الأفغانية في البيت الأبيض في عهد بوش وأوباما: “لم يكن ثمة إدراك أساسي لأفغانستان، ولم نستوعب ما فعلناه. لم يكن لدينا أدنى فكرة ضبابية عما نحاول القيام به في كابل. ومن يجرؤ على وصم الحرب بالعبثية إذا علم الشعب الأميركي بضخامة الاختلال…الذي أفضى إلى مقتل 2400 جندي بسبب الانهيارات البيروقراطية بين الكونجرس والبنتاغون ووزارة الخارجية؟”. غادر 775000 جندي أميركي إلى أفغانستان منذ عام 2001، وسافر العديد منهم إليها عدة مرات. قُتل منهم 2300، وأصيب 20589 أثناء القتال، بمقتضى بيانات وزارة الدفاع. لم يستطع ثلاثة رؤساء – جورج بوش وباراك أوباما ودونالد ترامب – وقادتهم العسكريون، الوفاء بعهودهم بالانتصار في أفغانستان. وأقر مسؤولون بأن استراتيجياتهم القتالية كانت فاسدة وخاطئة، وأن واشنطن أهدرت مبالغ طائلة في محاولة لصناعة دولة حديثة في أفغانستان. أنفقت وزارة الدفاع والخارجية والوكالة الأميركية للتنمية الدولية منذ عام 2001، ما بين 934 و978 مليار دولار، بموجب تقدير التضخم لنيتا كروفورد، أستاذة العلوم السياسية والمديرة المساهمة في مشروع تكاليف الحرب في جامعة براون. ولا تشمل هذه الأرقام الأموال التي أنفقتها وكالة المخابرات المركزية CIA، وقسم شؤون المحاربين القدامى المسؤول عن تطبيب الجرحى. استفسر جيفري إيجرز المتقاعد من القوات البحرية SEAL: “ما الذي حصلنا عليه مقابل جهد بقيمة تريليون دولار؟ هل حقًا خسرنا في الحرب تريليون دولار؟ ربما يضحك أسامة بن لادن في قبره المائي بتأمل المبلغ الذي أنفقناه على أفغانستان”…حيث ألقت الحكومة الأميركية أسامة بعد قتله في خليج عمان وباتت المياه قبره بدون محاكمة رغم أنه حتى أعتى المجرمين ينبغي مقاضاته. تتناقض الوثائق مع التصريحات العلنية لرؤساء أميركا والقادة العسكريين والدبلوماسيين الذين أكدوا للأميركيين على مدى 20 عام أنهم يحرزون تقدمًا في أفغانستان وأن الحرب تستحق التضحية وخوض غمارها. وصف المسؤولون الذين تمت مقابلتهم جهود الحكومة بتضليل الجمهور عمدًا. وكان من الشائع في مقرات كابل العسكرية والبيت الأبيض، تحريف الإحصاءات لتبدو الولايات المتحدة وكأنها تتقدم في الحرب. اعترف العقيد بوب كراولي، مستشار مكافحة “التمرد” لقادة الجيش في عام 2013-2014، بـ: “تغيير البيانات لرسم أفضل صورة ممكنة عن الحرب. ولم تكن الاستطلاعات الميدانية موثوق بها، بيد أنها رسخت صواب ممارساتنا حتى أصبحنا كمخروط مثلجات يلعق ذاته”. في حين أقر جون سوبكو، رئيس الوكالة الفيدرالية، أن الوثائق تبين “الكذب على الشعب الأميركي بانتظام”. وترأس جون مشروع مكتب المفتش العام لإعادة إعمار أفغانستان، SIGAR، الذي أنشأه الكونجرس عام 2008، للتحقيق في الهدر والاحتيال في منطقة الحرب. انصرف سايجر في عام 2014، بأمر جون، عن مهمته المتمثلة في عمليات التمحيص والاستقصاء، وبدأ مشروع جانبي بعنوان “الدروس المستفادة”، بقيمة 11 مليون دولار، لتحديد إخفاقات وثغرات السياسة الأميركية في أفغانستان حتى لا تكرر الولايات المتحدة أخطائها فيما إذا أرادت غزو دولة أو إعادة بناء بلد ممزق!!! أذاع سبعة تقارير عن “الدروس المستفادة” منذ عام 2016، وأزمات أفغانستان، وأوصى بالتغيير لتحقيق الاستقرار. أهملت التقارير المكتوبة بنثر بيروقراطي كثيف والمتمحورة حول حساء أبجدي للمبادرات الحكومية، الانتقادات الصريحة والأكثر قسوة. وبحث صحافيو الواشنطن بموجب قانون حرية المعلومات عن سجلات “الدروس المستفادة” في أوغست 2016. رفض سايجر الاطلاع عليها بذريعة أن الوثائق متميزة وأن الجمهور لا يمتلك حق قراءتها. رفع الصحافيون دعوى قضائية ضد مكتب سايجر في محكمة اتحادية مرتين لإجباره على بث الوثائق. وأفصح المكتب عن 2000 صفحة من الملاحظات والنصوص الناجمة عن 428 لقاء وتسجيلات صوتية. تحدد الوثائق اسم 62 مسؤول، لكن مكتب المفتش العام SIGAR حجب 366 آخرين. وزعم في المذكرات القانونية أن هؤلاء الأفراد من المبلغين عن المخالفات والمخبرين الذين قد يواجهون تضييق أو انتقام وأذى جسدي فيما إذا أعلن عن أسمائهم. نشرت صحيفة الواشنطن الوثائق قبل إصدار قرار المحكمة، وأثناء تفاوض إدارة ترامب مع طالبان في الدوحة، للتأكد من انسحاب 13000 جندي من أفغانستان. وتضمنت مئات الصفحات من السجلات المصنفة سابقًا عن الحرب الأفغانية التي أملاها وزير الدفاع دونالد رامسفيلد عام 2001-2006. ودمغها رامسفيلد وطاقمه بعنوان “ندف الثلج”، المؤلفة من تعليمات وتعليقات موجزة أملاها مسؤول البنتاغون لمرؤوسيه يوميًا. انتقى رامسفيلد جزء من ندفه لنشرها في عام 2011، مع مذكرات بعنوان “المعلوم والمُضمر”. وحظرت معظم ندف الثلج التي تقدر بـ59000 صفحة. تشكل لقاءات سايجر وندف رامسفيلد تاريخ متواري وتقييم غزير لحرب أفغانستان على مدى 18 عامًا. وتثبت ندف الثلج التي صاغها رامسفيلد بأسلوب فظ، المشاكل الملاصقة للجيش الأميركي. كتب رامسفيلد لمجموعة من اللواءات وكبار معاونيه: “قد أكون نافذ الصبر…لكني أعلم أنني ضجر قليلاً”…”لن نخرج الجيش الأميركي من أفغانستان أبدًا ما لم نحرص على استقرار البلاد الضروري قبل الرحيل.” وكتب مذكرة “النجدة!” المؤرخة في 17 أبريل 2002، بعد ستة أشهر من اندلاع الحرب!

صرح الرئيس بوش الابن في معهد فيرجينيا العسكري: “يعد تاريخ النزاع العسكري في أفغانستان من النجاحات الأولية الذي تلته سنوات من التخبط والفشل اللامحدود…لن نجدد الخطأ!!!”. وتشبه لقاءات “الدروس المستفادة” أوراق البنتاغون وتاريخ وزارة الدفاع عن حرب فيتنام بالسرد الواضح عن غرق الولايات المتحدة في مستنقع حرب ممتدة ومستنزفة، وحرص الحكومة الأميركية آنذاك على تعتيم الواقع عن الجمهور وإخفاء أحداث الحرب. أثارت أوراق البنتاغون المسربة في عام 1971، عن حرب فيتنام ضجة لأنها بينت تضليل الحكومة وتورطها في جرائم فيتنام. واستندت إلى 7000 صفحة و47 مجلد، من وثائق حكومية داخلية وبرقيات دبلوماسية ومذكرات صنع القرار وتقارير المخابرات. منع وزير الدفاع وقتئذ، روبرت ماكنمارا، الباحثين والصحافيين من الالتقاء بالمسؤولين والعسكريين لإدامة التعتيم الإعلامي. ولم يجابه مشروع سايجر قيود مماثلة. التقى الطاقم بالمسؤولين في عهد بوش وأوباما في الفترة 2014-2018. وكان مقصد الاجتياح الأميركي المعلن الانتقام من تنظيم القاعدة وعدم تكرار هجمات 11 سبتمبر 2001. تغيرت الغايات والمهام مع استمرار الحرب، وترسخ الافتقار إلى الثقة في استراتيجية البنتاغون والبيت الأبيض ووزارة الخارجية. بقيت الخلافات الأساسية عالقة. أراد مسؤولون استثمار الحرب لتحويل أفغانستان إلى دولة ديموقراطية. وطمح آخرون إلى تغيير الثقافة الأفغانية والارتقاء بمستوى حقوق المرأة. بينما تطلعت مجموعة ثالثة إلى إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي بين باكستان والهند وإيران وروسيا. لم يتمكن العسكريون من تحديد هوية خصمهم، ناهيك عن سبب الخصومة: هل تنظيم القاعدة العدو أم طالبان؟ هل باكستان صديق أم عدو؟ ماذا عن تنظيم إيزيس (داعش) ومجموعة الجهاديين الأجانب وأمراء الحرب الذين يتقاضون رواتبهم من وكالة المخابرات الأميركية؟ لم تستقر الحكومة على إجابة. ولم تستطع القوات الأميركية نتيجة لذلك، التمييز بين الأصدقاء والأعداء في ميدان الحرب. أفاد مستشار سابق لقوات الجيش الخاصة في عام 2017: “اعتقد الجنود أنني قادم بخريطة لتحديد مأوى الأخيار والأشرار. واستغرق مني الأمر عدة نقاشات ليستوعبوا أنه ليس بحوزتي تلك المعلومات. تساءلوا: “من هم الأعداء الأشرار، وأين يمكثون؟ ولم تتجلى سمات الأشرار الذين يتحدثون عنهم”. اشتكى رامسفيلد في ندفة ثلج يوم 8 سبتمبر 2003: “إننا قاصرون إلى درجة يرثى لها في الذكاء البشري”. وأورد أوباما في خطابه بالأكاديمية العسكرية في ويست بوينت، نيويورك: “اندثرت أيام تقديم شيك على بياض…يجب على الأفغان تحمل مسؤولية أمنهم ولا مصلحة أميركية في خوض حرب لا نهائية في أفغانستان”. تساوى الرؤساء الثلاثة (بوش وأوباما وترامب)، كقادة أركان للجيش وتفادوا الوقوع في فخ “بناء دولة أفغانية”، حيث فشلوا بجدارة وعلى نحو مأساوي. خصصت الولايات المتحدة أكثر من 133 مليار دولار لبناء أفغانستان – أكثر مما أنفقته مع حساب التضخم، لإعادة بناء أوروبا الغربية بخطة مارشال بعد الحرب العالمية الثانية. وكان مشروع “بناء الدولة الأفغانية” المتكلف فاسدًا ومشوهًا منذ البداية. حاول الأميركيون إنشاء حكومة ديموقراطية من الصفر في كابل على نموذج حكومتهم في واشنطن بالتغاضي عن الظروف المتباينة بين أميركا وأفغانستان، لاسيما أن الأفغان اعتقدوا أنهم أجانب معتدين على نموذجهم القبلي والملكي والشيوعي والشريعة الإسلامية التي نشأوا عليها ومؤمنين بمبادئها مثلما يؤمن الأميركيون بالعقيدة المسيحية ويرفضون التنازل عنها أو استبدالها بالإسلام، بل إنهم يحاربون المسلمين في بلدانهم خشيةً من وصول الدين الإسلامي إليهم ويتعاملون معهم أحيانًا بعنصرية في قعر دارهم. أورد مسؤول سابق في وزارة الخارجية لم يتم الكشف عن هويته لمحاورين حكوميين في عام 2015: “تعد سياستنا لإنشاء حكومة مركزية صلبة حمقاء لأن أفغانستان تفتقر إلى حكومة مركزية منذ نشأتها واعتمدت تاريخيًا على الانتماء القبلي والديني…يستغرق الإطار الزمني لإنشاء حكومة مركزية قوية في أي دولة 100 عام، الأمر الذي يفوق قدراتنا وسيطرتنا”. أغرقت أميركا الدولة الواهنة في غضون ذلك بمعونات مادية ساهمت في إضعافها واتكالها على قوى خارجية أكثر مما يمكن استيعابه. واعتقد المشرعون والقادة العسكريون في ذروة القتال عام 2009-2012، أنهم كلما أنفقوا المزيد على المدارس والجسور والقنوات والمشاريع المدنية، ستتطور الظروف الأمنية في مدة وجيزة. أخبر عمال الإغاثة المحاورين الحكوميين أنه سوء تقدير فادح، ويشبه صب زيت الكيروسين على وقود مخيم ذابل لإبقاء اللهب مشتعلاً. ارتأى مسؤول تنفيذي في الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID)، أن 90% من النفقات إفراط وإسراف: “فقدنا الموضوعية…حصلنا على المال وأنفقناه بدون غاية أو منطق”. واتهم عمال الإغاثة الكونجرس فيما اعتبروه اندفاع متهور وأبله في النفقات. أخبر متعاقد محجوب اسمه المحاورين الحكوميين أنه من المتوقع توزيع 3 مليون دولار يوميًا لمشاريع منطقة أفغانية بحجم مقاطعة أميركية. واستفسر ذات يوم من نائب في الكونجرس زائر عن استطاعة صانع القرار لإنفاق المبلغ بمسؤولية في أميركا، فأجابه: “بالتأكيد لا…إنه الجحيم”…رد عليه المتعاقد: “حسنًا أيها السيد…لكنك تلزمنا بإنفاقه على مجتمع يقطن سكانه في أكواخ طينية بدون نوافذ”. كما أدى تدفق المعونات إلى ارتفاع تاريخي في نسبة الفساد. شدد المسؤولون الأميركيون جهرًا على عدم التهاون مع الفساد واكتساب المال اللاقانوني. واعترفوا وراء الأبواب المغلقة بأن الحكومة نظرت في الاتجاه الآخر، وتغاضت عن نهب سماسرة النفوذ الأفغان – حلفاء واشنطن – وإفلاتهم من العقاب. في حين أخبر العقيد كريستوفر كوليندا الذي سافر إلى أفغانستان عدة مرات، جنرالات أميركيين مسؤولين عن الحرب عام 2006، بأن الحكومة الأفغانية بقيادة حامد كرزاي عبارة عن: “نظام حكم كليبتوقراطي معتمد على النهب والاختلاس والسرقات…وأن المسؤولين الأميركيين أهملوا التهديد القاتل الذي يمثله كرزاي لاستراتيجيتهم”. وأضاف كوليندا: “أقيس الفساد بالسرطان…يمكن التعامل مع الفساد المحدود مثل سرطان الجلد الذي تستطيع التعافي منه. وثمة فساد وزاري أعلى مستوى منه يشبه سرطان القولون الأسوأ الذي يمكن أيضًا التعافي منه إذا أدركته في الوقت المناسب. لكن نظام الكليبتوقراطية يشبه سرطان الدماغ القاتل الذي يؤدي إلى الوفاة حتمًا لأنه يجيز تفاقم الفساد ويمهد طريق انتشاره بيسر”، مما ساهم في تدمير شرعية الحكومة الأفغانية التي حارب الأفغان من أجل دعمها. ولن يضحي المرء في نهاية المطاف بروحه (أغلى ما يملك) من أجل لصوص، ولن تستطيع قوة إنقاذك مهما كان مستوى إتقانها إذا لم ترغب في الخروج من مستنقعك!! لجأ المواطنون الأفغان للنجاة من كليبتوقراطية كرزاي إلى دعم طالبان لفرض النظام وسيادة القانون على الجميع، لاسيما مع ابتزاز القضاة ورؤساء الشرطة والبيروقراطيين لنيل رشاوى منهم. وأورد كروكر، كبير الدبلوماسيين الأميركيين في كابل عام 2002 و2011-2012: “إن أهم مشاريعنا في أفغانستان، للأسف وعن غير قصد، تطوير الفساد الجماعي، ويتأرجح الأمر بعد بلوغ مستوى الفساد الذي رأيته بين المعقد العسير بشكل لا يصدق والمستحيل المحض الذي لا يمكن إصلاحه”.

امتدح الجنرال في الجيش آنذاك مارك ميلي، قوات الأمن الافغانية في مؤتمر صحافي من كابل، الذي حاز فيما بعد على أربع نجوم وترأس هيئة الأركان المشتركة، قائلاً: “يتسم الجيش وقوات الشرطة الأفغانية بالفعالية القصوى لقتال المتمردين يوميًا!!! وأعتقد أن قصتهم ذات أهمية ويجب سردها في مختلف المجالات!!!”. صرح الجنرالات الأميركيون عامًا بعد عام، بأنهم يحرزون تقدمًا ثابتًا في محور استراتيجيتهم الأساسي بتدريب جيش أفغاني وقوات شرطة “وطنية” يمكنها الدفاع عن البلاد بدون دعم خارجي. في حين وصم المدربون العسكريون قوات الأمن الأفغانية في لقاءات “الدروس المستفادة”، بأنها غير مؤهلة ولا متحفزة لحماية الدولة، وتعج بالهاربين والمنشقين عن الجيش. كما اتهموا القادة الأفغان باختلاس رواتب من دافعي الضرائب الأميركيين لعشرات الآلاف من “الجنود الأشباح” أي الوهميين، حيث يعد العسكري الأفغاني قوائم لجنود لا وجود لهم بذريعة دفع رواتبهم!!! لم يثق المدربون أيضًا بإمكانية الجيش والشرطة الأفغانية للتصدي لهجمات، ناهيك عن هزيمة طالبان التي قتلت 60000 من القوات المتحالفة مع الأميركيين، بنسبة خسائر وصفها الأميركيون بالمتغيرة. وأفصح جندي أميركي عن بغض القوات الخاصة للشرطة الأفغانية التي دربوها وتعاونوا معها، بنعتها بـ”الفظيعة وسفلة البرميل في بلد يقع في أسفل البرميل”. تنبأ ضابط أميركي أن ثلث المجندين في جهاز الشرطة “إما مدمني مخدرات أو منتمين إلى طالبان ومتنكرين كمتحالفين مع الأميركيين!!!”. ووصمهم ضابط آخر بـ”البلهاء اللصوص” الذين ينهبون الوقود من القواعد الأميركية، وتفوح منهم دائمًا رائحة البنزين. أورد مسؤول في وكالة USAID محجوب اسمه في الوثائق أن: “الاعتقاد بقدرتنا على تشييد جيش متين ومتماسك في فترة وجيزة نوع من العته والجنون”. ولم تتحقق أمنيات الأميركيين في تأسيس قوات الأمن الأفغانية، وباتت أفغانستان المصدر الرئيسي الدولي لآفة الأفيون المتنامية (عُصَارَة التَّخْدِير والتَّنْوِيم). أنفقت الولايات المتحدة 9 مليار دولار لمكافحة زراعة الخشخاش على مدى 18 عام، الذي اتسعت مساحة زراعته أكثر مما كان قبل الغزو الأميركي، حتى أعلن مكتب الأمم المتحدة المتخصص بالمخدرات والجريمة، أن 82% من إنتاج الأفيون العالمي يأتي من كابل، إن لم يكن تجاوز هذه النسبة إلى 90%. وأفاد المسؤولون الأميركيون السابقون بأن جهودهم لتقييد زراعة الأفيون أفضت إلى نتائج عكسية. قال دوجلاس لوت، قيصر الحرب الأفغانية في الفترة الممتدة من عام 2007 إلى 2013: “كان مقصدنا تأسيس اقتصاد مزدهر. وكان يجب علينا تحديد تجارة مخدرات مزدهرة…إنه الإنجاز الاقتصادي الذي حققناه”. لم تكتشف واشنطن منذ بدء الحرب اندماج مكافحة المخدرات مع حربها ضد تنظيم القاعدة. وخشي الأميركيون عام 2006، من طغيان تجار المخدرات على الحكومة الأفغانية ودعم التمرد من الأموال الآتية من بيعها. لم تتولى مؤسسة أو دولة مسؤولية تنفيذ استراتيجية مكافحة المخدرات على مدار الحرب، وتبادلت وزارة الخارجية والجيش الأميركي وحلفاء الناتو والحكومة الأفغانية، مكافحتها. جعلت الوكالات والحلفاء الأمور أسوأ باعتماد برامج فوضوية. ودفع البريطانيون لمزارعي الخشخاش الذي ينتج منه مادة الأفيون أموال مقابل إتلاف محاصيلهم، لكن المزارعين تظاهروا بالموافقة واستغلوا الأموال في نمو زراعة الخشخاش في الموسم التالي. اقتلعت الحكومة الأميركية حقول الخشخاش فيما بعد بدون تعويض مادي للفلاحين، مما أغضبهم وحرضهم على مساندة طالبان.

سأل صحافيون في كابل اللواء جيفري شلوسر في 8 سبتمبر 2008، قائد الكتيبة العاشرة عن إمكانية خسارة الحرب عندما رفرف شبح فيتنام في أفق أفغانستان، فأجابهم: “بالتأكيد مستحيل”. و”هل يستطيع العدو التغلب فيها؟”، فأجابهم: “لا، قطعًا”!!! استفسر مراسل صحافي من بوش في 11 أكتوبر 2001، بعد بضعة أيام من قصف أفغانستان: “هل يمكنك تجنب الانجراف نحو مستنقع شبيه بفيتنام؟”، فأجاب بوش بثقة مفرطة: “تعلمنا دروس مهمة في فيتنام. وغالبًا ما يسألني أناس عن مدة الحرب الأفغانية؟ فأخبرهم بأن جبهة القتال ستدوم طالما اقتضت الظروف تقديم تنظيم القاعدة إلى العدالة!!! قد يحدث ذلك غدًا، أو بعد شهر من الآن، وقد يستغرق عام أو عامين. لكننا سننتصر!!!”. تهكم قادة أميركيون آخرون في مستهل الحرب من فكرة إعادة كابوس فيتنام في أفغانستان. ومزح رامسفيلد في مؤتمر صحافي يوم 27 نوفمبر 2001: “نحن الآن في مستنقع!!!”. برهنت الوثائق أن المسؤولين العسكريين لجأوا إلى أسلوب قديم من حرب فيتنام: خداع الرأي العام طيلة الحرب الأفغانية. وناقش المسؤولون عن الحرب في المؤتمرات الصحافية والتجمعات العامة نقاط الحوار ذاتها لمدة 18 عامًا بالتركيز على تقدمهم وانتصاراتهم بغض الطرف عن مسار الحرب ومتغيراتها. ورد في ندف الثلج التي أدرجت في مذكرات رامسفيلد أنه تلقى سلسلة من التحذيرات في عام 2006. وأفاد الجنرال المتقاعد باري مكافري بعد عودته من مهمة استقصاء الواقع في أفغانستان، بأن هيمنة حركة طالبان عادت على نحو مذهل، وتوقع “مفاجآت غير سارة في العام القادم”. كتب ماكافري في يونيو 2006: “إن الحكومة الأفغانية مرعوبة من خروجنا الحذر من البلاد في المستقبل القريب، ويعتمد بقاؤها على الناتو الذي سينهار برمته بعد الانسحاب”. أعد مارين سترمكي، المستشار المدني لرامسفيلد، تقرير بعد شهرين من 40 صفحة وزاخر بالمعلومات المخالفة للتصريحات العامة. وجاء فيه: “يتعاظم سخط الشعب من الحكومة الأفغانية لفسادها وفقدان كفاءتها. ويتضاعف نفوذ طالبان بدعم باكستان المتحالفة مع أميركا!!”. دفن البنتاغون التحذيرات القاتمة بمباركة رامسفيلد وأخبر الجمهور بسرد مختلف. صاغ كُتاب خطابات رامسفيلد في أكتوبر 2006، ورقة بعنوان “أفغانستان بعد خمس سنوات”، الطافحة بالتفاؤل، وسلطت الضوء على 50 معلومة وأرقام واعدة، بدءًا من عدد الأفغانيات المدربات على إدارة الدواجن (19000 امرأة) إلى متوسط سرعة الطرق بنسبة نمو 300%. وأضافت: “هناك العديد من الأخبار السارة بعد خمس سنوات”. بينما أصبح من المألوف في بعض الأوساط وصف نزاع أفغانستان بالحرب المنسية، أو الإقرار بأن الولايات المتحدة فقدت تركيزها، ومناقضة الحقائق على أرض الواقع للأساطير والتضليل الأميركي. اعتقد رامسفيلد آنذاك أن تقرير كتابه رائع!! وسرد في ندفة: “إن هذه الورقة مادة متألقة. كيف نستطيع استثمارها؟ هل يجب نشرها على هيئة مقال؟ مقال افتتاحي؟ نشرة؟ ملخص صحافي؟ أو جميع ما ورد أعلاه؟ يجب أن يطلع الكثيرون عليها”. نفذ طاقمه ما أمرهم به. ووزعوا نسخة منها على المراسلين ونشروها على مواقع البنتاغون. صرح الجنرالات منذ ذلك الحين بأن الحرب تتقدم، وتغاضوا عن واقع ساحة المعركة. أعلن الجنرال جيفري شلوسر، لصحافيين في سبتمبر 2008: “نحقق تقدم مستمر”، عندما طلب وقادة أميركيون آخرون في كابل مساندة عاجلة لمواجهة المد المتصاعد لجنود طالبان. وعقد الجنرال ديفيد رودريغيز بعد ذلك بعامين مؤتمر صحافي في كابل، بالتزامن مع ارتفاع الخسائر البشرية في صفوف القوات الأميركية وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، حيث أورد أن الأميركيين وحلفائهم الأفغان يتقدمون بأسلوب منهجي ومستدام. رجم صناع القوانين المرتابون أثناء جلسات استماع الكونجرس في مارس 2011، الجنرال ديفيد بترايوس، قائد القوات الأميركية وجنود الناتو في أفغانستان، بفعالية الاستراتيجية الأميركية. ورد عليهم بأن “الأشهر الثمانية الماضية شهدت تقدم ذو أهمية لكن بشق الأنفس”. تقيد وزير الدفاع ليون بانيتا بعد عام في غضون زيارة إلى أفغانستان، بالسرد، حتى بعد تملصه من هجوم انتحاري. وصرح بانيتا لصحافيين آنذاك: “تحقق الحملة العسكرية تقدمًا هائلاً كما أشرت سابقًا”. تردد صدى السيناريو لدى الجنرال جون نكولسون، قائد القوات الأميركية في يوليو 2016، بعد تصاعد هجمات طالبان على المدن الرئيسية، قائلاً لصحافيين: “نتقدم!!”.

صرح أوباما من البيت الأبيض في 27 مارس 2009: “لن نبقى على ذات المسار بشكل أعمى وعشوائي لنتمكن من المضي قدمًا. وسنحدد معايير لقياس التقدم وتحمل المسؤولية وضمان المحاسبة!!”. بلغ عدد القتلى في الفترة 2001-2019، نحو 157000 نسمة: 43074 مدني أفغاني، 64124 من قوات الأمن الأفغانية،424 من عمال الإغاثة الإنسانية، 42100 من جنود طالبان وغيرهم من الرافضين للاحتلال الأميركي، 3814 متعاقد أميركي، 67 صحافي وعامل في مجال الإعلام، 2300 عسكري أميركي، 1145 من قوات تحالف الناتو، بمقتضى بيانات وزارة الدفاع؛ مشروع تكاليف الحرب في جامعة براون؛ بعثة الأمم المتحدة في أفغانستان؛ لجنة حماية الصحافيين، وظل الرقم العسكري الأميركي متداول إلى نوفمبر 2019. اعتمد المسؤولون في حرب فيتنام على قياسات مريبة لإقناع الأميركيين بانتصارهم. وركز البنتاغون الضوء على “عدد جثث الأعداء”، بتضخيم الأرقام كمقياس للظفر!! بينما تجنب الجيش في أفغانستان الإعلان عن إحصاء القتلى باستثناء حالات معينة. وتحتوي تقارير “الدروس المستفادة” على اعترافات ببث روتيني لأرقام مضللة ومزيفة. أقر مسؤول في مجلس الأمن القومي بضغوط البيت الأبيض في عهد أوباما والبنتاغون لتقديم أرقام خاطئة للادعاء بأن قرار تدفق الجنود عام 2009 -2011، كان صائبًا، على الرغم من الأدلة المناقضة. وأردف عام 2016، بأنه: “لا يمكن تحديد مقاييس، وحاولنا الاستناد إلى أعداد القوات الأفغانية المدربة، ومستويات العنف، والسيطرة على الأراضي ولم يرسم أيًا منها صورة دقيقة. تلاعبنا بالمقاييس طيلة الحرب. وزيفها البيت الأبيض والبنتاغون إلى درجة العبث والهراء، حتى عندما أثبتت أعداد الخسائر والأرقام المغايرة خطورة الأوضاع. اعتبر تصاعد التفجيرات الانتحارية في كابل مؤشر على يأس طالبان، وعجز المناضلين للتحرر من الاحتلال الذين يصفهم الأميركيون بـ”المتمردين” عن المشاركة في القتال المباشر. وارتأى المسؤولون أن ارتفاع عدد القتلى الأميركيين علامة على مجابهة العدو. في حين برهنت الهجمات على تفاقم الأوضاع الشنيعة وقدرة طالبان على استهداف خصومهم وكان من المفترض اعتبارها مؤشر على فوضى الناتو. أورد الجنرال المتقاعد مايكل فلين من فئة ثلاث نجوم في عام 2015، الذي كان ضابط مخابرات في أفغانستان لعدة جولات: “زعم الجميع من السفراء إلى مستوى العاملين الأدنى بأنهم يجسدون إنجازات رائعة، فلماذا نخشى الخسارة؟ وتكلف قادة الألوية والكتائب في الجيش الأميركي بعد وصولهم إلى كابل بتنفيذ المهمة الأساسية: حماية السكان وهزيمة العدو”. وأضاف فلين الذي كان مستشار ترامب للأمن القومي لفترة وجيزة، وفقد منصبه بعد إدانته بالكذب على مكتب التحقيقات الفدرالي FBI: “صرح هؤلاء عندما مغادرتهم البلاد، بأنهم نفذوا المهمة الموكلة إليهم بالتغاضي عن مدة تناوبهم (تسعة أو ستة أشهر). ولم يغادر أحدهم أفغانستان مع الإقرار بعدم حماية السكان وهزيمة خصمهم. ثم يأتي المسؤول التالي ويلاحظ فساد المنطقة ومأزق الحرب لاتهام زميله السابق بالتقصير، وترديد التضليل ذاته عند مغادرة البلاد”. أفاد العقيد المتقاعد بوب كرولي والمستشار السابق لمكافحة “التمرد” في أفغانستان عام 2013-2014: “نادرًا ما يرحب المقر العسكري في كابل بالحقائق، وغالبًا ما يسود التعتيم الإعلامي وتدفن الأخبار القاتمة في أدراج البنتاغون. ركضنا كالأطفال بمصفحات MRAP المدرعة لمشاركة الأخبار السيئة إذا كانت محدودة ويمكن تغييرها بتعليمات سياسية. ولم يتم تشجيعنا عندما حاولنا التعبير عن مخاوف استراتيجية بشأن إمكانيات الحكومة الأفغانية وفسادها”. أورد جون جاروفانو، الخبير الاستراتيجي في الكلية الحربية البحرية ومستشار قوات المارينز في منطقة هلمند الأفغانية عام 2011: “كرس المسؤولون العسكريون في الميدان كمية مسرفة من الموارد لتمويل جداول ومخططات مشفرة بألوان تشير إلى نتائج إيجابية. وكان لديهم آلة باهظة الثمن لطباعة أوراق بأحجام كبيرة كما هو الحال في المطبعة. لم تكن أرقامهم علمية، ولم يجرؤ امرؤُ على التساؤل عما إذا كانت الرسوم البيانية والأرقام ذات مصداقية أو ناجعة. رفض المسؤولون الإجابة عن مغزى عدد المدارس التي شيدها التحالف، ومدى تحقيق ذلك الغايات المرجوة. وكيف يمكن اعتبارها دليل على النجاح وليس مجرد جهد أو برهان على تنفيذ عمل جيد؟”. اعتقد الدبلوماسي الأميركي السابق، جيمس دوبينز، في لجنة مجلس النواب عام 2009، بالمعيار الذي اقترحه عن عدد القتلى الأفغان وأن ارتفاعه يثبت الهزيمة وهبوطه يبرهن على الفوز. وأوردت منظمة الأمم المتحدة أن عددهم التقديري في عام 2018 بلغ 3804 مدني أفغاني. بالطبع، لا يمكن أن تقتل حرب تقصف غاراتها الجوية البلاد في مختلف الأوقات لمدة 20 عام 3804 مدني فقط!!! إنه تضليل فج وصلف. في حين تدعي منظمة “الأمم المتحدة” أنه أكبر عدد لمدة عام منذ إحصاء الخسائر قبل عقد من الزمان!!!

عن Rokayah

شاهد أيضاً

تفاعلات الأمن السوري وأزمة المهاجرين…5

بدأت أزمة المهاجرين السوريين إلى تركيا في أبريل 2011، عندما وصلت المجموعة الأولى المؤلفة من …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *