الجمعة , سبتمبر 17 2021
الرئيسية / صحافة / حروب السعودية اللانهائية ضد اليمن…

حروب السعودية اللانهائية ضد اليمن…

أثارت الحملة السعودية الراهنة ضد اليمانيين موجة من السخط العام في البلد الذي يتعرض لحرب وحصار بقيادة السعودية منذ 7 سنوات وصلت إلى حد المطالبة بإلغاء اتفاق جدة والطائف التي استولت السعودية بموجبهما على مساحة شاسعة من الأراضي اليمانية في جنوب وشمال البلاد. ودعا ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي المجلس السياسي في صنعاء إلى إعلان إلغاء معاهدة الطائف (نسبًة إلى قرية الطائف اليمانية وليس مدينة الطائف السعودية) التي أبرمتها السعودية مع الإمام يحيى بن محمد حميد الدين في ثلاثينيات القرن العشرين، وتضمنت إدارة السعودية لمدينة جيزان ونجران وعسير التابعة للدولة اليمانية لمدة عشرين عام فقط!!! ويتجدد الاتفاق كل عشرين سنة إلا إذا رفض أحد الطرفين أو أراد تغيير بنود الاتفاق، مقابل بنود تتضمن إلغاء شتى القيود على العاملين اليمانيين في السعودية بدون شرط أو تأشيرة عمل. كما طالبوا باتخاذ خطوة مماثلة لإعلان إلغاء اتفاق جدة الذي التهمت السعودية بموجبه مساحة من صحراء الربع الخالي وصولاً إلى مدينة الوديعة والخنجر اليمانية. وتعهدت السعودية في الاتفاقين بعمل اليمانيين على أراضيها بدون قيود. تزامنت الدعوات مع بدء السعودية حملة لطرد اليمانيين المقيمين منذ عشرات السنين بصورة رسمية، على غرار أزمة الخليج الثانية بعد غزو الكويت التي استغلتها الرياض لطرد 800000 يماني وإلغاء العمل باتفاق الطائف لأن اليمن رفضت المشاركة في غزو العراق والانضمام إلى التحالف الأميركي والتعامل مع اليمانيين منذ عام 1990 بنظام الكفالة المقيت الذي يجسد نظام العبودية الأميركية في العصر الحديث. تمركز طرد اليمانيين في الوقت الراهن من جيزان ونجران وعسير والأحساء والدمام وتحديد نسبة اليمانيين العاملين في السعودية بـ25%، وكأن حكومة الرياض تخبرهم بضرورة الموت في ظل غاراتها التي تشنها على اليمن ليلاً ونهارًا، وحشدت 17 جيش لقتالهم بدلاً من البقاء على أراضيها، رغم تدفق العاملين من شتى الدول وقبول الرياض باستقبال الآلاف من الأفغان المتعاقدين مع أميركا أثناء الحرب على بلادهم، مما ينفي ذريعة المسؤولين السعوديين الذين يبررون طرد اليمانيين بسعودة المهن أو كما يقول اليمانيون الغاضبون: “يهودة الوظائف”. تكثف وجود الهنود والباكستانيين في عسير بالآونة الأخيرة، حتى يُخيل للمرء أثناء المرور بمنطقة سودة الجنوبية أنه في الهند أو باكستان من كثرة مواطنيها المحتفلين بمناسبة العيد وأدائهم لرقصاتهم وأغانيهم التراثية، بينما يطرد سكانها الأصليين اليمانيين، مما يعني ضمنًا إلغاء الاتفاق وضرورة عودة هذه المناطق إلى السيادة اليمانية. يعد اتفاق الطائف من أسباب الحرب على اليمن لأن المعاهدة تنتهي كل عشرين عامًا، وكان من المتوقع إنهاؤها قبل عام 2015، مما اضطر السعودية إلى تفجير الحرب لإجبار القوى اليمانية وإخضاعها للقبول بتجديد الاتفاق، لكن خروج الحرب عن السيطرة وهزيمة السعودية عسكريًا يفضي إلى استعادة الأراضي اليمانية في جنوب السعودية، الأمر الذي تخشاه الرياض ويشكل أسوأ كوابيسها. ولذا، فإن زعم السعوديين بأن الحرب من أجل دحر الهيمنة الإيرانية مجرد هراء، وإلا لماذا يلتقي دبلوماسيون سعوديون بإيرانيين في بغداد منذ أشهر بعيدًا عن عدسات الكاميرات ولم يقر بانعقاد اجتماعاتهم إلا وزارة الخارجية العراقية؟ ولماذا تعقد بقية دول الخليج اتفاقيات تجارية وسياسية وتتودد إلى طهران منذ عهد الشاه ويحج مواطنوها الشيعة إلى قبور الأئمة في مدينة مشهد وقم الإيرانية ولا تحاول منعهم من السفر إليها؟ إن عسير وجيزان ونجران يمانية حتى قبل انبثاق الإسلام وتستفيد الرياض من مواردها الاقتصادية منذ توقيع الاتفاق بينما تمن على اليمانيين بالبقاء على أراضيهم، ومن أراد التأكد فليقرأ التاريخ بإمعان ويتأمل شعراء هذه المدن الذين يتباهون في قصائدهم بأنهم يمانيون. بالإضافة إلى ذلك، يعترف السعوديون بيمانية سكانها منذ عقود حيث يلقبونهم بـ”أبو يمن”، ويرفضون الزواج من بناتهم في الأغلب، إلا نادرًا. وانقسمت العوائل على الحدود اليمانية-السعودية إلى يمانية وسعودية عندما وافق علي صالح عام 2000، على ترسيم الحدود، رغم الرفض الشعبي في بلاده، حتى أن أحدهم عندما أراد الزواج من ابنة عمه سافر إلى اليمن وأحضرها بتأشيرة مقيم!!

بدأت أول حرب بين السعودية واليمن في عام 1934، التي أفضت إلى اتفاق الطائف وتمكين الرياض من السيطرة على المدن اليمانية الثلاث: نجران، عسير، وجيزان، لمدة 20 عامًا، مقابل سلام وأمن واستقرار البلدين ومعاملة اليمانيين في المملكة كالسعوديين. وتغيرت أوضاع اليمانيين بعد غزو الكويت رأسًا على عقب. بينما رفض معظمهم الجنسية السعودية قبل ذلك لأن معاملة الحكومة لليماني لم تختلف عن السعودي، وساهم في تشييد المملكة، حتى أن وزير النفط في عهد فيصل كان من جذور يمانية (أحمد يماني الذي تتنكر السعودية الآن لتاريخه ودوره في حظر النفط على الغرب وبناء البلاد أثناء الطفرة النفطية، وتسلط الضوء فقط على تاريخ الوزير عبدالله الطريقي، لاسيما بعد انتقاده للسياسة السعودية في عهد فهد فصاعدًا وانتقاد ابنته المقيمة في لندن لسياسات الرياض)، ناهيك عن محمد بن لادن وغيره من التجار اليمانيين الذين شيدوا القصور الملكية ومهدوا الطرق بين المدن السعودية وأدخلوا الهاتف إليها لأول مرة، بل إن محمد بن لادن لم يكن يحصل على مقابل مادي نتيجة عمله الهندسي في بعض قصور الأسرة الحاكمة. ولا يبالغ مفكرون وكتاب وصحافيون عندما يعتقدون أن اليمانيين شيدوا السعودية وبنيتها الأساسية، وكافأتهم الرياض بالطرد!!! في حروب لا علاقة لهم بها، على النقيض من سياسة الملك فيصل الذي قربهم ونفذ اتفاق الطائف حتى أن تاجر من منطقة القصيم اشتكى إليه ذات يوم من كثرة التجار اليمانيين ومحلاتهم، فأجابه: “افتح محل بجوارهم ولن يمنعك أحد، وسينال الجميع ما كتبه الله له من رزق”. ابتهج كثيرون من سكان القصيم بعد طردهم بذريعة غزو الكويت!!! وعبرت فتيات في المدارس الثانوية والمتوسطة أيضًا عن فرحتهن بمغادرتهم لأنهم هيمنوا على الأسواق بزعمهن، ولا تردد فتاة صغيرة هذه العنصرية إلا إذا كان كبار عائلتها يتداولونها، بالإضافة إلى برامج الإعلام السعودي التي توهم السعوديين منذ عشرات السنين بأن المقيمين سبب عدم عثورهم على وظيفة، رغم أن دراسات أثبتت في الآونة الأخيرة أن البطالة بين السعوديين ارتفعت بعد مغادرة مقيمين بالآلاف في أعقاب فرض الرسوم على أطفالهم بقانون لا سابقة له على مستوى العالم. ثم إذا كان المقيمون سبب أزمات السعوديين، لماذا تتبوأ أميركا المرتبة الأولى في مجال الاقتصاد، رغم أنها عبارة عن مجموعة مقيمين جاؤوا من شتى أصقاع الدنيا، ويتدفق المهاجرين إليها باستمرار؟ ترفض الرياض بقاء النازحين اليمانيين من حربها ضد بلادهم، ولم تستثنيهم من قانون الضرائب والرسوم مؤقتًا حتى انتهاء الحرب التي أنشأت من أجلها تحالف عربي لم يجتمع ضد الإسرائيليين واتفق على موطن أجدادهم، حيث تعد اليمن جذور العرب الأولى ومنها هاجروا إلى أنحاء الجزيرة العربية وبعضهم سافر إلى فلسطين (الكنعانيين)، بينما هاجر المناذرة إلى العراق والغساسنة إلى دمشق ليشيدوا دول في أرجاء المناطق التي يتكون منها “العالم العربي” الآن، وكأن الأحفاد أسسوا تحالفهم العربي لتدمير موطن أجدادهم. وصلت قوات فيصل قبل اعتلائه العرش وأثناء الحرب الأولى بين البلدين إلى مدينة الحديدة، ولولا ردعه بالقانون الدولي واتفاق الطائف وإجباره على الانسحاب، لكانت مدينة الحديدة اليوم سعودية، ولزعم مواطنوها بأنهم سعوديون على غرار جيزان ونجران التي يدعي بعض سكانها بأنه لا علاقة لهم باليمن!!!

قسم البريطانيون الجزيرة العربية بعد سقوط الدولة العثمانية، ورفض شمال اليمن الرضوخ للبريطانيين عام 1849، وأسس آل حميد الدين المملكة المتوكلية عام 1918. بينما أذعن جنوب اليمن للاستعمار البريطاني لفترة تتجاوز المئة عام!! حتى باتت عدن مركز المستعمرات البريطانية. وقعت “معاهدة الطائف” بين المملكة اليمانية والمملكة العربية السعودية يوم 19 مايو 1934، عقب مفاوضات بين الجانبين في 18 و19 مايو 1934، بوساطة المجلس الإسلامي. وأعلن الاتفاق نهاية الحرب السعودية-اليمانية الأولى، وإقامة علاقات سلمية بين الدولتين. أقر الطرفان باستقلال وسيادة الطرف الآخر. وأعادت السعودية إلى اليمن الأراضي التي احتلتها إبان الحرب بينهما، كما أبدى الاتفاق اهتمام خاص بتعاون الطرفين للقضاء على العناصر المعادية لنظاميهما. وفي هذا الصدد، بدأ نفور حسين بن علي، حاكم الحجاز وجد الملك الأردني عبدالله بن الحسين، من هيمنة إستنبول والتخطيط للثورة العربية بعدما زار عسير ورأى الجرائم التي اقترفها العثمانيون ضد سكانها ببتر أعضائهم التناسلية ووضعها في أفواههم!! حاول الإمام يحيى استعادة بقية مناطق اليمن من الإنجليز فخاض حروبًا ضد عملاء الجنوب المتحالفين معهم، وكان جيشه على بعد خمسين كيلو متر من عدن، فتدخل البريطانيون وقصفوا قعطبة وتعز بالطائرات لمدة خمسة أيام، وخاض حروبًا مماثلة مع أسرة الأدارسة الذين تحالفوا مع آل سعود لفترة مؤقتة، حتى أدرك الإمام أن توقيع معاهدة مع الإنجليز أمر لا مناص منه، لا سيما أن قوات ابن سعود هددت المناطق الشمالية. توجه الإمام إلى مناطق قبائل وائلة ونجران موطن قبيلة يام عام 1932، التي تحالفت معه لطُرد الجيش السعودي. ولم تكن نجران مصدر المشكلة إنما جيزان، حتى أدرك الأدارسة أن ابن سعود سيبتلعهم ويقضي على أسرتهم، فنقضوا الحلف معه والتحقوا بالإمام عام 1933. حاولت قوات ابن سعود السيطرة على نجران، وهرب جزء من سكانها إلى عسير حتى اندلعت الحرب اليمانية-السعودية عام 1934. اشتبكت قوات الإمام مع ابن سعود في نجران، إلى أن فرضت معاهدة الطائف، لإدراك الإمام أن قواته لن تصمد بمواجهة تحالف قوات ابن سعود وقوات سلاطين جنوب اليمن المتعاهدين مع الإنجليز والمدعومين بمرتزقة وأسلحة.

نصت معاهدة الطائف على عدة بنود، ومنها الآتي:
قرر حضرة صاحب الجلالة الإمام يحيى بن محمد حميد الدين ملك المملكة اليمانية من جهـة وحضرة صاحب الجلالة عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود من جهة أخرى إنهاء الحرب القائمة لسوء الحظ بينهما!! وبين حكومتيهما وشعبيهما، لجمع كلمة الأمة الإسلامية-العربية ورفع شأنها وحفظ كرامتها واستقلالها، ولضرورة تأسيس علاقات ودية ثابتة بين حكومتيهما وبلديهما على أساس المنافع المشتركة والمصالح المتبادلة، ورغبةً في ترسيم الحدود وإنشاء علاقات حسن الجوار وروابط الصداقة الإسلامية وتقوية دعائم السلم والسكينة بين بلديهما وشعبيهما، ليكونا عضدًا واحدًا لمجابهة الملمات المباغتة، وبنيانًا متراصًا لحماية الجزيرة العربيـة، وعقد معاهدة صداقة إسلامية وأخوة عربية فيما بينهما، وانتدبا لتلك الغاية مفوضين عنهما، ألا وهمـا: عن حضرة صاحب الجلالة ملك السعودية، الأمير خالد بن عبد العزيز نجل جلالته ونائب رئيس مجلس الوزراء، وعن حضرة صاحب الجلالة ملك اليمن السيد عبد الله بن أحمد الوزير. وقد منح الملكان المفوضين الصلاحية التامة اللذين اطلعا على التفويض، وقررا باسم ملكيهما الاتفاق على المواد الآتـية:

1-تنتهي حالة الحرب القائمة بين المملكة العربية السعودية ومملكة اليمن بالتوقيع على هذه المعاهدة، وتنشأ بين جلالة الملكين وبلديهما وشعبيهما حالة سلم دائم وصداقة وطيدة وأخوة إسلامية-عربية لا يمكن الإخلال بها جميعها أو بعضها، ويتعهد الطرفان المتعاقدان بأن يحلا بروح الود والصداقة جميع المنازعات والاختلافات التي قد تقع بينهما!! وبأن يسود علاقتهما روح الإخاء الإسلامي-العربي في سائر المواقف والظروف، ويشهدان الله على حسن نواياهما ورغبتهما الصادقة في الوفاق والاتفاق سرًا وعلنًا، ويرجوان منه سبحانه وتعالى أن يوفقهما وورثتهما وحكومتيهما للسير على هذه الخطة القويمة التي فيها رضاء الخالق وعزة قومهما ودينهما.
2-يعترف الطرفان الساميان المتعاقدان للآخر باستقلال المملكتين استقلالاً تامًا وبملكيته عليها، فيعترف حضرة صاحب الجلالة الإمام يحيى لحضرة صاحب الجلالة الملك عـبد العزيــز بن عبد الرحمن آل سعود وورثته الشرعيين باستقلال السعودية استقلالاً تامًا وبالملكية على المملكة العربية السعودية. ويعترف حضرة صاحب الجلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود لحضرة صاحب الجلالة الإمام يحيى وخلفائه الشرعيين باستقلال المملكة اليمانية استقلالاً تامًا وبالملكية على المملكة اليمانية، ويتراجع الطرفان عن أي حق يدعيه من بلاد الآخر، وأنَّ جلالة الملك عبد العزيز يتنازل بهذه المعاهدة عن أي حق يدعيه من ضمانة حماية أو احتلال أو غيرهما في مدن اليمن ومنها المحافظات التي أدارها الأدارسة (جيزان ونجران وعسير).
3-يتفق الطرفان الساميان المتعاقدان على الطريقة التي تكون بها الصلات والمراجعات بما فيه حفظ مصالح الطرفين وبما لا ضرر فيه على أن لا يكون ما يمنحه أحد الفريقين الساميين المتعاقدين للآخر أقل مما يمنحه لفريق ثالث، ولا يوجب هذا على الطرفين أن يمنح الآخر أكثر مما يقابلـه بمثلـه.
4-خط الحدود الذي يفصل بين بلاد الطرفين الساميين المتعاقدين موضح بالتفصيل، ويعتبر حدًا بين البلاد التي تخضع لكل منهما. يبـدأ خط الحدود بين المملكتين اعتبارًا من ميدي والموسم على ساحل البحر الأحمر إلى جبال تهامة في الجهة الشرقيـة ثم يرجع شمالاً إلى أن ينتهي إلى الحدود الغربية-الشمالية التي بين بني جماعة ومن يقابلهم من جهة الغرب والشمال، ثم يتجه إلى الشرق إلى أن ينتهي إلى ما بين حدود قبيلة وائلة ويام، ويبلغ مضيق مروان وعقبة رفادة حتى ينتهي من جهة الشرق إلى أطراف الحدود بين يام ووائلة وغيرهما. ينتمي إلى اليمن ميدي، حرض، قبيلة الحارث، الميد، جبال الظاهر، شدا، الضيعة، العبادل، جبال رازح، مينا، عرو آل الشيخ، جبال بني جماعة، سحار الشام، نقعة، وائلة، وغيرها من المناطق من جهة اليمين. وتنضم جهة اليسار إلى السعودية.
5-يتعهد الطرفان الساميان المتعاقدان بعدم إحداث بناء محصن على مسافة خمسة كيلومتر على جانبي الحدود في مختلف المواقع والجهات لدوام السلم والطمأنينة والسكون واضمحلال الأمور التي تشوش الأفكار بين المملكتين (نقضت السعودية البند بتشييد سياج على حدودها مع اليمن).
6-يتعهد الطرفان الساميان المتعاقدان بسحب جنده فورًا من البلاد التي أصبحت بموجب هذه المعاهدة تابعة للطرف الآخر مع صون الأهلين والجند من الأضرار (نقضت السعودية البند باعتدائها على اليمن عام 1962 و2009 و2015، مما يلغي اتفاق الطائف بين البلدين).
7-يتعهد الطرفان الساميان المتعاقدان بمنع أهالي مملكته من الضرر والاعتداء على أهالي المملكة الأخرى في شتى المجالات، ومنع الغزو بين أهل البوادي من الطرفين ويرد ما ثبت أخذه بالتحقيق الشرعي بعد إبرام المعاهدة، وضمان ما تلف، وما يلزم بالشرع فيما وقع من جناية قتل أو جرح، وبالعقوبة الحاسمة على من ثبت منهم العدوان ويظل العمل بهذه المادة ساريًا إلى أن يوقع الطرفان اتفاق آخر عن أنماط التحقيق وتقدير الضرر والخسائر (نقضت السعودية البند).
8-يتعهد الطرفان الساميان المتعاقدان بعدم اللجوء إلى القوة العسكرية لحل الخلافات والعمل قدر المستطاع لإزالة ما ينشأ بينهما من اختلاف سواء كان سببه المعاهدة أو تفسير جميع أو بعض موادها أو نشأ من سبب آخر بالمراجعات الوديـة، وفي حالة عدم الانسجام بهذه الطريقة يتعهد الطرفان باللجوء إلى التحكيم الذي سُتوضح شروطه وكيفية طلبه وحصوله في ملحق مرفق بهذه المعاهدة الذي يتسم بنفوذ المعاهدة، ويعد جزءًا منها.
9-يتعهد الطرفان الساميان المتعاقدان بمنع الوسائل المادية والمعنوية التي تساهم في استعمال بلاده قاعدة ومركز لعمل عدواني أو شروع فيه أو استعداد له ضد الطرف الآخر، ويتعهد باتخاذ التدابير الآتية بعد استلام طلب خطي من حكومة الطرف الآخر، ألا وهي:
أ-إن كان الساعي في عمل الفساد من مواطني الحكومة المطلوب منها اتخاذ التدابير، فبعد التحقيق الشرعي وثبوت ذلك، يردع فورًا من حكومته.
ب-وإن كان الساعي في عمل الفساد من مواطني الحكومة الطالبة باتخاذ التدابير؛ فإنه يُلقى القبض عليه فورًا من الحكومة المطلوب منها ويسلم إلى حكومته، وليس للحكومة المطلوب منها التسليم عذر عن إنفاذ الطلب واتخاذ كافة الإجراءات لمنع فرار الشخص أو تمكينه من الهرب، وفي الأحوال التي يتمكن فيها الشخص من المغادرة، فإن الحكومة التي فر من أراضيها تتعهد بعدم السماح له بالعودة إلى أراضيها، وإن تمكن من العودة إليها يلقى عليه القبض ويسلم إلى حكومته. وإن كان الساعي في عمل الفساد من مواطني حكومة ثالثة فإن الحكومة المطلوب منها التي يوجد الشخص على أراضيها تفرض المغادرة على المتهم ويمنع من العودة إليها في المستقبل (نقضت السعودية البند بإيواء أشخاص يعتدون ويحرضون على مهاجمة اليمن وفي مقدمتهم حكومة هادي وشلته المصونة!! وبحمايتها لهم واتخاذهم ذريعة لشن غارات والعدوان على اليمن).
10-يتعهد الطرفان الساميان المتعاقدان بعدم قبول من يفر عن طاعة دولته كبيرًا كان أم صغيرًا، موظفًا كان أم غير موظف، فردًا كان أم جماعة، ويتخذ الطرفان الساميان كافة التدابير الفعالة من إدارية وعسكرية وغيرها لمنع دخول هؤلاء الفارين إلى حدود بــلاده، وإن تمكن أحدهم أو جميعهم من اجتياز الحدود فيكون عليه واجب نزع السلاح من الهارب وإلقاء القبض عليه وتسليمه إلى حكومة بلاده، وفي حالة عدم إمكان القبض عليه تتخذ كافة التدابير والوسائل لمغادرته إلى موطن الحكومة التي يتبعها.
11-يقر الطرفان الساميان المتعاقدان بأن سكان الجهات الصائرة إلى الطرف الآخر بموجب المعاهدة من مواطنيه، ومعاملة مواطني الطرفين في بلاد الآخر بمقتضى الأحكام الشرعية.
12-يتعهد الطرفان الساميان المتعاقدان بإعلان العفو الشامل عن كافة الإجرام والأعمال العدائية التي ارتكبها فرد أو مجموعة من مواطني الطرف الآخر المقيمين في بلاده، والعفو عن المواطنين الذين انحازوا أو انضموا إلى البلد الآخر والتغاضي عن الأموال التي حازوا عليها منذ مغادرتهم إلى البلد الآخر وحظر الإيذاء والتضييق الناجم عن الانحياز. ينبغي مراجعة الطرف الآخر إذا ارتاب أحدهما بحدوث مخالفات، وينوب عنه مفوض إن تعذر الحضور لإصلاح ذات البين والوفاء بحقوق الطرفين، وتنفيذ قرارات المفوضين (نقضت السعودية البند باعتقال يمانيين انتقدوا حرب اليمن الثالثة عام 2015، وطردتهم من البلاد بعد التجسس على اتصالاتهم).
13-يتعهد الطرفان الساميان المتعاقدان برد وتسليم ممتلكات المواطنين المعفي عنهم إليهم أو إلى ورثتهم عند رجوعهم إلى وطنهم، ويتعهد الطرفان الساميان بعدم سلب حقوق وممتلكات مواطني الطرف الآخر أو عرقلة استثماراتهم (نقضت السعودية البند بمنع اليمانيين من الاستثمار وشراء ممتلكات إلا أن تكون باسم الكفيل!!).
14-يتعهد الطرفان الساميان المتعاقدان بعدم التعاون مع طرف ثالث سواء كان فردًا، أو مجموعة، هيئة أو حكومة، والاتفاق معها للإضرار بمصلحة الطرف الآخر (نقضت السعودية البند بالتدخل في شؤون اليمن وزعم حماية شرعية واهية لتدمير اليمن).
15-يعلن الطرفان الساميان المتعاقدان اللذان تجمعهما روابط الأخوة الإسلامية والقومية العربية أن أمتيهما أمة واحدة وأنهما لا يريدان بأحد شرًا ويعملان لارتقاء شؤون أمتيهما في ظل الطمأنينة والسكون، والاجتهاد لمنفعة بلديهما غير قاصدين بذلك العدوان على أية أمة!!
16-في حالة الاعتداء الخارجي على بلاد الطرفين الساميين يتحتم على الطرف الآخر تطبيق الآتي: أ-الحياد التام سرًا وجهرًا، ب-المعاونة الأدبية والمعنوية الممكنة، وج-التعاون لضمان أمن بلاد الطرف الآخر ومنع الضرر عنها، والتزام الموقف الذي لا يمكن تأويله بأنه تعضيد للمعتدي الخارجي (بالطبع نقضت السعودية البند بالاعتداء والغارات الجوية المكثفة على اليمن).
17-يتعهد الطرفان الساميان المتعاقدان في حالة انبثاق اعتداءات داخلية في بلاد الآخر بالآتي: أ-اتخاذ التدابير اللازمة لعدم تمكين المعتدين أو المتمردين. ب- تسليم الهاربين، وج-حظر تعاون المواطنين مع المعتدين أو تمويلهم.
18-يعلن الطرفان الساميان المتعاقدان عن تيسير المواصلات والاتصالات بين بلديهما وتبادل البضائع الزراعية والتجارية، والتفاوض على عقد اتفاق جمركي يصون مصالح بلديهما الاقتصادية وتوحيد الرسوم الجمركية، بدون تقييد حرية الطرف الآخر.
19-يعلن الطرفان الساميان المتعاقدان عن إتاحة المجال للمفوضين في الخارج بالعمل بالنيابة عن الطرف الآخر متى أراد البلدان ذلك في مختلف المجالات والأزمنة، لتوحيد خطتهما التي تثري منافع البلدين اللذين يشكلان كتلة واحدة!!! ولا تقيد هذه المادة حرية الجانب الآخر.
20-تبرم المعاهدة بعد موافقة حضرة صاحبي الجلالة في أقرب مدة ممكنة لمصلحة الطرفين في ذلك وتصبح نافذة المفعول من تاريخ تبادل وثائقها لمدة عشرين سنة قمرية!!! ويمكن تجديدها أو تغيير بنودها خلال الستة أشهر التي تسبق تاريخ إنهائها، وإن لم تجدد أو تغير في غضون ذلك، تظل نافذة لمدة ستة أشهر فقط من إعلان أحد الطرفين المتعاقدين رغبته في تغييرها أو إلغائها.
21-تسمى هذه المعاهدة باتفاق “الطائف”، وقد حررت باللغة العربية الشريفة بموافقة الطرفين الساميين المتعاقدين. وأمضى المفوضان عليها، وكتبت في مدينة جدة يوم 6 صفر 1353هـ. وتنتهي الحرب بهذه المعاهدة، لإخلاء نجران من القوات اليمانية، وانسحاب القوات السعودية من منطقة تهامة، وتسليم الأدارسة إلى السلطات السعودية لنقلهم إلى مكة المكرمة. والله ولي التوفيق وبه الاستعانة وعليه التكلان!! أدى النقض السعودي لبنود اتفاق الطائف إلى حرص اليمانيين على إلغائه واستعادة أراضيهم.

نشبت الحرب الثانية بين اليمن والسعودية في الفترة 1962-1970. وحفزت خصوبة اليمن وجمال طبيعتها الخلابة الرومان حتى أسبغوا عليها لقب “العربية السعيدة”. تأثر مصير الجزيرة العربية ببريطانيا التي استعمرت مدينة عدن الساحلية في عام 1937، لتكون مركزًا لمستعمراتها، مما نتج عنه انفصال شمال اليمن عن جنوبه. ومارست بريطانيا نفوذها على حكام مسقط وسلطنة عمان; دعمت النظام الملكي الوراثي والإمامة في شمال اليمن للهيمنة على جنوبه؛ وأقرت بشرعية حكم آل سعود فيما أصبح يسمى بالسعودية نسبةً إلى أسرة آل سعود، بالتعاون مع الولايات المتحدة. تولى عبدالملك الحوثي (من مواليد عام 1979) قيادة حركة أنصار الله، المعروفة بجماعة الحوثي بعد مقتل شقيقه حسين بدر الدين الحوثي (1959-2004) في حروب الميليشيا الستة ضد الحكومة منذ عام 2004. وحارب أسلاف الحوثيين القوات المصرية التي بعثها جمال عبد الناصر، رئيس مصر آنذاك، في فترة الستينيات 1960. يكمن سر أولئك المتمردون في دعمهم الذي يتجاوز النطاق المحلي على غرار الحوثيين اليوم الذين يدينون بنجاحهم العسكري لتعاون القوى الخارجية المتأهبة لإمدادهم بالعتاد والخبرة وتفعيل القتال، ولا ضير في ذلك لأن جميع الدول تتحالف مع قوى خارجية، لاسيما تحالف السعودية الذي استعان بـ17 دولة، وبما أن الرياض وحكومة “الشرعية” المزيفة تتهم حكومة صنعاء التي لا تتكون من الحوثيين فحسب كما يدعي تحالف السعودية، إنما أيضًا من أحزاب ناصرية وسلفية واشتراكية ومؤتمرية، بتجنيد أطفال، فيحق لأهل اليمن أن يفتخروا بأطفالهم الذين هزموا 17 جيش مدعوم بأحدث التقنيات والعتاد العسكري من واشنطن ومنظمة الأمم المتحدة!!! نال الحوثيون دعم إيران ودمشق وحزب الله اللبناني ومكونات شيعية عراقية. بينما قاتل الثائرون الجمهوريون ضد الملك يحي حميد الدين بين عام 1962 و1970، السعودية وبريطانيا والأردن وكيان الاحتلال الإسرائيلي الذي شارك من وراء الكواليس. بدأت الحرب بانقلاب الجمهوريين الذين تعلموا في جامعات القاهرة عام 1962، للإطاحة بالملك محمد البدر وتأسيس جمهورية عربية بعد إنشاء جمهورية مصر وسوريا المتحدة التي انضمت إليهما اليمن بعد ذلك. وتدرب ضباط الانقلاب في مصر، بمساندة حكومة الناصر. كان محمد البدر من الشيعة الزيديين (كما ينتمي علي صالح إلى الزيديين ولم تنفر السعودية من التعاون معه لمدة 33 عام!!!)، واستمد دعمه من هذه المجموعة الدينية. حشد البدر الأنصار في غضون أسابيع من الانقلاب بين قبائل البلاد. وشن هجمات كر وفر من حصونه الجبلية على قوات الحكومة الحديثة والقوات المصرية في أكتوبر 1962. تضخمت قوات البدر وثقتها بإعادة الحكم الملكي بعد مؤازرة السعودية. واستقرت في المنفى داخل الأراضي السعودية منذ عام 1964، على غرار حكومة هادي. وتدفقت إليها الأسلحة والأموال، كما أرسلت الرياض قواتها لتدريب ميليشيا البدر. انجرفت مصر إلى النزاع بعد التدخل السعودي. ونما دعم القاهرة الذي بدأ بالقوات الخاصة والمستشارين عام 1965، ليشمل إرسال 60000 جندي مصري. تمحور اهتمام مصر بالقوات الجوية لاستهداف القرى الممتدة على الحدود السعودية-اليمانية التي أنشئت فيها قواعد البدر. وخاضت القوات المصرية على الأرض وبين القرى حربًا دموية لمكافحة التمرد، وتصدت له بقسوة وتسوية محدودة مع التقاليد والزعماء المحليين. وصم صحافيون اليمن بـ”فيتنام مصر”، وذاع النعت في أوساط العسكريين المصريين. غير أن اليمن فيتنام الإثيوبيين أيضًا، تركيا، إيران، البرتغال، بريطانيا، والسعودية في الماضي والحاضر، وأي دولة تحاول احتلالها والسيطرة على أراضيها. أقر الناصر بأن اليمن فيتام مصر عام 1967، في محادثة مع السفير الأميركي. وأوضح لاحقًا: “لقد بعثت كتيبة عسكرية إلى اليمن وانتهى الأمر بإرسال 70000 جندي”. أثبت اليمن أنه مستنقع لم تستطع مصر الخروج منه إلا بمقتل الآلاف من جنودها. وهاجمت بريطانيا قناة السويس عام 1956، أثناء دعم الاتحاد السوفييتي للناصر. خشيت بريطانيا من جمهورية عربية ناصرية بجوار مستعمرتها في عدن وحليفتها السعودية. ولم ترغب بالمشاركة في الحرب جهرًا.

نسقت زمرة من قدامى المحاربين في القوات الخاصة، ومن بينهم مؤسس القوات الجوية الخاصة (SAS)، ديفيد ستيرلينغ، ووزراء محافظين على نمط جوليان أمري، التدخل العسكري البريطاني في اليمن. وسارت الأمور تحت الرادار. نظمت الزمرة العمليات الإجرامية بتكتيكات الحرب العالمية الثانية ومساهمة العقيد توماس لورانس في الثورة العربية عام 1916-1918. وجلبت الأموال السعودية مرتزقة من بلجيكا وفرنسا بتأثير البريطانيين. أكد جوني كوبر، العقيد في قوات ساس، أثناء لقاء تلفزيوني مع هيئة الإذاعة البريطانية BBC في نهاية القرن العشرين، أن مجندين محترفين هاجموا القوات المصرية بإمكانيات واعتبارات خاصة في عملية دولية، وأضاف: “أدى إمداد قوات البدر وتدريبها، وتلغيم الطرق التي يمر بها المصريون، والتربص بهم بإعداد الكمائن والتفجيرات، إلى سخط عام…ناهيك عن تقييد حركة المصريين بقذائف الهاون ورشق قوافلهم بالرصاص”. ارتأى برنارد ميلز، الرائد في قوات ساس، أثناء لقاء صحافي متزامن، أن الحرب استقطبت قدامى المحاربين الذين اعتقدوا أن بإمكانهم قيادة القوات الملكية اليمانية إلا أنها كانت مهمة عسيرة، وتمكنوا من إنجاز تقدم مضاد للجمهوريين والمصريين. تضمنت أسباب ارتفاع نسبة الضحايا المصريين سلسلة الكمائن التي أعدتها القوات اليمانية غير النظامية لمهاجمة القوات المصرية المتحصنة بالجبال. وزادت مصر بعد ذلك عدد القوات المستقرة في المدن. انقلب الضباط بعد أسبوع من ارتقاء البدر عرش المملكة، وورث حكم والده يحيى الذي ترأس مملكة إقطاعية يعمل 80% من سكانها في مجال الزراعة، وسيطر عليها بالرشاوى وسياسة فرق تسد. قاد الانقلاب العقيد عبد الله السلال ومجموعة قومية عربية موالية للناصر في الجيش التي أعلنت تأسيس الجمهورية العربية اليمانية. واختبأت القوات الملكية الداعمة للإمام في التلال لشن تمرد بدعم من السعودية والأردن ضد النظام الجمهوري الحديث، بينما حشدت مصر قواتها في شمال اليمن لمساندة الجمهورية. هرعت بريطانيا إلى التدخل العسكري السري لتقويض النظام الجمهوري بالتحالف مع السعوديين والأردنيين. ووثقت الملفات التي ألغيت عنها السرية في السنوات الماضية أن المسؤولين البريطانيين أدركوا أنهم يدعمون الجانب الخطأ. وأورد كريستوفر غاندي، القائد البريطاني في مدينة تعز، بعد فترة وجيزة من الثورة أن حكم الإمامة بات مكروهًا لدى الشعب. وساهم احتكار السلطة في البغض الذي استغلته الحكومة الجمهورية بانتقاء أفراد من طبقات وطوائف كانت مهملة في عهد الإمامة ومقصية أثناء توزيع مسؤوليات الإدارة. وصف غاندي حكم الإمام بالاستبداد التعسفي، في حين تعاون الجمهوريون في الحكومة الجديدة، وكانوا أكثر انفتاحًا للتواصل والإنصات إلى المبررات المنطقية. أوصى غاندي بالاعتراف بالحكومة الحديثة لاهتمامها بتأسيس علاقات ودية مع بريطانيا ولأنه أنجع طريقة لتقليص النفوذ المصري. ورفض السياسيون في لندن والمسؤولون في عدن المستعمرة اقتراحه. اعتقد غاندي أن الملكيين لن يتمكنوا من استعادة الهيمنة إلا بالمشاركة الشعبية، مما يحرج البريطانيين في عدن ومحمياتها الجنوبية، حيث دعمت بريطانيا عناصر إقطاعية مماثلة لحكم الإمام ضد رغبة الشعب والوجدان القومي. دشنت الحملة البريطانية السرية في اليمن على قدم وساق، وألمح مسؤول في مكتب رئيس الوزراء إلى أن الرئيس المصري الناصر: “يستطيع الهيمنة على القوى الديناميكية الحديثة، في حين اخترنا دعم الملكيين الرجعيين والمراوغين، والخونة الذين لا يمكن الاعتماد عليهم”. كما وصم رئيس الوزراء هارولد ماكميلان الملكيين بقيادة البدر بأنهم: “مبغوضون في مجال المساواة السياسية والحصافة، ويجب مؤازرة الأنظمة الاستبدادية والتصدي لنمو أشكال حكومية حديثة وديموقراطية في المنطقة”. أقر وزير الخارجية آنذاك، دوغلاس هوم، بأن: “اهتمام الجمهوريين بالمواطن البسيط يطغى على حكم الأئمة، مما يسبب لنا قدرًا هائلاً من المتاعب والاضطرابات”. واختار البريطانيون مسؤولين منحازين إلى الديموقراطية لمواجهة استعمارهم المكروه من سكان جنوب اليمن، وحريصون على حماية المصالح البريطانية والسياسة الإمبريالية. كانت القضية الأولى المؤرقة للبريطانيين إدامة قاعدتهم العسكرية في عدن مثلما يهتم الإماراتيون اليوم بإبقاء ميناء عدن معطلاً إلى الأبد. واعتبرت عدن حجر الزاوية للسياسة العسكرية البريطانية في منطقة الخليج، حيث كانت بريطانيا آنذاك “قوة عظمى”، وتسيطر على مشيخات الخليج العربي ولها مصالح نفطية ضخمة في الكويت وأماكن مغايرة. ارتأت لندن أن عدن “محميتها” ضمن بقية المحميات والسلطنات في جنوب اليمن التي ترأسها إقطاعيون مستبدون، وكانوا يستلمون رشاوى من البريطانيين لقمع السكان وإخماد محاولات التحرر من الاستعمار الذي دام نحو 129 عام بفضل هؤلاء العملاء. فزعت لندن أيضًا من أن يكون اليمن التقدمي الجمهوري القومي العربي بمثابة نموذج لسكان المشيخات الإقطاعية في أنحاء الخليج والشرق الأوسط وعدن. وأفاد وزير الخارجية دوغلاس هوم بعد فترة وجيزة من الانقلاب الجمهوري بأن عدن لن تظل في مأمن من “نظام جمهوري راسخ”. توصل اجتماع وزاري بريطاني إلى نتيجة مماثلة، واعتقد الوزراء أن إجبار بريطانيا على الخروج من عدن “صفعة مدمرة لهيبتنا وسلطتنا” في المنطقة. ويفضي الاعتراف بالنظام الجمهوري إلى “انهيار معنويات سلاطين المحميات الموالين لبريطانيا”، مما يعرض “الهيمنة البريطانية لمخاطر جمة”. أوضح كينيدي تريفاسكيس، المندوب السامي في عدن، أن الجمهوريين “قد ينالون الدعم من سكان عدن وبقية المحميات حيث ترتفع نسبة تأييدهم”. وقد يحث النظام الجمهوري “أصدقائنا الموالين في محميات الجنوب على الانشقاق والتحالف مع حكومته”. أردف كينيدي بأن: “حكومة الشمال تجذب الكثيرين”. وشاركت السعودية التي يعود نظامها إلى العصور الوسطى في حربها الثانية، رغم اتفاق الطائف الذي يوجب الإلغاء بعد المشاركة في عدوان ضد اليمن، وتقاسمت مع لندن في المخاوف المتخيلة، حيث خشيت الرياض من انتشار انقلابات القوى القومية العربية التي تطيح بالأنظمة الملكية. اعترف المسؤولون البريطانيون أنه بعد أن بدأ السعوديون بإمداد قوات البدر بالذخيرة العسكرية: “تقلصت مخاوفهم من الحكومة الناشئة في اليمن، بشرط ألا تكون تحت سيطرة مصر”، الذي تعهد رئيسها برمي الإسرائيليين، حلفاء البريطانيين، في البحر الذي مهد لهم السبيل من أوروبا إلى فلسطين. تصاعد التهديد في أذهان السعوديين والبريطانيين بتعاون الناصر والرئيس الجمهوري عبدالله السلال بتقديم الدعم الدبلوماسي والمادي للقوات الجمهورية المناهضة للاستعمار البريطاني في عدن وبقية مدن جنوب اليمن، وتنظيم حملة عامة لحث البريطانيين على الانسحاب من مستعمراتها. وجاء التعاون بين مصر واليمن في أعقاب تآمر لندن من عدن لتقويض نفوذ الحكومة الجديدة. أورد كينيدي أن سيطرة اليمانيين على عدن، سيمنحهم مدينة حديثة شاسعة وميناء له أهمية دولية لأول مرة!! والأهم من ذلك: “سيوفر من الناحية الاقتصادية أعظم المزايا لبلد فقير وغير متطور!!!”. ازدحمت الأسباب التي حرضت بريطانيا على تنظيم حملة إعلامية لوصم الجمهوريين بأنهم “مخادعون” و”خونة” و”مستبدون” وتقويض سماتهم الشائعة التي تتضمن شعبيتهم وديموقراطيتهم لضمان زوال تهديهم. ونظموا الحملة رغم إدراكهم لصعوبة عودة الملكيين، ولإثارة المتاعب والفوضى في مناطق هيمنة الجمهوريين والمصريين التي تستوعب أغلبية السكان والمراكز المدنية. اعتبر البريطانيون أن اليمانيين لا ينتمون إلى البشرية، المصطلح الذائع في الاستراتيجية البريطانية وأداتها التي سرد المؤرخ مارك كارتس انتهاكات لندن بمقتضاها في كتابه Unpeople : Britain’s Secret Human Rights Abuses، على غرار استغلال أكراد العراق للضغط على حكومة بغداد والعقيد المنشق في إندونيسيا الذي دعمته بريطانيا سرًا في الخمسينيات 1950، لزعزعة استقرار حكومة جاكرتا. تقر الملفات والوثائق التي ألغيت عنها السرية بتواطؤ لندن. وسجل هارولد ماكميلان في فبراير 1963، أن: “الانتصار الجمهوري حتمي على المدى البعيد”. لكنه قال للرئيس الأميركي جون كينيدي: “أدرك أن الموالين لن ينتصروا في اليمن، لكن من الملائم أن تنهمك الحكومة الجمهورية بعد إنهاء الحرب بشؤونها الداخلية في غضون السنوات القادمة”. ومن ثم، أرادت بريطانيا: “حكومة واهنة غير قادرة على إدارة الأزمات”. وأوردت أيضًا مذكرة موجهة إلى رئيس الوزراء : “تتفق الوزارات على تجميد الأوضاع في اليمن، وانغماس الجمهوريين والملكيين في قتال بعضهم البعض، حتى لا يتبقى لديهم وقت أو طاقة لتأجيج الاضطرابات في عدن، مما يؤدي إلى حماية مصالحنا”. وأشار مستشار السياسة الخارجية لرئيس الوزراء، فيليب دو زولويتا، إلى أن: “مصلحتنا تكمن في صناعة الفوضى القصوى في المناطق القبلية المجاورة لعدن”.

لا يمكننا إحصاء التسلسل الزمني للعمل السري البريطاني في ضوء الحظر البريطاني على أغلبية الوثائق. غير أن كتاب ستيفن دوريل، المختص في المخابرات البريطانية، Mi6: Fifty Years of Special Operations، ساهم في منح ترياق بارع لصمت الأكاديميين السام والصاخب. زار العاهل الأردني الملك حسين لندن بُعيد انقلاب سبتمبر 1962، في اليمن، للقاء وزير الطيران جوليان أمري وتحريض الحكومة البريطانية على رفض الاعتراف بالجمهورية الوليدة. واتفق الطرفان على أن يتجول عميل المخابرات MI6، بيلي ماكلين، النائب في البرلمان عن حزب المحافظين، في المنطقة ويعود بتقرير إلى رئيس الوزراء. اتصل الموساد الإسرائيلي بنائب رئيس MI6 السابق، جورج يونغ، الذي عمل عام 2007، كمصرفي في بنك كلينورت بنسون الاستثماري، للعثور على بريطاني ملائم للسعوديين لشن حرب عصابات ضد الجمهوريين. واختار جورج ماكلين للقاء دان هيرام، الملحق العسكري الإسرائيلي الذي تعهد بتوريد الأسلحة والمال والتدريب، والتقفه السعوديون بلهفة. ذهب الأمير حسن ابن عم البدر، المقيم في نيويورك منذ سنوات، إلى دوغلاس هوم لإيصاله إلى الحدود اليمانية ومحاولة استعادة حكم أسرته. ولم يستطع البريطانيون الجهر بمساعدتهم، إلا أنه ورد في أكتوبر، أن حسن حاز على فيض من الأموال والأسلحة. أعادت بريطانيا التفكير بالتدخل العسكري المباشر عندما دعا رئيس الوزراء ماكميلان رؤساء أركان الجيش إلى “الأخذ باعتبار مواردنا العسكرية التي يجب أن تكون حافزنا فيما إذا تبنينا سياسة علنية”. ولذا، قررت لندن متابعة العمليات السرية بالذريعة التي كتب وزير الخارجية راب بتلر عنها: “إذا حدث الانقلاب قبل جيل، لكان علينا تطبيق أساليب الحدود الشمالية-الغربية التي ربما كانت فعالة، إلا أن ثمة قيود شديدة لسوء الحظ على هذه الأساليب في الوقت الراهن، ولا يمكننا تكرارها!!”. سافر ماكلين إلى المملكة السعودية كزائر شخصي للملك الذي حث بريطانيا على معاضدة الملكيين، وتحديدًا: “بالغارات الجوية!!!…وحبذا لو كان التعاون العلني ممكنًا، أو متواريًا إذا لم تستطع لندن!!!”. ثم زار ماكلين اليمن للقاء الملكيين، بمن فيهم الأمير حسن في مقره، لتقييم الوضع وتسليمه تقرير عن زيارته لوزير الدفاع بيتر ثورنكروفت. تدفقت الأسلحة والأموال السعودية، وأعدت وزارة الخارجية تقرير في نوفمبر لتحديد الاختيارات المتاحة للحكومة التي تشمل الدعم السري. وزار ماكلين اليمن مرة ثانية في ديسمبر، وقوات الإمام البدر التي أبلغته بضرورة الحصول على الأسلحة والذخيرة. التقى ماكلين بوزير الخارجية بعد إيابه إلى لندن، وحضه على تقديم المعونة البريطانية واستجواب مجلس الوزراء لنيل الدعم. كان ماكلين يحمل رسالة من البدر إلى رئيس الوزراء لدعم الملكيين الذين أصيبوا بخذلان وإحباط من ضآلة المساعدات القادمة من بريطانيا. وأفاد المندوب السامي في عدن: “يجب علينا تحديد خطوات لتأمين مواردنا مع الملكيين”. التقى السفير البريطاني في مصر، هارولد بيلي، المستشار الشخصي للرئيس الناصر، محمد حسنين هيكل الذي اتهم بريطانيا بالتورط في حرب اليمن من عدة نواحي، وأهمها إمداد الأردن بطائرات مقاتلة بعد نشوب حرب اليمن التي لم تكن لتنبثق إلا بالدعم الخارجي، ولرضي البدر بالأمر الواقع ورضخ للجمهورية، كما أن حرب هادي على شعبه لم تكن لتحدث إلا بالدعم الخارجي بقيادة السعودية، وإلا لم يستطع تغيير الواقع أو ربما انقلب اليمانيون على انقلاب الحوثيين أو اتفقوا معهم على حكومة وانتخابات بدون غارات جوية سعودية وخليجية. أخبر هيكل هارولد أن ماكلين أشار على الملكيين بالحرب، وزار ملوك السعودية والأردن اللذين يشاركان في حرب اليمن (ساهمت الأردن أيضًا ضمن قوات التحالف عام 2015، وكافأها محمد بن سلمان بتنظيم انقلاب في عمان بالتعاون مع الإمارات وإسرائيل ومستشار الملك عبدالله، باسم عوض، كعقاب سماوي على دماء الأبرياء اليمانيين التي شارك في إراقتها). وأضاف هيكل بأن قائد القوات الجوية الأردنية الذي انشق إلى مصر: “أكد أنه تسلم أوامر من الملك حسين شخصيًا بحضور مستشار جوي بريطاني، لمهاجمة أماكن في اليمن”. اعترض وزير الخارجية دوغلاس هوم في البدء على مساندة الملكيين. وأشارت لجنة الخارجية والدفاع التابعة لمجلس الوزراء في 7 يناير 1963، بعد تقييم تقرير استخبارات ماكلين بعدم الاعتراف بالنظام الجمهوري، وجادلت بأن بريطانيا لا تستطيع تقديم دعم مباشر للملكيين وأن العمليات الهجومية يجب أن تكون على مسافة ذراع. هاجمت القبائل اليمانية المقرات البريطانية في مستعمرات الجنوب، في الوقت الذي هاجمت فيه القوات المصرية الجبال التي يختبئ فيها الملكيين. وحرض وزير المستعمرات دنكان سانديس وجوليان أمري على الانتقام، وانتقى ماكميلان جوليان كوزير له في عدن، ومنحه صلاحيات لتنظيم الدعم البريطاني السري للملكيين، والعمل من مكتبه في وزارة الطيران.

زار ماكلين اليمن للمرة الثالثة في 1 مارس 1963. وسافر بعد ذلك وفد ملكي بريطاني إلى كيان الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين الذي تلا زيارته تنظيم رحلات جوية بطائرات إسرائيلية لا تحمل علامات من جيبوتي لإلقاء الأسلحة على مناطق هيمنة الملكيين. أكدت ملفات شهر مارس أن بريطانيا متورطة في إمداد الملكيين بالسلاح عبر الزعيم القبلي شريف بن حسين في بيحان التي تبعد 200 كيلو متر عن مدينة عتق في محافظة شبوة. واقترح حاكم عدن، تشارلز جونستون، في مطلع مارس كبح إمدادات الأسلحة لمدة أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع لأن الجمهوريين قد يستولون عليها ويميطون اللثام عن الدعم البريطاني. كما وبخ السياسيين في لندن لرفضهم مناشداته المتواترة للحصول على “إمدادات إضافية للملكيين” في نوفمبر وديسمبر وفبراير. وأضاف أنه إذا حاز الملكيون على الإمدادات في وقت مبكر: “لما وصلوا إلى أدنى مستوياتهم في القتال”. طلب ماكلين من وزير الخارجية دعمًا عاجلاً في أبريل 1963، وبادر السعوديون لإرسال كميات محدودة من الأسلحة والذخيرة. بعثت المحطة الجوية الملكية البريطانية في ويلتشير أسلحة خفيفة الوزن و50000 بندقية، بقيمة مليون جنيه إلى الأردن لنقلها إلى بيحان حتى لا يكتشف الجمهوريون منبعها وعلامتها التجارية. واستعاد الملكيون بعض أراضيهم المفقودة في نهاية ذلك الشهر. عقد رئيس المخابرات MI6 في أبريل 1963، دك وايت، اجتماع مع ماكلين، مؤسس ساس ديفيد ستيرلينغ، ضابط ساس السابق بريان فرانكس، دوغلاس هوم، وجوليان أمري. وأخبر ستيرلينغ وفرانكس بأنه لا يمكن تدخل ساس رسميًا، وينبغي عليهما ترشيح امرؤُ يمكنه جلب مرتزقة، على غرار محمد دحلان، مستشار محمد بن زائد، الذي جلب مرتزقة من مختلف الدول إلى عدن لتنفيذ اغتيالات ضد المعارضين للوجود الإماراتي. اتصل ستيرلنيغ وفرانكس بجيم جونسون، قائد كتيبة ساس رقم 21، والعقيد جون وودهاوس، قائد كتيبة ساس رقم 22. وقدم جوليان ماكلين وجونسون وستيرلنغ إلى وزير خارجية الملكيين، أحمد الشامي الذي حدد شيكًا للعملية بقيمة 5000 جنيه. نفذت ساس عملياتها بشركة Stirling’s Television Enterprises الدولية، التي أسست شركة واجهة لتغطية العمليات السرية بعنوان Rally Films. ومول الأمير السعودي سلطان بن عبدالعزيز المشروع بسبائك ذهبية. جندت الشركة مرتزقة فرنسيين إلى جانب متطوعي ساس الذين منحوا إجازة مؤقتة لتنفيذ مهام ساس. واتخذ مكتب الضابط الإداري لمتطوعي ساس الواحد والعشرين كمنصة لحشد المرتزقة البريطانيين الذين حصلوا على 150 جنيه شهريًا من وزارة الخارجية ووزارة الدفاع. طور توني بويل، المرافق العسكري لحاكم عدن، خطة لتدفق المرتزقة عبر الجمارك، بينما نظم شريف حسين شبكة من البيوت الآمنة في بيحان لتدشين وتنسيق الهجمات ضد قوات الجمهوريين والمصريين. وانتدب ضباط إلى أركان الجيش الاستعماري في جنوب اليمن بالتزامن مع ازدحام حركة المرور. أثارت هجمات اليمن نقاش حاد في مقر الوزارات البريطانية (الوايتهول)، واقتنع رئيس الوزراء بدعم العملية وتكليف المخابرات MI6 بمساندة الملكيين. تشكل طاقم MI6 لتنسيق وتوريد الأسلحة والمرتزقة بإدارة جون سيلفا، الرئيس السابق لمحطة MI6 في البحرين. واستبدل ماكميلان بعد استقالته في أكتوبر، بدوغلاس هوم لتولي رئاسة الوزراء، الأمر الذي جمد العمليات مؤقتًا بعد أن اعترض وزير الخارجية، راب بتلر، على الدعم السري للملكيين. أورد رئيس الوزراء الجديد أن مصر عانت حتى ديسمبر 1963، من مقتل 10000-12000 جندي في اليمن. واستمرت الهجمات البريطانية التي شارك ضابط ساس، جوني كوبر، في أنشطتها الاستخباراتية ضد القوات المصرية وتدريب الملكيين. تهيأ كوبر في فبراير 1964، لإلقاء الإمدادات جوًا على مناطق هيمنة الملكيين في العملية التي يرمز إليها بـMANGO، بدعم المخابرات البريطانية MI6 والأميركية CIA. وألقيت الأسلحة والذخيرة بالمظلات في مناطق الهبوط التي يديرها فريق كوبر الذي أصدر تعليماته لطائرات الداخل بالراديو. سجل بتلر في مذكرة إلى رئيس الوزراء في مارس 1964، “أن المصريين واليمانيين تأكدوا من وصول إمدادات الملكيين عبر منطقة بيحان الجنوبية الوارد ذكرها في التقرير الأخير لمجلس الأمن، ولم نتمكن من الإجابة على سؤالهم لأننا نعلم أن معلوماتهم صائبة وواقعية”.

ألمح بتلر إلى التمييز بين دعم الملكيين في اليمن الذي ارتأى ألا تساهم لندن في مؤازرتهم، ومساندة الجمهوريين لأنشطة المقاومة في الجنوب المستعمر. ووافق على دعوة المندوب السامي في عدن: “لتنفيذ عمليات انتقائية وانتقامية لا يمكن نسبتها إلى دولة أو منظمة في شمال اليمن ومكافحة عمليات الجمهوريين في الجنوب”. نادى وزير الدفاع ثورنكروفت إلى تنظيم “ثورات قبلية في شمال اليمن، وهجمات يمكن إنكارها لتدمير مراكز الاستخبارات وقتل الأفراد المشاركين في مقاومة بريطانيا التي تشمل مقر المخابرات المصرية في تعز، وحماية الأنشطة الدعائية ضد المصريين”. كما دعا إلى: “مضاعفة المعونة الملكية إما بالمال أو السلاح أو الاثنين معًا”. ومنح البريطانيون الضوء الأخضر لمرتزقتهم وعملائهم الجنوبيين في أبريل 1964، لزرع الألغام ضمن عملية “قشر البيض”، وتوزيع الأسلحة والذخيرة على أبناء القبائل في المنطقة المجاورة لشمال اليمن في عملية “الطوق”، وتخريب منشآتها في عملية “السوار”. تبين الوثائق أن لندن أجازت خطة “التحريض على تمرد في منطقة البيضاء” في شهر يوليو. وخصصت 300000 جنيه لتمويل الفوضى، لكن التمرد لم يندلع في يوليو نتيجة للمقاومة المصرية المضادة. وتحدثت مذكرة وزارة الدفاع عن تنفيذ: “هجمات تخريب في الشمال ضد أفراد بإدارة ضباط بريطانيين في الجنوب”. تمكن هؤلاء الضباط من: “توزيع الأسلحة والأموال بالتقسيط حسب الأوضاع المحلية وبما يتناسب مع الإنجازات!!!”. كانت عملية Rancor الكلمة المُشَفَّرَة للهجوم على القبائل المنشقة إلى مسافة 20 ميل في الشمال لتحييد العمليات المصرية ضد عدن”. وتخطت الوثيقة الاستثنائية في الملفات الحكومية مناقشة الاختيارات المتاحة لبريطانيا بعنوان “اليمن: مسارات العمل الممكنة”، التي تبيح الاغتيال والتصدي للمشاركين في عمليات هجومية مناوئة للمحميات المستعمرة الجنوبية، وتحديدًا ضباط المخابرات المصرية”، وتنفيذ حرب عصابات في المنطقة الجنوبية المجاورة لشمال اليمن بإمدادات الأسلحة والأموال والهدم الممتد إلى صنعاء. تحث الوثيقة على غض الطرف عن إمدادات الأسلحة السعودية للملكيين، إنشاء كتائب سوداء في مناطق هيمنة الجمهوريين، وبث إذاعي أسود من جنوب البلاد لتشويه صورة الجمهوريين في أذهان المواطنين. وأرسل وزير الخارجية بتلر الوثيقة إلى رئيس الوزراء، وأضاف إلى محتواها: “تنطوي بعض الاختيارات على مخاطر سياسية أكثر من غيرها، وقد يؤدي اغتيال ضباط المخابرات المصرية إلى اكتشاف إمدادات الملكيين والانتقام منها”. اعترض رئيس الوزراء دوغلاس هوم في اجتماع خاص على جدل نواب البرلمان يوم 14 مايو 1964، زاعمًا أن: “سياستنا تجاه اليمن ترفض التدخل في شؤونها!!! ولا تتضمن إمداد الملوك بالأسلحة”. أوصى ثورنكروفت في يوليو بأنه ينبغي على بريطانيا والسعودية: “حماية الملكيين في غضون الأشهر القادمة بتوفير الأسلحة والأموال للقبائل الملكية”. واقترض السعوديون وقتئذ من بريطانيا مليوني جنيه على مدار عام، وخصصوا ربعها لإمدادات الأسلحة. تشير الملفات أيضًا إلى ضرورة اتخاذ قرار بريطاني بشأن الموافقة على: “توريد البنادق إلى قبيلتين لشن هجمات في مدن الشمال. وطرح شريف حسين في بيحان والملكيين خطة على البريطانيين لتوريد 11000 بندقية و600000 جنيه. تأمل النتيجة فيما إذا أنفقت هذه الأموال على تشييد مؤسسات الجمهورية الناشئة. اتخذ الوزراء في يوليو قرار “الإجراءات الإضافية” لدعم الملكيين التي تشمل تمهيد الطريق وإلغاء القيود عن السعوديين لتأمين الأسلحة من بريطانيا. والتقى السفير البريطاني لدى السعودية بالملك فيصل، وأبلغه باستعداد بريطانيا لتوريد الأسلحة إلى السعودية وإرسالها بعد ذلك إلى اليمن، بذريعة أن لندن لا تستطيع تقديم العون المباشر إلى الملكيين. جابه رئيس الوزراء دوغلاس هوم عام 1964، معارضة من وزير خارجيته لتوجيه إمدادات الملكيين، بينما دافع وزير الدفاع وآخرون عنها. ونال دك وايت، رئيس MI6، موافقة رئيس الوزراء على أنشطة المرتزقة السرية، ومساندة الملكيين عام 1964.

استعان البريطانيون بـ48 جندي سابق كمرتزقة عام 1964، والعشرات من ضباط ساس السابقين. وأتاح ضباط MI6 دعم مخابراتي ولوجستي، في حين حددت مخابرات GCHQ البريطانية مواقع تمركز الجمهوريين. ونسق عملاء MI6 مرور أبناء القبائل المتحالفين معهم من الجنوب إلى الشمال لمطاردة ضباط الجيش المصري. تلاعب ضباط MI6 بالقبائل في حرب قذرة، وأداروا عمليات غرس القنابل في المواقع العسكرية المصرية بجوار المدن الجنوبية، ورشقها بالرصاص لقتل الشخصيات السياسية. بعث المرتزق العقيد مايكل ويب برسالة في أوغست 1964، إلى جوليان أمري. وأورد أنه قاتل مع قوات الإمام لمدة أسابيع وتدثر بغطاء “الصحافي المستقل”. أمد السفارة البريطانية بمعلومات عن تحركاته والبيانات التي راكمها. وأوصت مذكرة إلى رئيس الوزراء في الشهر التالي بتوريد صاروخ البازوكا والذخيرة لـ”شريف” أو بالأحرى عميل بيحان “لإمداد منشقين في تعز”. اجتمع ستيرلنيغ وبويل ووزير خارجية الملكيين، أحمد الشامي، في عدن حيث انضم إليهم ضابط من مخابرات MI6 ووضعوا خطة إمدادات منتظمة للقوات الملكية إما جوًا بالمظلات أو برًا عبر الحدود السعودية وبيحان، أو بالموانئ اليمانية. لم ينتج عن انتخاب حكومة من حزب العمال برئاسة هارولد ويلسون في أكتوبر 1964، انزعاج من العملية السرية. وقصفت قوات RAF الشمال ردًا على الهجمات المصرية ضد قوافل الإبل التي أمدت المرتزقة الفرنسيين والبريطانيين بالأسلحة. وافقت بريطانيا على عقد بقيمة 26 مليون جنيه مع شركة Airwork كجزء من صفقة أسلحة مع السعودية، لتدريب الطيارين السعوديين وقوات المرتزقة. وجندت الشركة طيارين سابقين في القوات الملكية البريطانية كمرتزقة لتنفيذ عمليات جوية مضادة للمصريين والجمهوريين في الشمال. استأجرت مخابرات MI6 عام 1965، طائرات بطيارين كتومين ونالت موافقة الإسرائيليين لتنفيذ عمليات تصعيد من أماكن سيطرتهم في فلسطين حتى عام 1967. ولذا، يهتف الحوثيون بشعار “الموت لإسرائيل”، وينتجون أفلام وثائقية عن جواسيس الموساد في اليمن. أفادت مذكرة وزارة الخارجية في مارس 1967، بأن: “الطيارين البريطانيين جندتهم شركة Airwork، لتنفيذ عمليات الصاعقة الجوية والقناصين، ولم تعترض لندن على تجنيدهم، مع إبلاغ السعوديين بأنه لا يمكن التصريح بالعمليات”. انعقدت هدنة في أوغست 1965، وتحول المرتزقة المدعومون من بريطانيا إلى تقديم المعونة الطبية وحماية الاتصالات. استأنفت القوات الحرب عام 1966، ووصل القتال إلى طريق مسدود، غير أن البريطانيين أداروا في غضون ذلك عمليات مرتزقة واسعة النطاق بمجندين يتقاضون 10000 جنيه سنويًا، ويجلبهم مركز غامض في لندن بإدارة ستيرلنيغ. قرر الناصر سحب قواته من اليمن بعد هزيمة مصر في حرب 1967. وانسحبت بريطانيا من عدن في نوفمبر 1967. حظرت حكومة لندن الاطلاع على معظم ملفات مارس 1967، عن العمليات السرية في جنوب الجزيرة العربية وعمليات Rancour II، باستثناء وثائق يونيو 1967، التي أوردت أن: “عمليات Rancour حققت غاياتها!! في ردع المصريين وإجبارهم على الخروج من بعض مدن الجنوب وتقييد تحركاتهم”. وأوصت بإدامة العمليات حتى بعد تحرر الجنوب من استعمارها: “يمكن القيام بذلك بغطاء المهام العسكرية في اليمن، أو عبر السفارة”. استمرت حرب اليمن بعد الانسحاب المصري. وقُتل اثنين من مرتزقة شركة Watchguard، في عام 1969، أثناء قيادتهما لمجموعة من العصابات الملكية في الشمال. لجأ البدر في نهاية المطاف إلى إنجلترا بعد تدمير بلاده ومكث فيها حتى مماته، وقطع السعوديون إمداداتهم عن الملكيين في مارس 1969، لتوقيع معاهدة إنهاء الأعمال العدائية بعد مقتل 200000 يماني!!! بينما تجاوز الضحايا في حرب 2015، العدد 250000 نسمة.

تقلص التدخل البريطاني في عام 1966، وتضاءلت المشاركة المصرية بعد عام 1967، عندما برهنت حرب الأيام الستة مع إسرائيل على أهميتها. أسفر انخفاض عنف الحرب لمدة ثلاث سنوات عن إنشاء حكومة تسوية شملت أنصار البدر والضباط الجمهوريين. واتحد شمال وجنوب اليمن عام 1990، في عهد علي صالح الذي شارك في انقلاب عام 1962، وقاتل في شبابه ضد حكم الإمام لكن دول الخليج وتحديدًا السعودية والكويت والإمارات عارضت الاتحاد وأمدت الانفصاليين بالعتاد والأموال، مما أدى إلى اندلاع حرب 1994 التي قضى عليها صالح قائلاً: “إنني لا أحارب أدوات الانفصاليين، إنما حكام الإمارات”، الذين اتفقوا معه فيما بعد واستأجروا ميناء عدن لمدة 100 عام الذي يعد احتلال رسمي، وكأنه ملكية خاصة لآل صالح. لا يحق للمسؤول التصرف بالمنشآت والموارد العامة كملكية خاصة سواء كانت في أرخبيل سقطرى، عدن، ميون، تعز، المهرة، مأرب، وحضرموت. حول الإماراتيون ميناء عدن في عهد صالح إلى خراب، ولم يحرصوا على تطويره لأن ازدهاره قد يؤدي إلى تقليص أهمية جبل علي في دبي، مما يثبت المحفزات الاقتصادية لحرب 2015، وأسباب دعم الإمارات للانفصاليين في اليمن، ناهيك عن دعمهم للانفصاليين في الصومال الذين لا يعترف بهم إلا أبوظبي!! عارض الحوثيون صالح منذ عام 2004، ويستمدون قوتهم القبلية من الشيعة الزيديين الذين قاتلوا مع الإمام. وتحول تمرد الحوثيين تدريجيًا إلى حرب أهلية شاملة. رحل صالح في عام 2012، وسط مظاهرات وعنف وبعد اغتياله من الحوثيين وحمله على بطانية حمراء أمام كاميرات التلفزيون في صورة مقززة. وترأس منصور هادي الفترة الانتقالية بموجب المبادرة الخليجية الذي يقيم الآن في منفى السعودية. اتهمت الحكومة اليمانية إيران بمساندة الحوثيين منذ بدء التمرد عام 2004، ومنحتهم التدريب والذخيرة، ونسقت حملاتهم لاستقطاب المواطنين وزيارة طهران. تناغمت السياسة مع الاستراتيجية الإقليمية الإيرانية التي تدير أنشطة الوكلاء القتاليين في أنحاء الشرق الأوسط. وتزعم اللواء ومهندس النزاعات، قاسم سليماني، فيلق القدس الإيراني الذي يحارب في دول عربية مختلفة باستثناء فلسطين قبل اغتياله بغارة درون أميركية في يناير 2020، أحرقت جثته ولم يتبقى منها إلا يده المزينة بخاتم أزرق. ينظم فيلق القدس جيوش الوكالة في سوريا والعراق ولبنان واليمن، والتقطت صور لضباطه بجوار أعلام هذه الدول. أتاح الدعم الإيراني للحوثيين الانتقال إلى مرحلة ما بعد التمرد. غير أن هذه السردية تتجاهل مشاركة الحوثيين في مؤتمر الحوار الوطني، وقتل حكومة هادي لمسؤولين حوثيين مساهمين في الحوار، وكان من بينهم الصحافي والسياسي وسفير النوايا الحسنة لحقوق الإنسان في اليمن، عبدالكريم الخيواني في عام 2014. وبالتالي، حرضت حكومة هادي الحوثيين على تكثيف جهودهم للإطاحة بها. وبلغ ذلك ذروته في انقلاب عام 2015، بعد إلغاء هادي الدعم عن الوقود، بتأسيس لجنة ثورة ومجلس سياسي لصياغة حكومة يترأسها الحوثيون وغير معترف بها دوليًا. هاجموا صنعاء، ونالوا دعم صالح الذي اغتالوه عام 2017 بعدما وافق على مصالحة السعوديين وإنهاء الحرب، ودعا اليمانيين عبر قناة “اليمن اليوم” إلى محاربة الحوثيين في مختلف القرى والمدن. اتسم التدخل العسكري السعودي لدعم هادي بالتفوق الجوي الذي أدى إلى هزيمة مصر في حرب الستينيات. ويشمل النزاع الآني مساهمة الإمارات والكويت والبحرين وتشكيلة متغيرة من الدول العربية والإسلامية، حيث انسحبت منه المغرب وقطر، بالإضافة إلى مشاركة السودان المكثفة من حيث عدد الجنود السودانيين الذين أزهقت أرواح العديد منهم. تساهم أيضًا بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا في دعم التحالف. وصاغت حرب السعودية الثالثة الممتدة منذ 7 سنوات كارثة إنسانية وأسوأ الأمثلة على صناعة المجاعة والأمراض التي يمكن الوقاية منها في القرن الواحد والعشرين. اقترفت جميع الأطراف المشاركة في الحرب انتهاكات وجرائم بدون استثناء، إلا أن الإعلام يسلط الضوء على أساليب حكومة صنعاء برئاسة الحوثيين، ويعتم على جرائم التحالف التي تفوق انتهاكات الحوثيين من حيث وحشيتها وعدد ضحاياها وجثثها المترامية في مختلف الأماكن نتيجة للقصف العشوائي في صور ومشاهد تدمي القلب والعين. تتميز الحرب الراهنة عن بقية النزاعات السابقة بتورط إيران وحزب الله اللبناني.

عن Rokayah

شاهد أيضاً

معركة إخماد الصحافة المستقلة في بريطانيا…

اقتضى على كريج موراي، السفير البريطاني السابق في أوزبكستان، وأب لطفل حديث الولادة، وامرؤُ في …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *