الأربعاء , مايو 18 2022
الرئيسية / صحافة / تفاعلات الأمن السوري وأزمة المهاجرين…6

تفاعلات الأمن السوري وأزمة المهاجرين…6

توثقت العلاقات الأسرية والثقافية والقبلية والدينية بين جنوب تركيا وشمال سوريا في عهد الاحتلال العثماني التي وهنت جزئيًا بعد رسم الحدود الوطنية الحديثة. وأسفرت انقسامات الحرب الباردة والتوترات حول منطقة هاتاي المتنازع عليها (كانت تسمى بمحافظة إسكندرون حتى عام 1939، لكن الاحتلال الفرنسي منحها للأتراك في عهد الانتداب بعد استفتاء مزور عام 1939)، حقوق المياه، والدعم السوري للعلاقات السورية-التركية التي يهيمن عليها حزب العمال الكردستاني PKK، بعد عام 1950، مما ساهم في عسكرة الحدود التي قيدت التبادل التجاري. أدى التقارب الحديث بعد اتفاق أضنة عام 1998، إلى معاهدة التجارة اللامقيدة وسفر السوريين والأتراك بدون تأشيرة عبر الحدود. ودامت الحرية الاقتصادية بعد الحرب، على الرغم من الإغلاق المتقطع والتشدد الجزئي في عام 2013-2014، حتى عام 2015، الذي تدفقت فيه أعداد هائلة من المقاتلين الأجانب عبر الحدود التركية الذين انضموا إلى المليشيات الجهادية المتطرفة في سوريا التي تشمل داعش. أغلقت تركيا حدودها بعد انسحاب الحكومة السورية الذي أفضى إلى إدارة الأكراد في شمال-شرق البلاد، وتدفق المهاجرين. ولطالما ارتبطت إدارة الحدود التركية بمقاصدها السياسية والعسكرية في سوريا ومقتضيات السياسة الداخلية. سعت سياسة فتح الحدود في سنوات الحرب الأولى إلى دعم التجنيد وإمداد المليشيات المعارضة للأسد التي اشتملت على أشد المجموعات الجهادية تطرفًا والمتفرعة من تنظيم القاعدة، وداعش (إيزيس). وتصاعد النفوذ الكردي في شمال سوريا بقيادة حزب الاتحاد “الديموقراطي” PYD، الذي أدى إلى فرض قيود على الحدود عام 2013-2014، حيث استنكر الأكراد على جانبي الحدود سياسات أنقرة التمييزية ضدهم. هرعت أنقرة إلى الإغلاق بعد استئناف النزاع الكردي في تركيا الناتج عن سياستها في سوريا، بالإضافة إلى الهجمات الإرهابية الجهادية التي ارتدت على أنقرة بعدما أشعلت النيران في بيت جارها وأدت إلى تدفق المهاجرين. شيدت الجدار العازل على مسافة 13 كيلومتر وخنادق على مسافة 333 كيلومتر في عام 2014، وبلغ عدد الحرس 20000 جندي في عام 2015، إلى أن بدأ بناء الجدار على امتداد الحدود في يوليو مع اندلاع النزاع الكردي في تركيا. بلغت تكلفة التشييد ملياري ليرة، وتضمن الجدار حواجز من الأسلاك الشائكة وأبراج مراقبة متنقلة، وتثبيت كاميرات حديثة. سورت أنقرة 825 كيلومتر من الحدود البالغ طولها 911 كيلومتر عام 2017. وتقلص عدد السوريين القادمين إلى تركيا بعد إنجاز الجدار والتحولات السياسية المرافقة، حيث استقر عدد المهاجرين منذ نهاية عام 2017. أغلقت الحدود التركية-السورية أمام طالبي اللجوء الجدد في عام 2018. ويصل عدد المعابر إلى 20 منفذ على الحدود التركية-السورية.

تحتل القوات التركية ومرتزقتها ثمانية معابر على الجانب السوري؛ وتسيطر مليشيا “هيئة تحرير الشام” HTS، المتفرعة من تنظيم القاعدة وإدارتها المزعومة التي تصفها مراكز أبحاث غربية بـ”حكومة الإنقاذ”!!! على سبعة منافذ، إلا أن نفوذ تركيا غير المعلن قد يتضمن أكثر من هذا العدد؛ بينما يهيمن الأكراد الذين ينعتون مليشياتهم بـ”قوات سوريا الديموقراطية” SDF أو AANES على ثلاثة معابر؛ وتسيطر حكومة الأسد على اثنين، رغم أن مراقبته لمعبر نصيبين-القامشلي في شمال-شرق سوريا الذي تسيطر عليه قسد الكردية قد تكون اسمية. أغلقت تركيا 11 معبر من بين هذه المنافذ العشرين، وقيّدت حركة المرور في أربعة مغايرة، وأبقت على خمسة منافذ مفتوحة في أغلب الأحيان. أغلقت قسد المعابر التي تسيطر عليها؛ وفتحت دمشق معبر بحركة مرور مقيدة، في حين أغلقت الآخر؛ وأغلقت مليشيا هاتس (هيئة تحرير الشام) ستة من المعابر، بينما فتحت السابع بحركة مرور مقيدة. فتح وكلاء أنقرة خمسة معابر، اثنين منها بحركة مرور مقيدة، وثالث مغلق منذ 3 فبراير 2021. ويفرض الأتراك والمرتزقة على الجانب السوري رسوم عبور للإثراء بالضرائب وابتزاز حركة التجارة والبشر؛ كما تعتمد المجالس المحلية التي تهيمن عليها أنقرة على رسوم المعابر، ويحتدم الاقتتال بين مليشيات تركيا المنضوية تحت مظلة ما تسميه أنقرة بـ”الجيش الوطني السوري”، من أجل السيطرة على المعابر (لا بد أن يكون جيش برعاية المخابرات التركية وطني للغاية!!!). أفاد سوريون من إدلب بأن السياج على الحدود وحشد الشرطة على الجانب التركي يقيد أنشطة التهريب. وحاول البعض العبور، إلا أنه يتم القبض عليهم وترحيلهم. يتوقع السوريون رشقهم بالرصاص والموت فيما إذا اقتربوا من الحدود. ويحاول مهاجرون ومهربون رشوة الحرس أو التسلق أو حفر نفق أسفل الجدار. لقي مئات السوريين حتفهم أثناء محاولتهم العبور إلى تركيا. وأفادت مصادر في محافظة أورفة التركية في عام 2018، أن الرشاوى لتأمين العبور تتراوح بين 1500 و2000 دولار التي تعد ثروة لمعظم السوريين. لا يستطيع القانطون على غرار سكان إدلب دفع الرشاوى باستثناء ثلة منهم بالاعتماد على محاولات التهريب الأقل تكلفة التي تؤدي إلى القبض عليهم أو ضربهم وإعادتهم. واعتقل الجيش التركي 224358 سوري حاول العبور عام 2018. تحدثت الإحصاءات التركية الرسمية عن ارتفاع عدد المهاجرين المعتقلين في عام 2018، تلاه زيادة في عدد الأسرى عام 2019، وانخفاض حاد في عام 2020، حيث بلغ عددهم 17562 مهاجر مقارنة بـ55236 نسمة في عام 2019؛ و1935 سوري في أول 40 يوم من عام 2021. تمت محاولات العبور إلى هاتاي وكيليس وأورفة من المناطق التي تهيمن عليها تركيا في سوريا، مع عدد أقل إلى ماردين من مدن سيطرة قسد حيث يتفاقم خطر رشق الرصاص على الحدود الأمنية في المناطق الكردية.

تعد المنافذ الحدودية مصدر الموارد المالية الأهم للمجالس المحلية بإدارة أنقرة، إلى جانب تلقيها الميزانيات شهريًا من الولاية التركية المهيمنة عليها التي تحصل على حصتها من موارد المعابر بعد تقسيمها مع الوكلاء والمليشيات. وتغطي الميزانيات رواتب الموظفين وترميم البنية الأساسية والمسؤوليات البلدية. تمهد السيطرة التركية على الحدود للاستغلال والفساد التي تتضمن المسؤولين الأتراك من حراس المعابر، ناهيك عن اقتتال المرتزقة. وأفادت وسائل الإعلام التركية في الفترة من سبتمبر 2017 إلى فبراير 2019، باعتقال 100 من مسؤولي الجمارك والتجار بتهمة تقديم أو قبول رشاوى عند البوابات الحدودية. حاولت هاتس جباية الضرائب على مواد الإغاثة، إلا أنها تراجعت بعد التهديدات الغربية بتجميد المعونات والضغط التركي. وتعد الجيوب في شمال سوريا محميات تركية بحكم الأمر الواقع. لا يمكن التنبؤ بالديناميات التي تؤثر عليها سياسات أنقرة الداخلية، الوضع العسكري في سوريا، وباء كورونا، وظروف المدن الخاضعة للاحتلال التركي. يؤطر قانون الحماية المؤقت TPR لعام 2014، “حقوق السوريين” في تركيا، بما في ذلك الحدود. ولا يعتبر السوريون في تركيا من الناحية العملية والقانونية لاجئين. تستطيع الحكومة التركية إلغاء، تنقيح، أو تقييد نظام TPR جغرافيًا، إلا أنها أرادت العمل به حتى الآن. وغالبًا ما يذهب السوريون إلى بلادهم لتجديد جوازات سفرهم أو زيارة أقاربهم ثم يعودون إلى تركيا. يفقد السوريون من الناحية العملية حمايتهم المؤقتة بعد المغادرة الطوعية، وترفض السلطات التركية إعادة دخولهم. يمكن تجديد الحماية المؤقتة بإدارة الهجرة DGMM. وتغاضت أنقرة عن السفر إلى سوريا ببطاقة الحماية لسنوات بعد اندلاع الحرب قبل الحظر الذي لم يدركه السوريون ولم تعلن عنه أنقرة، مما يؤدي إلى فقدانهم أداة “الحماية” على نحو غير مقصود. تغدو الحكومة مرنة أحيانًا لمنح بطاقة الحماية باستثناء المتورطين في “الإرهاب”، الحرب ضد أنقرة في سوريا، النشاط “الإجرامي”، مخالفة النظام، واحتياطيات الصحة العامة. وتخضع البطاقة لآراء السوري السياسية بتمحيص التطبيق الشاسع والمسيّس لقانون مكافحة “الإرهاب” في تركيا. أراد سوريون العودة إلى بلادهم. واستنتجت دراسة لمفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين UNHCR، أن 54% من السوريين أوضحوا أن سبب رجوعهم الانضمام إلى عائلاتهم، بينما كان السبب الثاني لـ8% منهم ندرة الدعم المادي/الإنساني في تركيا. وقد لا يخاطر بالعودة سوى ثلة من السوريين فيما إذا اعتُبر القرار نهائيًا. يمنع نظام TPR، المهاجرين من زيارة عائلاتهم والحصول على وظيفة التي قد تفضي إلى فقدان حقهم القانوني في البقاء على الأراضي التركية الذي نالوه بشق الأنفس. وقد لا يرجع السوريون بأعداد هائلة إذا لم تكن هناك وظائف ولا سبيل لإعالة أسرهم. ستقاسي أيضًا الاستثمارات التركية في المناطق التي يسيطرون عليها في سوريا إذا باتت معزولة اقتصاديًا. وستتضرر الآفاق الاقتصادية لمحميات أنقرة إذا قيدت حركة المرور عبر الحدود وجعلتها محفوفة بالمخاطر.

تعني السيطرة التركية على تارا، ESZ، عفرين، وإدلب أن المعابر الرسمية بين تركيا وسوريا حدود من المستوى الثاني لأن الحدود العملية للسلطة التركية تقع داخل سوريا، على غرار معبر عون الدادات في منبج، وتصل إلى المدن التي تسيطر عليها قسد بمنطقة ESZ. لم تنشئ الجيوب التركية حواجز حدودية وتحرسها فصائل المرتزقة ومخترقة بالثغرات. ولا تستطيع أنقرة إغلاق حدود المناطق المحتلة، وبالتالي، يتوجب عليها إما إغلاق الحدود الرسمية والمعاناة من الناحية الاقتصادية وتقييد إعادة التوطين، أو مواجهة مخاطر التسلل والتجسس وأنشطة الإجرام والتهريب. تغرس أنقرة بذور التطرف على الحدود بدعم المليشيات المتهمة بجرائم قتل ونهب واغتصاب واستيلاء على المنازل والممتلكات والابتزاز المتفشي ومنع عودة المدنيين النازحين. وتتواطأ مع مرتزقتها في الانتهاكات بإمدادات الأسلحة ودفع رواتبها وطرد المدنيين قسرًا من منازلهم. يتعرض المدنيون من مختلف الأعراق والأديان لمضايقات مليشيات أنقرة. ولا يمكن الوثوق بمؤسساتها القضائية والأمنية في التحقيقات وتعويض الضحايا. يتناقض الاحتلال التركي مع خطاب أنقرة لدعم وحدة الأراضي السورية، ومع نظام الفيدرالية أو الإدارة الذاتية في شرق سوريا التي تهيمن عليها أميركا بواسطة الأكراد. وترفض أنقرة الإدارة الذاتية بذريعة أنه انتقاص لوحدة سوريا في الوقت الذي تحتل فيه جزء من مساحتها، غير أنها تخشى من تعاون أكراد سوريا وتركيا في حين تهيمن على أكراد العراق، أما أكراد إيران فلا تجرؤ على التدخل في شؤونهم لأن هيبة طهران وحمايتها لسيادة أراضيها تمنعها من ذلك. انتهكت أنقرة سيادة سوريا بعملياتها العسكرية و إنشائها لمناطق انفصالية، في الوقت الذي تتهم فيه واشنطن بدعم انفصال الأكراد. وتدعم الإرهابيين والجهاديين وتستغل فقرهم لشن حروبها الخارجية في ليبيا وأذربيجان، في حين تتهم الولايات المتحدة بدعم إرهاب الأكراد. ثم يتشدق الطرفان الأميركي والتركي بمكافحة “الإرهاب” المزعومة. ما هو رد فعل واشنطن عندما اقتحم متظاهرون مؤيدون لترامب في 6 يناير 2021، مركز السيادة والهيبة الأميركية في مبنى الكابيتول، المقر الرئيسي للسلطة التشريعية الاتحادية (الكونجرس ومجلس النواب)؟ هل اعتبرت الاقتحام حرية شخصية وتعبير عن الرأي وطالبت بدعم المتظاهرين؟ بالطبع لا! اعتقلت جميع المقتحمين باعتبارهم مثيري شغب!! وحققت مع 50 مسؤول في القطاع العام ومنتخبين و12 ضابط من شرطة الكابيتول بتهمة التواطؤ مع الفوضويين!! ارتأت أن انتهاك السيادة والقانون خط أحمر حتى إذا كان المتهمون أميركيين. وأغلقت مواقع التواصل الاجتماعي صفحات دونالد ترامب من بلاد تمثال الحرية الذي أهدته فرنسا إلى الولايات المتحدة في 28 أكتوبر 1886 بعنوان “La Liberté éclairant le monde” (العالم يستنير بالحرية!!!).

عن Rokayah

شاهد أيضاً

العبودية الأميركية لكيان إسرائيل المؤقت…9

نشطت حملة صهيونية مماثلة لتلك الأميركية في سراديب أوروبا. وتوغلت الطواقم الصهيونية في مخيمات اللاجئين …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *