الثلاثاء , نوفمبر 30 2021
الرئيسية / صحافة / العالم من أفق الإمبراطورية الأميركية…2

العالم من أفق الإمبراطورية الأميركية…2

تندد الحكومة الأميركية بالأنظمة الاستبدادية جهرًا، ويشمل غضب واشنطن حاليًا كوريا الشمالية وإيران وسوريا. تشن حربًا انتقائية على الأنظمة الاستبدادية، من بنما إلى العراق، حسبما تقتضي الظروف. وأثبتت برقيات ويكيلكس في الفترة 2009-2015، أن الدبلوماسيين الأميركيين غالبًا ما ينتقدون المسؤولين والحكومات الخارجية. توثق الولايات المتحدة رغم ذلك علاقاتها مع الأنظمة الاستبدادية الودية في مساحات شاسعة حيث تمارس نفوذها. وتحالفت مع الأنظمة التي خاضت حربًا ضدها في مرحلة ما، في مفارقة مع الإطاحة بنورييجا أو صدام حسين ومقاضاته في محاكم الكنجارو على جرائم ارتكبت بدعم أميركي. تساند واشنطن على النقيض أنظمة استبدادية مغايرة حتى النهاية العنيفة. وتأمل نموذج تركمانستان. احتوت برقية مرسلة من السفارة الأميركية في عشق أباد (عاصمة تركمانستان)، على وصف وجيز لديكتاتور البلاد الجلف، جربانجلي بيردي محمدوف بقلم المسؤول عن الشؤون الأميركية الذي نعت الديكتاتور بـ”الأجوف، المريب، المطوق بجنود لحراسته، المتزمت، المحافظ إلى درجة التشدد، الأفاك، الممثل البارع، المنتقم، والأحمق”. تابع محمدوف نمط الطغاة الذي أسسه سلفه، رئيس الحزب الشيوعي السابق سبارميرات نيازوف عندما تولى زمام الأمور في عام 2006. واطلعت واشنطن على مختلف أساليبه قبل أن تمهد له طريق الرئاسة. أتاحت تركمانستان جسرًا أميركيًا للوصول إلى أفغانستان، وتعد مركزًا استراتيجيًا لمنطقة ثرية بموارد الطاقة ومحيطة لبحر قزوين. حاول مسؤول السفارة في تقريره “كوران”، تحذير المسؤولين الأميركيين ليفكروا مرتين قبل التعامل مع الديكتاتور، إلا أنه لم يستطع إقناعهم. والتقطت صورة لهيلاري كلينتون مع محمدوف في العام الذي أُرسلت فيه البرقية، حيث ورد أن حقوق الإنسان لم تكن ضمن جدول الأعمال. تفاقمت المعونات العسكرية الأميركية للديكتاتورية في العام التالي من 150000 إلى مليوني دولار لإنفاقها على تمويل التدريبات العسكرية. وأعيد انتخاب محمدوف بنسبة 97% من الأصوات في عام 2012!!! بينما توثق الولايات المتحدة علاقتها الدافئة مع النظام. يعتقد المخططون والاستراتيجيون في واشنطن، قادة العالم الحر – كما اعتبروا ذواتهم بشغف ذات يوم – أن محمدوف الملطخ بالدماء بغيض ومُغفَّل، لكن الخلل في شخصيته يقابله ملاحظة مفادها أنه جيد لتركمانستان إذا كان متعاون لإدامة الحرب الأميركية، ويستحق مليوني دولار. تشوه السياسة-الواقعية الولايات المتحدة، وأدرج دعم محور القمع التهكمي في أدنى قائمة النماذج المفهرسة في وثائق ويكيلكس. أنفقت واشنطن على غرس وتمويل وتدريب وتدليل الدول الاستبدادية وإمدادها بالأسلحة من شرق-وسط آسيا إلى الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية. ويتعارض سلوكها بذهول مع بلاغة إدارة أوباما الحيوية. تكمن عقيدة الأممية الليبرالية في مركز صناعة السياسة الأميركية في فترة ما بعد الحرب، التي اخترعها وودرو ويلسون، وزخرفها فرانكلين روزفلت وهاري ترومان، لتبرير التدخلات العسكرية الأميركية وشتى أنواع الاقتحامات لإنتاج نظام عالمي ليبرالي: يتكون من الدول القومية “الديموقراطية الليبرالية”، المرتبطة بأسواق “حرة”، وخاضعة لإدارة القانون الدولي باستثناء كيان الاحتلال في فلسطين الذي تمنحه واشنطن وأوروبا إعفاء شامل من تطبيق القوانين الدولية والإنسانية. ومن ثم، تطغى غاية تحقيق نظام عالمي ليبرالي على الالتزام بسيادة الدول. وتعتقد الولايات المتحدة أنها رائدة النظام العالمي التي لديها حق انتهاك سيادة الدول في سبيل المقاصد الليبرالية!!! يؤمن المسؤولون الأميركيون بعقيدة “الأممية الليبرالية”، على اختلاف درجاتهم ومشاربهم. وتعد انتقاداتهم للأنظمة غير الديموقراطية وحكومات المحاباة والمحسوبية وانتهاكات حقوق الإنسان هراء بناءً على ذلك. أورد المؤرخ دومينيكو لوزوردو، أن الليبرالية بالتفسير الأميركي الفضفاض خاضعة تاريخيًا لاستثناءات الطبقة العاملة، النساء، ذوي البشرة الملونة، والمستعمرين الذين يتم إقصائهم من حقوق المواطنة والانتخاب المضمونة لأصحاب الممتلكات ذوي البشرة البيضاء.

يتجلى أسلوب الاستثناءات في النظام الدولي الاستعماري الذي أقر سابقًا سياسة الدول الاستعمارية، وترك الشعوب المستعمرة بدون حقوق في النظام العالمي الناشئ. كان تقرير المصير لفترة من حقوق الأغلبية ذوي البشرة البيضاء فقط في الدول الأوروبية والأميركية، مما أدى إلى تبلور التمرد المناهض للاستعمار في القرن العشرين. وجابهت الإمبراطورية الأميركية هيمنتها الدولية بمزيج من الحذر والانسجام مع القوى الاستعمارية. نفرت من امتداد حق تقرير المصير إلى الشعوب الملونة بعد تأسيس رؤية استراتيجية لا تعتبر السيطرة على الأراضي ميزة. ويعد ويلسون فتى الغلاف المتشدد للأممية الليبرالية، رئيس الولايات المتحدة عام 1912-1920، وأول رئيس يواجه حركات التحرر من الاستعمار. شهد صعوبات السياسة الاستعمارية الأميركية في الفلبين بعد أن دافع عن محاولات القمع الإمبريالي، وراقب بذعر صعود الحركات المناهضة للاستعمار. لم يتقيد بعهوده الانتخابية لعام 1916، وقاد الولايات المتحدة إلى الحرب العالمية الأولى، لتأسيس نظام عالمي جديد. لم يتفادى ويلسون احتلال الأراضي بما ينسجم مع المصلحة الأميركية. واعتبر “بطل” احتلال الفلبين، بينما أرسل قوات إلى هايتي عام 1915، نيكاراغوا عام 1912، وكوبا عام 1912، ناهيك عن التوغل في الثورة المكسيكية عام 1914. أنذر نطاق الحرب العالمية الأولى من الحملات العسكرية العشوائية. وارتأى المخططون الأميركيون أن السيطرة على الأراضي أقل أهمية من التحكم بالأسواق والعمالة والموارد. بات دعم الحكومات المنفتحة على الاستثمار الأميركي في سوق دولي تهيمن عليه الولايات المتحدة أكثر أهمية من أن تغدو حاكمًا استعماريًا. وقد تتدفق الأرباح إلى وول ستريت بدون تكاليف الاحتلال المنهكة. لكن النظام الأميركي-الدولي لن يتجسد على أرض الواقع إلا بالإمبراطوريات الاستعمارية. وأماطت إدارة ويلسون اللثام عن لغة “تقرير المصير القومي” التي تبوأت مكانة محورية في أساطير الأممية الليبرالية، رغم أن ويلسون اختلس اللغة من البلاشفة. لم يكن لديه نية للوفاء بالتعهد الضمني للحركات المناهضة للاستعمار التي ارتأى أنها عاجزة عن إدارة حكومة. وجندت الدعاية الأميركية القوى المعادية للاستعمار في الهند من أجل قوى الوفاق في الحرب العالمية الأولى على أساس عقيدة ويلسون. شهدت المفاوضات التالية في فرساي الفرنسية معارضة الولايات المتحدة لحركة “المساواة العرقية” و”تقرير المصير” لحرمان الدول المستعمرة. وكانت النتيجة انجذاب الحركات المناهضة للاستعمار نحو اليسار، حيث تطلع كثيرون إلى روسيا كنموذج للحداثة المتفوقة. انتهزت أميركا فرصة الحرب العالمية الثانية لتجريد بريطانيا من أراضيها الاستعمارية مقابل المشاركة في الحرب إلى جانب الحلفاء. ورفضت دفع ميزتها الاستراتيجية على حساب القوى الاستعمارية السابقة. غادر البريطانيون من جنوب آسيا مع بقاء هيمنتهم الاستراتيجية، ودامت السيادة الفرنسية على الهند-الصينية، في حين غضت الطرف عن مناشدات الاعتراف بسوكارنو في إندونيسيا وهوشي منه في فيتنام. دعمت الولايات المتحدة التصدعات المعادية للاستعمار، على غرار انقلاب الضباط والثورة الناصرية في مصر، حيث اضمحلت مخاطر نشوب نزاع. وتوجست من “الاستقلال السابق لأوانه” الذي يؤدي إلى تحرر شعوب غير قادرة على إدارة شؤونها، لا تلتزم ببناء دول رأسمالية ليبرالية مندمجة في السوق العالمية بقيادة الولايات المتحدة، وتميل إلى الأساليب الجذرية أو الشعبية اللاناضجة سياسيًا من المنظور الأميركي، وربما اعتنقوا الشيوعية. أفاد وليام فولتز، الخبير الأميركي في السياسة الأفريقية عام 1966، بأن الأمر سيستغرق بضعة أجيال لتعليم أغلبية الأفارقة “مهارات المشاركة الفعالة في السياسة”، في رؤية تعبر عن وصاية الاستعمار على من تعتقد أنهم أقل إدراكًا لشؤونهم!!! بينما أوردت “نظرية التحديث” لكبار المسؤولين الأميركيين أن هؤلاء يحتاجون إلى فترة من الحكم الاستبدادي لأنظمة عسكرية “مستنيرة”.

تفاعلت الولايات المتحدة مع استقلال الكونغو عن الاستعمار بهندسة نظام موبوتو الكليبتوقراطي-الاختلاسي-الفاسد حتى النخاع بذريعة “منع التطرف” والراديكالية. ودعمت الديكتاتوريين في جنوب فيتنام لتجنب حكم فييت مينه حتى قادت حربًا دموية استثنائية للدفاع عن ديكتاتور حليف في جنوب كوريا قبل تقسيمها، وغرقت في مستنقع فيتنام. ساندت الجنرال الإندونيسي سوهارتو للإطاحة بسوكارنو في انقلاب أدى إلى مقتل مليون نسمة، لكنه فتح أسواق البلاد ومواردها للمستثمرين الأميركيين. استبدل الاستعمار البريطاني في الشرق الأوسط بالهيمنة الأميركية، لا سيما بعد جلاء لندن عن شرق السويس التي تسمى حاليًا بـ”الإمارات” في عام 1971. وساهم المسؤولون الأميركيون وشركات النفط آنذاك في هندسة حكم آل سعود. أطاحت وكالة المخابرات بحكومة محمد مصدق الإيرانية في عام 1953، لاستبدالها بالشاه المكروه، ودعمت الانقلاب البعثي في العراق كجزء من هجومها العام المضاد للقومية العربية. بات كيان الاحتلال في فلسطين المستبد (أو ما يسمى بإسرائيل) العميل الإقليمي الرئيسي للولايات المتحدة، لاسيما بعد حرب 1967، التي وجهت لكمة قاتلة للقومية العربية، والديكتاتورية المصرية ثاني أكبر عميل إقليمي بعد تأمين إسرائيل باتفاق كامب ديفيد. وتخلت القاهرة عن سوريا التي شاركت في حرب أكتوبر لتحرير سيناء لتوقيع معاهدة “سلام” مع الإسرائيليين التي رفضها السوريون قبل استعادة هضبة الجولان. دعمت الولايات المتحدة شبكة من الديكتاتوريات المتطرفة في “فنائها الخلفي” – أميركا اللاتينية – لقمع الحركات اليسارية المعادية للاستثمارات والتجارة الأميركية. وبررت انتهاك السيادة بذريعة الحرب الباردة التقليدية، باعتبار هذه الدول منتمية إلى عالم قديم-“وحشي” ومقيت، ويجب التغاضي عن الانتهاكات “لحماية الحرية” من خطر الشمولية. يعد المحافظ الجديد جين كيركباتريك من الدعاة الأكثر بلاغة لبث الفكرة الذي أصبح فيما بعد سفير ريجان في منظمة “الأمم” المتحدة. ودافع بشدة عن الديكتاتوريات في أميركا اللاتينية بذريعة أن العمال والفلاحين والراهبات الذين كانوا يذبحون يمثلون الشمولية الأسوأ من الاستبداد. دافع كيركباتريك أيضًا عن التحالف الأميركي مع فرق الموت في السلفادور بكتابة مقال “مقدس” لمعهد American Enterprise، ووصم فرق الموت “بمؤسسات الشعب السلفادوري المتجذرة”، التي تمثل قوات الدفاع المنظم للمجتمع المدني ضد الشيوعية، وستغدو مدنية ومتحضرة إذا استثمرت لإضفاء شرعية على سلطة الدولة!! سبح كيركباتريك وقتئذ ضد التيار. وصاغت النخب في الولايات المتحدة غاياتها السياسية من زاوية حقوق الإنسان والديموقراطية في فترة ما بعد فيتنام. سخر كيركباتريك من خطابات إدارة كارتر في مجال حقوق الإنسان، وطور المنظمات المعادية للشيوعية أثناء معارك ريجان بالوكالة في أميركا الوسطى، لإعادة بيعها كوسائل للتغيير “الديموقراطي التقدمي”، في إطار الشروط الأميركية على المدى البعيد. نشأت نتيجة لذلك مؤسسة “الدفاع عن الديموقراطية” المرتبطة بالمعهد الجمهوري الدولي (IRI)، الصندوق الوطني للديموقراطية (NED)، ومؤسسات لتمويل ودعم المؤسسات المدنية المتحالفة مع الولايات المتحدة في مختلف البلدان. صرح مسؤول في عهد ريجان: “سعت إدارة ريجان إلى إعادة عقارب الساعة إلى الوراء في السياسة الخارجية الأميركية إلى فترة ما قبل فيتنام، ومنهج الحرب الباردة القديم الذي تتناغم فيه الولايات المتحدة مع الديكتاتوريين البغيضين كعنصر حتمي في النضال ضد الشيوعية السوفييتية. غير أن إدارة ريغان استنتجت صعوبة صياغة سياسة خارجية رجعية بموافقة الحزبين (الجمهوري والديموقراطي)؛ ووجوب الاهتمام بحقوق الإنسان والديموقراطية في السياسة”. تعد كلمة “الاهتمام” نفاق وتضليل، لأن الولايات المتحدة لم تحقق شيئًا في المجال. ولاحظ ألين وينشتاين، المؤسس وأول رئيس بالنيابة لصندوق NED عام 1991، “أن منصبه يشرعن أنشطة المخابرات التي كانت سرية قبل 25 عامًا، لتنفيذها الآن جهرًا”. ولم يتحدث عن تغيير في أولويات السياسة. أدركت الولايات المتحدة أن الطبقة الحاكمة في السلفادور متورطة في حرب إبادة ضد الفلاحين والعمال اليساريين، ونزعت إلى الإبادة الجماعية لقتل 500000 ضحية. أعدت برامج “ترسيخ الديموقراطية” لقوى المجتمع المدني المقربة من حزب ARENA الحاكم، في حين واظبت وكالة المخابرات على تدريب فرق الموت السلفادورية، وتدفق الأموال الأميركية.

ساهمت NED بالسنوات الأخيرة في تمويل المجموعات والأفراد المتورطين في الانقلاب ضد رئيس هايتي المنتخب، جان بيرتراند أريستيد، في عام 2004، وأولئك المتورطين في محاولة الانقلاب ضد هوجو شافيز الفنزويلي في عام 2002. ومن ثم، استبدلت واشنطن لغة السياسة-الواقعية المعادية للشيوعية بالتركيز على حقوق الإنسان في دول أعداء أميركا فقط، سواءً كانوا يساريين أم لا. تبرعت أميركا بـ20 مليون دولار في المتوسط سنويًا “لدعم الديموقراطية” في السنوات السابقة لتنحي محمد مبارك، بينما دعمت حكومته بملياري دولار سنويًا. تجلت سياسة “حقوق الإنسان”. ونفذتها أميركا بتناقض بين دعم الديكتاتوريات التي تخشى من سيادة ديموقراطيتها لإنتاج سياسات موالية للولايات المتحدة، وتأييد المعارضة الملائمة لواشنطن بتمويل وبناء علاقات مع المجموعات التي تثق بها بنفاق ساطع. لا تتعاطف النخب الأميركية مع ذوي الدخل المحدود والمضطهدين، وتفتقر الديكتاتوريات إلى الشرعية ولديها نزعة للاستهلاك في التفجيرات المفاجئة للغضب الشعبي. يجلب مساندة الديكتاتوريات ردود فعل من أنواع مختلفة، مهما كانت ضرورية للاستراتيجية الأميركية. وثمة أساس استراتيجي لانتقاد انتهاكات حقوق الإنسان أحيانًا من الدبلوماسيين الأميركيين عن دول المقر في برقيات سرية. تعتبر معلومات ويكيلكس مصدر استثنائي لاكتشاف تطور علاقة الحكومة الأميركية بالديكتاتوريات عمليًا، وأساليب المواءمة بين هذه الممارسة والتزامها المعياري تجاه الأممية الليبرالية. ألقى معمر القذافي المهدد من حركة المجتمع المدني التي تحولت في نهاية المطاف إلى عسكرة الانتفاضة بدعم خارجي، باللوم على “مدمني المخدرات وويكيلكس” في مأزقه. واتهم الرئيس السوري، بشار الأسد، “المؤامرة الأجنبية”، لتبرير قصف الأراضي الخاضعة لسيطرة المتمردين. في حين اتهم الرئيس التركي رجب إيردوغان المنتخب والعصبي-المستبد، السكارى ومتصفحي تويتر و”الإرهابيين” بعد انزعاجه من المظاهرات. بدأت حركة شعبية في تونس بعد مضايقة شرطية لبائع الفاكهة المتجول محمد البوعزيزي في 18 ديسمبر 2010. واحتج البوعزيزي على مصادرة بضاعته ومضايقات الشرطة الروتينية التي يعاني منها. تردد صدى تذمره لدى تجارب وتبرم شريحة مكثفة من السكان التي هرعت إلى تنظيم مظاهرات متنامية من حيث العدد، مما أدى إلى الإطاحة بديكتاتور البلاد، زين العابدين بن علي، في 14 يناير 2011. ألهمت المظاهرات التونسية المعارضة المصرية التي اكتسبت زخم تدريجي وقوة لمدة عشر سنوات، لتصعيد انتفاضة شعبية ضد مبارك. وتطورت مظاهرات 25 يناير 2011، الجماهيرية وأعمال العصيان المدني والإضرابات، إلى مواجهة مع قوات الأمن حتى 11 فبراير، عندما أجبر مبارك أخيرًا على الاستقالة. توجست شبكة من الأنظمة الاستبدادية الأوتوقراطية الإقليمية في تلك المرحلة من مخاطر الربيع العربي، وخاطرت الحركات الشعبية بالتمرد في ليبيا، سوريا، البحرين، اليمن، الجزائر، السعودية، وبعد ذلك تركيا. نالت الثورات اهتمام دولي لأن معظم الأنظمة متحالفة مع الولايات المتحدة. وتتشكل قاعدة الهيمنة الأميركية الشرق-أوسطية في مصر وأنظمة الخليج وديكتاتوريات شمال أفريقيا، ناهيك عن إسرائيل. أشعلت ويكيلكس التمرد في الشرق الأوسط. وزاد عدد المتصفحين للإنترنت لمشاركة المعلومات ومناقشتها وتنظيم المظاهرات، بينما كانت مساحة “المجتمع المدني” محدودة للغاية. أوضحت تسريبات ويكيلكس مدى فساد الأوليغارشية الحاكمة في تونس، ووهن الجيش المصري في وقت سيطرته على الاقتصاد. وتفاقمت فظاظة ولغط إيردوغان بعد التسريب، عندما تبين أن لديه ثمانية حسابات مصرفية سويسرية على الأقل، مما ينطوي على فساده المالي. بلورت بيانات ويكيلكس هيئة ومضمون المظالم الشعبية الراسخة. وأورد الباحث إبراهيم صالح في كتابه WikiLeaks and the Arab Spring: The Twists and Turns of Media, Culture, and Power – ويكيلكس والربيع العربي: تحولات ومعارج الإعلام والثقافة والسلطة: “أججت وثائق ويكيلكس الغضب العام في المنطقة، وأثرت في استيعاب الجمهور الدولي لأسباب الربيع العربي. طرحت آراء جديدة عن السياسة العربية بإزالة الحُجُب عن الأسرار المتوارية وازدواجية المعايير ونفاق المسؤولين العرب، وأكدت الشبهات المنتشرة، لتضع الجماهير الساخطة في مواجهة مباشرة مع الحكومات الاستبدادية”.

عن Rokayah

شاهد أيضاً

العالم من أفق الإمبراطورية الأميركية…19

استغل البنتاغون ودعاة الحرب من المحافظين الجدد الذين سكنوا البيت الأبيض في عهد جورج بوش …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *