الثلاثاء , نوفمبر 30 2021
الرئيسية / صحافة / روسيا في الشرق الأوسط…7

روسيا في الشرق الأوسط…7

كانت روسيا ولا تزال إمبراطورية منذ تأسيس دولتها، شاءت بريطانيا، خصم موسكو التاريخي، أم أبت، سيان في الحالتين. وتصور الباحث Alexei Malashenko في عام 2000، أن حرب روسيا في الشيشان “منطقية” في سياق معين فيما إذا اعتبرت روسيا أنها إمبراطورية. أورد المؤرخ ألكسندر إتكيند على نحو مشابه في عام 2011، أن التاريخ الروسي لا يزال في إطار “الاستعمار الداخلي”. واكتسبت في غضون بناء إمبراطوريتين ثم خسارتهما والسعي مرة ثانية لاستعادة إرثها المفقود، تجارب في إدارة “حروب الإمبريالية”، مكافحة التمرد، واستعراض القوة خارج حدود روسيا. تضمنت سمات التجربة التاريخية نمط الاستقطاب المتواتر لاستيعاب نخب الأقليات المحلية والخارجية العرقية-الإثنية. وتجسدت السمة الثانية في مرونة الأساليب التي تستغل الانقسامات العرقية والدينية (وغيرها) في الدول المجاورة، محاولات تقسيم وشرذمة دول الخصوم، أو تحييد قدرتها على مجابهة الاستراتيجيات (التي يحبذ مترجمون عرب ترجمتها إلى الاستخطاطيات لأنهم يعتبرون كلمة استراتيجية عربنة وليست تعريب من الإنجليزية إلى العربية) لتدعيم مصلحة موسكو الوطنية. برهنت سياسة بوتين على مدى وعيه بإدارة شؤون المسلمين الروس والمؤسسات الدينية، باستثناء أفغانستان في عام 1978-1989: عندما انحازت موسكو إلى نخبة الحزب الشيوعي الأفغاني الحاكم التي لم تستطع توحيد جهودها وتماسكها أو تحرير الأفغان. بينما لم تتمكن موسكو عسكريًا من إقصاء مسرح التمرد الأفغاني الطالباني آنذاك الذي تأسس من مجموعة طلاب تخرجوا من مدارس باكستان الدينية بدعم من قوى خارجية وفي مقدمتهم واشنطن، مثلما استطاعت في شتى حروبها لمكافحة التمرد. ولذا، خسر الاتحاد السوفييتي الحرب وأجبر على الانسحاب من المشهد الأفغاني. يتجلى أثناء رصد السياسة الخارجية القيصرية والسوفييتية السابقة والروسية الحاضرة دفاع موسكو ودعوتها إلى تنفيذ حل ديموقراطي في الدول المضطربة بالفوضى لحماية حكومة موالية أو إبقائها في موقع النفوذ، على الرغم من ميول موسكو الاستبدادية، على غرار حكومات الخليج (وتحديدًا قطر) التي تناشد تونس لحماية “الديموقراطية” بعد تجميد الرئيس قيس لعمل مجلس النواب، في حين لا يستطيع قطري أو خليجي أن ينبس ببنت شفة ضد حكومته وأمراء بلاده، واعتقلت الدوحة الشاعر محمد العجمي لأنه نظم قصيدة بتهمة الثناء على ثورة الياسمين!!! في تونس التي تأتي في المرتبة الأولى عربيًا من حيث حريات التعبير وحرية المرأة بينما لا تستطيع المرأة القطرية السفر من مكان إلى آخر بدون تصريح خطي أو إلكتروني من ولي الأمر (إذا أردت أن يؤمن الآخرون بالمبادئ التي تدعو إليها…ينبغي أن تطبقها أولاً على ذاتك). تحمي الحكومة الموالية مصالح موسكو أو استيعاب الدولة في الإمبراطورية الروسية. وهذا ما يحدث الآن في سوريا إن لم يكن في العراق أيضًا، كما يتضح من سياسة موسكو مع الأكراد التي تستغلهم دول على أمل تقسيم سوريا والعراق مستقبلاً وحيازة النفط والنفوذ الاقتصادي في تلك المناطق وتكافحهم دول مغايرة لحماية أراضيها من التقسيم، في حين يحشد الأكراد الدعم من القوى الخارجية للضغط على حكومة بلادهم من أجل تلبية مطالبهم وتمييزهم عن بقية المواطنين. يستمر استغلال واستقطاب الأقليات العرقية لترسيخ استراتيجية والتأكيد الإمبريالي الروسي لاستعادة بعض خصائص الإمبراطورية المندثرة والعودة بعباءة القوة العظمى في الشرق الأوسط التي خلعتها في عام 1991. وقد تقتضي الاستراتيجية تأقلم موسكو مع تنفيذ سكانها المسلمين لمهام في سياستها الشرق-أوسطية، والتأثير المتبادل بين مسلمي روسيا ومسلمي الشرق الأوسط. حاولت موسكو اقتناص الفرص قبل اندلاع ثورة سوريا، للتقارب مع الدول العربية وغيرها من الدول الإسلامية على أساس العنصر المشترك المتمثل في سكانها المسلمين. وانضمت إلى منظمة التعاون الإسلامي (OIC) في عام 2005. ثم وقعت اتفاق تعاون معها في عام 2014. وقبل ذلك، أخبر بوتين المنظمة OIC في عام 2003، أن: “المسلمين جزء مُتَأَصّل من الأمة الروسية متعددة الأعراق”.

ارتأى المؤرخ ألفريد ريبر أن روسيا: “لم تميز بين القضايا الاستعمارية وعملية تأسيس الدولة”. وتستفيد القوى الخارجية من استقطاب النخب المحلية الخاضعة من الأقليات الإثنية أو الدينية لحل الأزمات الداخلية ذات الصلة بتأمل حدود المجتمعات الإسلامية التي يمكن اختراقها ومتعددة الثغرات. تستثمر موسكو النخبة الإسلامية في الشيشان على سبيل المثال، لمجابهة أزمات الشرق الأوسط بما يتواءم مع منفعة روسيا. وعرضت آسيا الوسطى في العهد السوفييتي كنموذج لتحديث المجتمعات العربية. كما تستثمر علاقاتها مع دول الشرق الأوسط لمنع انتشار التزمت الإسلاموي الداخلي (ويفرق باحثون ومترجمون بين كلمة إسلامي نسبةً إلى الإسلام، وإسلاموي التي تعني التطرف في الدين أو ادعاء الالتزام به لتحقيق مآرب خاصة سواء كانت سياسية، اقتصادية أو اجتماعية). تحرص حكومات الشرق الأوسط للتأثير على دول آسيا الوسطى؛ ومنها استثمارات المملكة العربية السعودية وتشييد المساجد في طاجيكستان التي حفزت دوشنب (عاصمة طاجيكستان) على نقض عضوية إيران في منظمة شنغهاي للتعاون. وتحث دوشنب الدول العربية جهرًا للاستثمار في مدنها. وسمت مستشارة العلاقات الدولية الأميركية سيليست ولاندر عملية انتقاء النخب غير المحلية بـ”الإمبريالية العابرة للحدود”، بيد أن النعت أقل أهمية من الواقع الإمبريالي-الاستعماري الإمبراطوري. وأضافت: “تعد الإمبريالية العابرة للحدود امتداد لإرث الاستبداد الروسي إلى شتى أصقاع الدنيا. وتستطيع روسيا المتاجرة والاستثمار بدون أن تكون منفتحة وقابلة للاختراق بالدمج الانتقائي لشبكات النخب الدولية في النظام الاقتصادي الدولي وعلاقات المسؤول-العميل في السلطة والتبعية، الموارد، والتوزيع على المستوى الدولي. دعمت السياسة الخارجية الروسية شبكات النخبة الدولية للنفاذ إلى الموارد والفرص الاقتصادية. وتهيمن على تفاعل روسيا مع الاقتصاد الخارجي لتفادي تأثيرات التسويق اللامقيد، المنافسة، وتنويع المصالح والقوى الداخلية. قد يجابه النظام السياسي الحاكم الفشل فيما إذا حدث ذلك، وتهدد العولمة المصالح الروسية وقيادتها السياسية”. بات استغلال الثغرات الإثنية والدينية في أقليات المجتمعات المستهدفة عنصرًا أساسيًا في السياسة الخارجية الروسية ووسيلة لحماية المجتمع الروسي من التأثيرات بالدعم العربي للسياسات الداخلية والخارجية الروسية. ولا تنشأ مشكلة الأقليات إلا في المجتمعات التي تفرق بين مواطنيها وتميز فئة عن بقية الأطياف، ويتلاشى مصطلح الأقلية عندما تتعامل الحكومة مع مختلف السكان بحقوق وواجبات متساوية. أوردت دراسة حديثة لمعهد تشاثام البريطاني أن: “روسيا تستطيع شراء واستمالة النخب السياسية والتجارية لإنشاء شبكات متناغمة تفضي إلى تكوين وكلاء نفوذ أو أحصنة طروادة في حكومات ومؤسسات خارجية وتعمل بمثابة أداة نفوذ لروسيا”. ويعتقد البريطانيون أن الروس يستغلون هجرة المسلمين إلى أوروبا. تدعم موسكو الأقلية المجرية ضد أوكرانيا، والصرب ضد كوسوفو وألبانيا والجبل الأسود والبوسنة التي أسست يوغوسلافيا فيما مضى قبل أن يسعى حلف الناتو إلى تقسيمها إلى دويلات صغيرة. وأفادت أبحاث أن يوغوسلافيا قبل تقسيمها كانت تستطيع منافسة أميركا بمساحتها الشاسعة ومواردها الزاخرة. أعد الصرب انقلاب في الجبل الأسود عام 2016-2017. وحاز فلاديمير بوتين على مساندة النخب الخارجية لقمع التمرد الداخلي والانتفاضات الإسلامية في شمال القوقاز الذي يعد من مقاصد دبلوماسية بوتين في الشرق الأوسط والسياسة الروسية. حثت موسكو في عام 2016، طهران للاستثمار في داغستان، شمال القوقاز. وجند بوتين مسلمي روسيا في سوريا وليبيا لإضفاء الشرعية على المشاركة العسكرية في تلك البلدان. بررت موسكو تدخلها في سوريا بذريعة الرأي العام لسكانها المسلمين لدعم نظام بشار الأسد، ولا يمكن إثبات هذه الذريعة أو التحقق منها. لكن موسكو حصلت على دعم داخلي لمشاركتها العسكرية من المؤسسة الإسلامية الرسمية في روسيا. وأنصت بوتين إلى فكرة إرسال القوات الشيشانية في آسيا الوسطى وإعداد قوات حفظ السلام الكازاخستانية والقيرغيزستانية إلى سوريا، بالإضافة إلى إرسال شيشانيين لتنفيذ غايات السياسة الروسية في ليبيا وسوريا.

تردد صدى استدعاء قوات حفظ سلام من منظمة معاهدة الأمن المشترك (CSTO). وبعث بوتين مسلمي آسيا الوسطى إلى سوريا، بعد أن أتاح تجنيد غير الروس في الجيش. يعتقد الباحث في الشؤون الروسية-الدولية، مكسيم سوشكوف، أن روسيا كقوة ذات نفوذ خارجي: “تحتاج إلى شركاء إقليميين للسيطرة على التحديات الداخلية التي قد تواجهها من مسلمي القوقاز ومنطقة الفولجا والأورال. وبالتالي، تتطلع إلى موازنة السياسة الخارجية في الشرق الأوسط ومشاكلها الداخلية ذات الصلة”. لدى المسؤولون الروس، بمن فيهم بوتين، حساسية مفرطة من التأثير الإثني أو الأيديولوجي الخارجي على أمن الدولة، بمقتضى الموالاة العابرة للحدود بين المسلمين والأقليات العرقية والدينية الروسية على نمط الموالاة العابرة للحدود بين المسيحيين في مختلف الدول والفاتيكان. ولا يمكن لروسيا عزل سكانها المسلمين أو مناطق الاتحاد السوفييتي عن التأثيرات الخارجية، لا سيما عندما يحشدون جميعًا، بما في ذلك روسيا، الاستثمار والدعم السياسي العربي. تتناغم النخب الروسية مع الفرص النابعة من الأقليات العرقية لتوسيع نفوذ الإمبراطورية أو توطيد مكانة روسيا العالمية. وسرد كروتز في عام 2009: “تتاخم إيران جنوب القوقاز، وتعتبر موسكو هذه المنطقة ذات أولوية استراتيجية. يرى محللون روس أن السيطرة على جنوب القوقاز تجلب الهيمنة على بحر قزوين والوصول إلى وسط آسيا والشرق الأوسط. ويعتقد الروس أن ضمان النفوذ والاستقرار في القوقاز شرط حتمي لاستدامة أمن روسيا الداخلي. تعد روسيا أيضًا دولة قوقازية. وتقع سبع مناطق من الاتحاد الروسي (أديجيا، إنجوشتيا، داغستان، كبردينوبلكاريا، كراشيفوشركيسيا، أوسيتيا الشمالية، والشيشان) في شمال القوقاز، وأربع مناطق (كراسنودار، ستافروبول، روستوف، وكلميكيا) في السهوب المجاورة للقوقاز. ويشكل المسلمون نحو 15% من السكان الروس، ونتيجة لذلك، يعتقد المسؤولون في موسكو أن الغزو الأميركي لإيران ونزاع الحضارات التالي سيؤثر على الشؤون الروسية ويهدد اتحاد أراضيها”. تتجذر سياسة موسكو باستثمار أقلياتها كأدوات للنفوذ الروسي الخارجي، في حين تحمي دولتها من استغلال تلك الأقليات ضد روسيا في تاريخ الإمبراطورية الروسية، وتعد جزء من المشاركة الروسية في الشرق الأوسط. وطدت موسكو علاقاتها مع الدول العربية والإسلامية قبل ثورة سوريا. وترأست في عام 2014، القمة الاقتصادية الدولية السادسة بين روسيا ومنظمة التعاون الإسلامي في كازان، عاصمة منطقة تتارستان الروسية. أدت موسكو رقصة التانغو مع الإسلامويين بعد انضمامها إلى OIC، في ظل تصنيفهم إلى سيئين وجيدين. وقد تنال تنازلات من الدول الغربية أو الإسلامية، لكنها تحاول استقطاب مسلمين خارج حدودها لمؤازرة سياساتها الداخلية والخارجية.

حولت موسكو المميزات الاستراتيجية في سوريا إلى نتائج استراتيجية إيجابية. وتستفيد من دعم الحكومة السورية التي استقطبت عناصر من إيران وحزب الله اللبناني. أثبتت مجموعة القوات المساندة لنظام الأسد قدرتها على استعادة زمام المبادرة من المتمردين بعد سيطرتهم على 60% من مساحة سوريا، وضمان “انتصار” بشار الأسد. وتألف أعداء الأسد في الغالب من المسلمين السنة، في حين أن معظم المنتمين إلى حكومته من المذهب العلوي، الصيغة اللانموذجية من الإسلام السني والمتقاربة مع المذهب الشيعي. حاز الأسد على دعم الأقليات الدينية التي تخشى من سطوة نظام سني متزمت، لا سيما المتأثر إن لم يكن بقيادة تنظيم إيزيس (داعش). وتتوجس الأقليات الدينية (المسلمين الشيعة، المسيحيين، العلويين، الدروز، الإسماعيليين، والأكراد) من رئيس منتمي إلى الأغلبية السنية أو متطرف دينيًا أكثر من بغضها للأسد وسطوة مخابراته. صاغت ميليشياتها على مدار 10 سنوات لحماية أسرها وتجمعاتها من الدولة الهوبزية التي تحولت إليها سوريا تدريجيًا، لكنها تقاتل أساسًا من أجل الحماية الذاتية العرقية أو العرقية-الدينية وتتعاون مع الأسد وروسيا وحزب الله والقوات الإيرانية. قد يخسر أكراد سوريا الكثير في أعقاب الإطاحة بالأسد، لأن ثمة دول ستقمع انفصالهم أو ارتباطهم بأكراد تركيا وإيران والعراق. واستغل أكراد سوريا وهن الأسد واعتماده على دعم قوى خارحية ومعارضة تركيا لحكومته وتصريح إيردوغان ومستشاريه بأنها غير شرعية!! للتعاون مع موسكو وأي دولة يمكنها مساندتهم وإمدادهم بالأسلحة والمعونات. اتسع نطاق التعاون بين موسكو والأقليات العرقية والدينية السورية. وصرحت موسكو بأنها تمنح القضية الكردية اهتمامها الخاص. نادت روسيا في عام 2017، إلى “الاستقلال الثقافي” لأكراد سوريا بعد الحرب بموجب الدستور. وحث باحثون روس على تطبيق نموذج البوسنة المستند إلى اتفاق دايتون لسلام يوغوسلافيا السابقة في سوريا الذي سيؤدي إلى دمج الميليشيات المختلفة في الجيش السوري بعد الحرب، يوهن من مركزية الدولة، ويضمن تنوع الثقافات والشعوب التي تشمل السوريين وذراعهم السياسي، ميليشيا “حماية الشعب الكردي” (YPK). تتيح صيغة الاتفاق تدخل موسكو في سوريا على مدى سنوات قادمة، كما هو الحال في البوسنة. وتشيد روسيا قاعدة عسكرية في المنطقة التي سيطرت عليها ميليشيا YPG في عفرين ويحتلها الجيش التركي مع ميليشياته في الوقت الراهن، لتدريب الميليشيات الكردية والتحول مستقبلاً إلى أداة نفوذ لروسيا. تعيق القوات المخططات العسكرية التركية في سوريا، وتصميم أنقرة على منع تأسيس تجمع سياسي كردي صلب. وينبغي على حكومة سورية مستقبلية الحذر من عملاء موسكو وأنقرة وإيران، الثلاثي “المرح” في سوريا. مهدت موسكو لجناح ميليشيا YPG السياسي (حزب الاتحاد الديموقراطي PYD) لتدشين مكتب في موسكو وتوسيع نطاق صلاحيات ميليشيا YPG الإقليمية في سوريا. ويعتقد مراقبون أن ميليشيا “الاتحاد الديموقراطي PYD” و”حماية الشعب YPG” من فروع حزب العمال الكردستاني التركي PKK، بعبع رجب إيردوغان القاتم. تخشى دمشق وأنقرة من شبح دعم موسكو للأكراد السوريين والأتراك لمهاجمتها أو الضغط عليها مستقبلاً. ويتساءل راصدون: لماذا لا تنهي موسكو الحرب السورية وتتفق مع أنقرة على إبقاء الإسلامويين في إدلب وحمايتهم؟ ترنو موسكو من هذه التحركات إلى ترسيخ نفوذها بين أكراد سوريا وتركيا، وليس دعم جهود بناء الدولة، لإضعاف تركيا وإبقاء سوريا في حالة تبعية مستدامة لموسكو، مثلما استغلت الأكراد فيما مضى لمدة تتجاوز المئة عام. تناور روسيا بمرونة. ويمكنها حماية نفوذها واستثماراتها العسكرية والاقتصادية والسياسية في سوريا وتركيا بتهديد أو دعم هاتين الدولتين. تستثمر البطاقة الكردية في العراق وتركيا. وأشركت أكبر عدد ممكن من مجموعات المعارضة التي تشمل الأكراد، في العملية السياسية وصناعة السلام في سوريا. يتواءم ذلك مع الممارسة التقليدية لدعم الدول الواهنة متعددة الأعراق والطوائف في المناطق المستهدفة لتأمين النفوذ الروسي الدائم.

صرح بوتين بأن القوات الكردية-السورية من أكثر المعارضين فعالية في هزيمة تنظيم إيزيس، ويجب على روسيا التعامل معهم، ولو كان ذلك لإزالة التعارض بين القوات الروسية والأكراد، مما يبرهن على إرادة موسكو لتقييد سلوك تركيا المصابة بوسواس قهري من المشاركة السياسية لأكراد الدول المجاورة. دعمت موسكو العمليات العسكرية لميليشيا YPG لتطويق العمليات العسكرية التركية في سوريا. وتنبأ راصدون في عام 2017، باشتباك القوات التركية وميليشيا YPG حول منطقة عفرين. أراد الجيش السوري استعادة السيطرة على الأراضي المحتلة من القوات التركية حول إدلب، إلا أن موسكو تميل إلى إشباع رغبات أنقرة على حساب حلفائها الأكراد. وأثبتت هذه الحلقة مكتسبات موسكو من التلاعب بالبطاقة الكردية التي تبقي اتكال تركيا وأكراد سوريا على موسكو لتنفيذ شروطها. قد ترفع روسيا البطاقة الكردية أو التركية وقت الضرورة لحماية مصالحها، وفي هذه الحالة تهدئة الأوضاع في سوريا وتجنب مواجهة على نطاق شاسع مع تركيا. ودفعت الكيانات التي تعتمد على الدعم الروسي ثمنًا باهظًا لتحقيق جزء من مقاصدها. تطلع الزعيم الكردي السوري إلهام أحمد إلى موسكو لإنهاء الارتباط مع تركيا وإيران، والحصول على ضمانات للأكراد في دولة ما بعد الحرب. واتهم إيردوغان روسيا في الماضي بإمداد ميليشيات PKK بالأسلحة. تمتلك موسكو أداة يمكن استخدامها كلما ارتفعت حرارة الحكومة في أنقرة. وتواجه تركيا وسوريا العديد من التحديات التي تنطوي على الأكراد السوريين والآثار الناتجة عن مواجهة عسكرية مع الميليشيات الكردية المرتبطة بعلاقات مع روسيا التي من المفترض أن تساهم في إنهاء النزاعات على الحدود التركية-السورية بموجب مفاوضات نور سلطان المنعقدة مع تركيا وإيران. تعتقد حكومة روسيا أنه لا يمكن اعتبار حزب العمال الكردستاني-التركي ولا ميليشيا YPG تنظيمات إرهابية، على غرار الطريقة التي تتعامل بها مع حركة حماس الفلسطينية وحزب الله اللبناني. غير أن التورط الروسي مع أكراد العراق أعمق من نظيره في سوريا وأبعد مدى. تدغدغ روسيا أمنيات أكراد العراق في الانفصال عن الدولة وتقسيم البلاد. وتتعامل مع بغداد والأكراد في أربيل عبر صفقات الطاقة والأسلحة، وبأساليب حماية المصالح الاستراتيجية والاقتصادية الروسية. بدأ الاهتمام الروسي بحقول النفط في مدن الأكراد العراقيين بعد تصريح الاتحاد الأوروبي عن اهتمام مماثل. وتنازلت شركة إكسون موبايل عن مشروعها في غرب قرنة الزاخرة بالنفط عام 2012، لأنها أرادت الحصول على مميزات من حكومة كردستان (KRG) في شمال العراق مما أغضب حكومة بغداد التي ترنو إلى منع إقليم كردستان من توقيع صفقات الطاقة مع شركات وحكومات بدون موافقتها. تعتمد بغداد على مجال الطاقة لتمويل مؤسساتها ووزارتها. وتطلعت إلى التعامل مع الشركات الروسية والصينية لاستبدال إكسون موبايل. تنشط موسكو منذ ذلك الحين في صفقات الطاقة مع كردستان. وتؤدي شركة Lukoil الروسية مهام رئيسية في كردستان العراق. كما حَبَّرَت شركة Gazpromneft الروسية (فرع غازبروم) صفقتين مع أربيل في عام 2012، حتى أصبحت رابع شركة نفط أساسية في كردستان العراق. وحازت على60% من حقل جارميان الذي يبلغ مساحته 1780 كيلومتر مربع و80% من حقل شاكال الذي يبلغ مساحته 474 كيلومتر مربع. وقعت موسكو مع أربيل في حين كانت تتفاوض مع بغداد على مبيعات الأسلحة وحقل قرنة. وسعت بغداد إلى إرغام شركة غازبروم على إنهاء صفقاتها مع كردستان في نوفمبر 2012، بإلغاء وصولها إلى حقل بدرا بالقرب من إيران التي استحوذت عليه في عام 2009 وكان من المفترض أن تبدأ الإنتاج في أوغست 2013. وصمت حكومة بغداد عقود الطاقة مع كردستان باللاقانونية لأن الحكومة العراقية لم توافق عليها، لاسيما مع رفض أربيل تسليم النسبة المحددة من مبيعات النفط إلى بغداد الذي يعد من مساوئ وسلبيات الإدارة الذاتية للإقليم.

قررت موسكو زيادة تعاملاتها مع كردستان، رغم خصومة بغداد. واستقبلت رئيس المنطقة الكردية، مسعود برزاني الذي حاول الانفصال، في فبراير 2013. ناقش الطرفان في الاجتماعات شؤون السياسة والطاقة، وإمكانية توقيع المزيد من عقود الطاقة الروسية مع السلطات الكردية. ووقعت Gazpromneft صفقة للمساهمة في حقل حلبجة النفطي الذي يعد مشروع الطاقة الروسي الثالث في كردستان، على الرغم من اعتراض بغداد، إلا أن بوتين أطلع العاصمة العراقية على بنود عقد فبراير 2013 والاتفاقيات المتوالية مع كردستان. وربما أراد إبعاد كردستان العراق عن تركيا التي تحارب الأكراد في شتى الاتجاهات وتتملق أربيل من أجل حقول النفط – تعترض روسيا والعراق على مزاعم تركيا بأنها مركز الطاقة ولديهما مصلحة مشتركة في منع أنقرة من السيطرة على حقول النفط الكردية-العراقية. تستطيع موسكو استغلال التوترات بين إقليم كردستان وبغداد. وتتيح المناورات لروسيا نفوذ على طاقة كردستان وسياسات بغداد الخارجية والنفطية وربما تركيا. قد تصدر أنقرة الغاز والنفط إلى دول أوروبية فيما إذا تحولت إلى مركز لطاقة أربيل، وتقوض الصادرات الروسية التي تمنح موسكو نفوذ في البلقان وشرق أوروبا. وثمة أبعاد تتجاوز مثلث روسيا-العراق-تركيا. يقلص تحرر تركيا من الاعتماد على الطاقة الروسية من نفوذ موسكو، ويمكن مشروع أذربيجان التنافسي من بيع غاز البلقان وأوروبا الوسطى عبر خط أنابيب الأناضول (TANAP) الذي سيربط الحدود التركية-البلغارية بخط أنابيب عبر البحر الأدرياتيكي أو بحر البنادقة (TAP). ولذا، ينبغي استمرارية اعتماد تركيا على غاز روسيا لإدامة وسائل الضغط والتأثير على أنقرة، وحماية مكانة موسكو في البلقان والقوقاز والشرق الأوسط. ستنتقل روسيا إلى الخطة ب التي تقضي التوغل في كردستان وبغداد وضمان نيل روسيا حصتها لبيع الغاز الكردي والبغدادي إلى تركيا، فيما إذا لم تستطع منع الأكراد من بيع غازهم إلى تركيا. وكلما استثمرت الأكراد في مجابهة تركيا، استدام اتكال أنقرة وتبعيتها للطاقة الروسية. وبكلمات مغايرة، تتسم السياسة الروسية بالانتهازية، إعاقة استقرار الشرق الأوسط، وتضخيم المرونة الروسية وحرية المناورة بدون الالتزام مع مختلف الأطراف إلا بقدر ما يعارضون الولايات المتحدة. يمنح دعم موسكو أكراد العراق نفوذًا راسخًا على بغداد التي أُجبرت على الصمت وتجنب الاحتجاج على الضغوط الروسية القسرية وسياسة حكومة إقليم كردستان وحرمان الموازنة العراقية من موارد حقول الطاقة في المدن التي يسيطر عليها الأكراد. واستسلمت بغداد لسطوة موسكو ودعمها للأكراد لخشيتها من تحريضهم على الانفصال عن العراق. يتفاقم التواصل الروسي مع أكراد العراق حتى وقعت شركة روز-نفط الروسية اتفاق جديد مع حكومة إقليم كردستان KRG، وتمكنت من المشاركة في نظام النقل الإقليمي بسعة إنتاجية تبلغ 700000 برميل يوميًا بغض الطرف عن خطط التنقيب لحيازة المزيد من حقول النفط والغاز في شمال العراق، إلى جانب منح روز-نفط حق الوصول إلى خط أنابيب إقليم كردستان، وتصفية نفطه في ألمانيا. أورد جبار قادر، مستشار رئيس وزراء حكومة كردستان السابق برهم صالح ورئيس العراق الاتحادي حاليًا، أن شركة النفط الروسية العملاقة تعهدت باستثمار 3 مليار دولار في كردستان مقابل شحن 700000-1000000 برميل يوميًا إلى الخارج، مما يفضي إلى إقصاء تركيا عن إدارة شؤون الطاقة في كردستان. ووقعت روز-نفط اتفاقيات مع كردستان مقابل حيازة 80% من الأسهم في خمس كتل نفطية قد يصل إنتاجها إلى 670 مليون برميل من النفط حتى في ظل تداعيات استفتاء برزاني في 25 سبتمبر 2017، للانفصال عن بغداد. بلغت قيمة تلك الصفقة 400 مليون دولار، بالإضافة إلى قروض سابقة بقيمة 1.2 مليار دولار لحكومة أربيل في ذلك العام. وتلا الاتفاق حصول الشركة على حصة الأغلبية والسيطرة على خط أنابيب النفط المحوري في كردستان بقيمة 3.5 مليار دولار لمنع بغداد وتركيا من الهيمنة على خط الأنابيب وخنق حملة برزاني للانفصال. يستوجب على بغداد وأنقرة التعامل مع روسيا بمقتضى ملكية خط الأنابيب. ويتعين على بغداد سداد أموال لروسيا في حالة استعادة خط الأنابيب. ومن ثم، يستمر النفوذ الروسي على بغداد وكردستان العراق.

نالت المسألة الكردية في العراق (وفي سوريا وتركيا ضمنيًا) أهمية في أعقاب استفتاء الانفصال. ورقصت روسيا مع الطرفين. فمن جهة، صرحت بدعم اتحاد الدولة العراقية; أعلن وزير الخارجية سيرجي لافروف أن موسكو ملتزمة بعراق موحد بعد هيمنة الحكومة بدعم إيراني (وتركي) على كركوك وحقلها النفطي. لا يمكن لموسكو تنفير تركيا وإيران إلى الأبد، وفرض حرب أهلية جديدة في العراق بمعاضدة الانفصال الكردي واقتطاع جزء من أراضيها. ومن جهة مغايرة، تأتي موسكو في الترتيب الأول باعتبارها أهم مصدر خارجي لدعم كردستان ماليًا; وقد لا يتغير ذلك. لا تهتم موسكو بدولة الأكراد الانفصالية بمقدار اهتمامها بنفوذها على الدول الإقليمية الأربع التي تقيم فيها هذه الأقلية: تركيا وسوريا والعراق وإيران. وتحكم قبضتها على الأكراد وطاقتهم للإخلال بتوازن العراق والهيمنة على تركيا عبر مبيعات الطاقة. أفاد وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك، بأن موسكو تطمح إلى ربط خطوط أنابيب النفط والغاز في كردستان التي تسيطر عليها بالبحر الأسود وخط أنابيب ترك ستريم للهيمنة على واردات تركيا. وقد يؤدي طموح نوفاك إلى عواقب سياسية بعيدة المدى. تستغل روسيا الورقة الكردية في سوريا وتركيا لتحفيز الأقليات على إضعاف الدول، ممارسة الضغط الدبلوماسي على أنقرة ودمشق بالنيابة عنها لتنفيذ مآربها، الحصول على ريع الطاقة، واكتساب نفوذ دائم على الأنظمة الاقتصادية-السياسية السورية والعراقية والتركية. وأوردت دراسة حديثة: “لست بحاجة إلى سيطرة داعش طالما أن تركيا في نزاع أبدي مع الأكراد في المنطقة”. توازن موسكو البطاقة الكردية في سوريا بين الاعتبارات السورية والتركية. ويؤكد وجود القوات الشيشانية من غروزني الموالية للكرملين في ليبيا وسوريا على التفاعل المتبادل بين الحكومة الروسية ووكلائها. تجسد العملاء الرئيسيون لموسكو في المسؤول الشيشاني رمضان قديروف، مسلمي روسيا، وحكومات الشرق الأوسط وآسيا الوسطى. وناقشت موسكو إرسال ضباط شرطة شيشانيين لدوريات العسس في المناطق التي استعادتها حكومة دمشق، وتحدثت إلى كازاخستان وقيرغيزستان بشأن إرسال قوات، مما يعكس سياسات بوتين لنيل دعم إسلامي ضد الجهاديين في الشيشان أثناء حرب 1999-2007. أوردت صحيفة نيويورك تايمز: “إن علاقة غروزني بالكرملين محسوبة ومحددة وناجعة للطرفين”. وتسمو مكانة قديروف كشريك للسياسة الخارجية الروسية، يرسخ مكانته في الداخل والخارج، وترتفع قيمته لدى بوتين بدعم المسلمين لسياساته، ناهيك عن المبالغ المادية التي يحصل عليها من موسكو. يوثق علاقاته أيضًا بحكومات خارجية قد تمنحه تبرعات. ودعمت آلاف القوات الإسلامية القتالية موسكو لإرسالها إلى سوريا وأماكن مختلفة لتقليص حجمها وتأثير وجودها العسكري في روسيا وتأكيد أهميتها بعلاقتها مع الكرملين. تشهد القوات الشيشانية الموالية لقديروف التي توجهت نحو سوريا على تغلب سياسات بوتين في قمع تمرد الشيشان ثم إعادة بنائها. ويشكل 1000 جندي شيشاني في سوريا قيمة دعائية لموسكو، كما يؤسس اتصال حيوي مع المقيمين الشيشان في سوريا الداعمين لحكومة الأسد. يوطد رمضان قديروف بقناة الجنود وثائق التفويض وشهادات اعتماده كصانع سياسات ونائب عن الكرملين للتفاوض مع الحكومات العربية؛ توضيح مواقفها في روسيا؛ وجذب استثمارات إلى الشيشان ومناطق المسلمين الروس. ساهم قديروف في تنفيذ دبلوماسية الكرملين في أفغانستان، ونظم مركزًا دوليًا لتدريب قواته بدعم روسي. وشارك في معظم الاجتماعات رفيعة المستوى، إن لم يكن جميعها، مع مسؤولين في الشرق الأوسط، باعتباره وسيط روسي. نبعت مكانة قديروف كوسيط في السياسة الروسية الشرق-أوسطية في ليبيا. وتفاوض في عام 2015، مع السلطات الليبية لتحرر البحارة الروس الذين احتجزتهم طرابلس. شارك منذ ذلك الحين في مفاوضات بين ميليشيات ليبية ومسؤولين روس. ورسخ العلاقات الروسية في تجمع التجارة الليبي. منحت موسكو في غضون ذلك دعمًا عسكريًا للجنرال خليفة حفتر. وتوقع باحثون المزيد من الاهتمام والموارد السياسية لهذه الدولة الواقعة في شمال أفريقيا التي مزقتها الحرب. تبرهن روسيا بالتعاون مع قديروف على إمكانية الحوار مع شتى الفصائل الليبية، على نمط سياستها في سوريا. ويتمثل مقصد موسكو النهائي في تضخيم وجودها في مجال السياسة والاقتصاد والطاقة على المدى البعيد، حيث كان إنشاء قاعدة عسكرية في ليبيا من غايات جوزيف ستالين في عام 1945.

عن Rokayah

شاهد أيضاً

العالم من أفق الإمبراطورية الأميركية…19

استغل البنتاغون ودعاة الحرب من المحافظين الجدد الذين سكنوا البيت الأبيض في عهد جورج بوش …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *