الثلاثاء , نوفمبر 30 2021
الرئيسية / صحافة / العالم من أفق الإمبراطورية الأميركية…10

العالم من أفق الإمبراطورية الأميركية…10

توثق برقيات ويكيلكس لجرائم حرب وانتهاكات حقوق الإنسان بأمر من الحكومة الأميركية. وتبين المدى الذي تهيأت إدارة جورج بوش للذهاب إليه لحماية المجرمين من الحساب والعقاب بموجب القانون الدولي. تزعم الحكومة الأميركية منذ عقود أنها تحاكم العسكريين على جرائمهم في الخارج في الولايات المتحدة بموجب قوانينها التي تتضمن اتفاق “وضع القوات” بين الولايات المتحدة والدول المغايرة. وسحبت واشنطن القوات الأميركية عندما رفضت الحكومة العراقية التوقيع على اتفاق يمنح قواتها حصانة من المقاضاة بمقتضى القانون العراقي في عام 2011. كانت الحصانة من القانون الأفغاني أيضًا نقطة الخلاف الرئيسية في المفاوضات بين الولايات المتحدة وحكومة حامد كرزاي لإبقاء القوات في أفغانستان إلى ما بعد التوقيت النهائي للانسحاب في عام 2014. وتؤدي الحصانة من القوانين المحلية إلى الإفلات من العقاب، لأن سجل الولايات المتحدة رديء وبائس في محاكمة مواطنيها على جرائمهم أثناء الاشتباك العسكري في الخارج. ثمة مقاضاة لجنود ذوي رتبة منخفضة على جرائم الحرب في العراق، إلا أن موقع Iraq Body Count، أفاد بأنه “لم يجابه جندي أو مسؤول مشارك في حرب العراق مستوى العقاب الانتقامي الذي سعى النائب العام الأميركي إلى فرضه على تشيلسي مانينج التي سربت وثائق عن الانتهاكات الأميركية”، ناهيك عن حماية النخبة والأثرياء والأقوياء من المقاضاة في الولايات المتحدة، بمن فيهم المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان في “الحرب على الإرهاب”. وأجاز باراك أوباما في عام 2009، نشر مستندات وزارة “العدل” التي توضح بالتفصيل “تقنيات الاستجواب الداعمة” التي أمر بها بوش. صرح أوباما في غضون ذلك بأن المسؤولين عن برنامج التعذيب لن يحاكموا، زاعمًا أنه: “وقت التفكير وليس الانتقام”، ومتغاضيًا عن تأثير الانتهاكات الأميركية التي تمنح بقية الدول ذريعة لتبرير جرائمها بزعم أن واشنطن “رائدة حقوق الإنسان”، على سبيل المثال: عندما انتقد معارضون الاعتقالات السعودية، رد عليهم أمير من الأسرة الحاكمة ساخرًا: “وماذا عن سجناء جوانتانامو؟!!”. جدد تنقيح تقرير لجنة المخابرات بمجلس الشيوخ الأميركي في ديسمبر 2014، عن تعذيب المخابرات CIA، الدعوة إلى المقاضاة. وتذرع أوباما بعقيدة حصانة النخبة، قائلاً إن التقرير لا ينبغي أن يقدم “سببًا آخر لإعادة مكافحة البراهين القديمة”. تمهد المحكمة الجنائية الدولية ICC سبيل العدل عندما تكون الدول “غير راغبة أو غير قادرة” على مقاضاة المجرمين. وتأسست المحكمة في عام 2002، بموجب نظام روما الأساسي، المعاهدة الدولية التي أمضت عليها 122 دولة. ولديها سلطة قضائية للتحقيق مع مجرمي الحرب ومنتهكي حقوق الإنسان وجريمة الإبادة الجماعية. حرص المفاوضون الأميركيون على تقليص نفوذ المحكمة واستقلالها في مؤتمر عام 1998، الذي ضم 160 دولة لصياغة نظام روما. وتطلع عدد جم من الدول إلى حصولها على ولاية دولية لمقاضاة الجرائم المقترفة في أي مكان. فرض الاعتراض الأميركي التسوية الآتية: تُمنح المحكمة ولاية على جرائم الأفراد، أو أراضي دولة طرف في نظام روما. وأرادت الولايات المتحدة نيل مجلس الأمن للأمم المتحدة (UNSC) حق النقض ضد الملاحقات القضائية، مما يميز الولايات المتحدة بنفوذ حظر الدعاوى القضائية ضد مواطنيها. رفضت دول المقترح الأميركي في مؤتمر روما. ودعمت منح النائب العام في المحكمة الجنائية المنتخب من الدول الأعضاء، القول الأخير في قضايا المحكمة. أمضى الرئيس الأميركي آنذاك، بيل كلينتون، على قانون روما عام 2000، رغم عدم اقتناعه بنتيجة المفاوضات، لكن لتمكين واشنطن من التأثير على تطور المحكمة وقراراتها. وتحظر حتى الآن مقاضاة الأميركيين والإسرائيليين في المحكمة من منتهكي الحقوق ومقترفي الجرائم. ترأس أميركا جورج بوش في مايو 2002، ورفض التوقيع رسميًا على المعاهدة. صرح نائب وزير الخارجية لشؤون الحد من الأسلحة والأمن الدولي، جون بولتون، بمعارضة إدارة بوش للمحكمة في عام 2003: “تطبق الولايات المتحدة قيمها عند قياس وتقييم شرعية أفعالها سواء كانت لإزالة نظام عراقي مارق واستبداله، أو منع انتشار أسلحة الدمار الشامل WMD، أو حماية الأميركيين من محكمة غير خاضعة للمساءلة!!!”. بكلمات مغايرة، لن تُذعن الولايات المتحدة لقيود القانون الدولي، ولا لسلطة محكمة لا تستطيع السيطرة عليها بمجلس الأمن UNSC.

استثنى بوش الأميركيين من مقاضاة ICC ما لم تنتهك جرائمهم في دولة طرف في نظام روما. ولا يمكن محاكمة أميركي حتى إذا حازت المحكمة على اختصاص، لأنها تعتمد على الدعم المالي والسياسي الغربي. لم تتهم المحكمة إلا أفارقة (المستضعفين فقط) على مدى تاريخها. وكان آخرهم رئيس السودان السابق عمر البشير. تستند المحكمة إلى تعاون الدول لاعتقال وتسليم المتهمين بدون قواتها. ولا يمكن تصور حكومة أميركية تسلم أحد مواطنيها إلى المحكمة الجنائية ICC. سعت إدارة بوش إلى طمس كافة الاحتمالات لمحاسبتها ذات يوم في لاهاي. وأقرت في أوغست 2002، قانون الحماية (ASPA) الذي يمنح للرئيس حق تحرير معتقل أميركي لدى المحكمة بمختلف الوسائل. يحظر ASPA أو “قانون اجتياح لاهاي”، المعونات العسكرية على الدول التي وقعت على قانون روما. واعتمد بوش الإجراءات الإضافية في عام 2004، بعنوان “تنقيح Nethercutt”، ليشمل نطاق العقوبات صناديق الدعم الاقتصادي (ESF) التي تمول “برامج البلدان ذات الأهمية الاستراتيجية للسياسة الخارجية الأميركية، بما في ذلك مبادرات حفظ السلام…ترسيخ الديموقراطية…ومكافحة المواد المخدرة”، باستثناء دول الناتو والحلفاء الرئيسيين من خارج الناتو. يمكن إلغاء العقوبات إذا ارتأى الرئيس أنها مفروضة على دول “ذات أهمية للمصلحة الوطنية الأميركية”. وتتجنب واشنطن المقاضاة في الدول الموقعة على قانون روما بالإمضاء على المادة رقم 98 أو معاهدة الحصانة الثنائية مع الولايات المتحدة التي توافق الدول بموجبها على رفض تسليم الأميركيين إلى المحكمة الجنائية بدون رضى الحكومة الأميركية. أوضحت مئات البرقيات الدبلوماسية التي نشرها ويكيلكس تهديد إدارة بوش بفرض عقوبات ومنح مكافآت لقسر الدول على توقيع معاهدة المادة 98. وأورد تلغراف من هندوراس أن الولايات المتحدة تطبق منهج “الجزرة والعصا”، بإعطاء البلدان الموقعة معونات وقطعها عن الدول الرافضة. غالبًا ما تكون “الجزرة” عبارة عن تعهد غامض بمعاملة تفضيلية. وأخبر دبلوماسيون أميركيون رئيس الوزراء السريلانكي في عام 2002 أن “التوقيع يسبغ اهتمام إيجابي ثمين بين صناع القرار في واشنطن على حكومة سريلانكا!!! بينما قد ينتج عن انتظارها اختلاس الرعد من سريلانكا!!!”. تعهدت واشنطن بمنح جزر المالديف “ائتمان مع الولايات المتحدة إذا انضمت إلينا في وقت أقرب بشأن هذه المسألة الحيوية”. وأُبلغت مملكة ليزوتو الأفريقية التي تكافح لمواجهة وباء الإيدز، في يونيو 2006، أن وضعها كدولة غير موقعة على المادة 98، أدى إلى قطع المعونات. أخبر السفير الأميركي رئيس الوزراء: ” إذا وقعت ليزوتو ستلقى ترحيب كلما سافرت إلى الولايات المتحدة”. وتعرضت الحكومات لضغط مستمر. أعلن وزير الخارجية ميرسيا جيوانا بعد استسلام رومانيا كأول دولة أوروبية ترضخ لمادة 98: “لا أتذكر شيء عن ضغوطهم”. وأسفرت أساليب البلطجة الأميركية عن إدانة عالمية، لا سيما من الاتحاد الأوروبي الذي دعم المحكمة الجنائية. أذاع مجلس الاتحاد الأوروبي في سبتمبر 2002، المبادئ الإدارية لأعضائه التي أفادت بأن: “الإمضاء على المادة 98 بصيغتها الراهنة لا ينسجم مع التزام الدول الأطراف بنظام المحكمة الجنائية”. وأبلغت دول مرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي الولايات المتحدة بأنها لا تستطيع التوقيع على المادة 98 لمعارضة الاتحاد، لكن الدبلوماسيين الأميركيين لم يهتموا باعتراضه. وقالت الولايات المتحدة لكرواتيا إنه لا ينبغي عليها التخوف من أذى دول الاتحاد الأوروبي التي ليس لديها ما تخسره من رفض التوقيع مقارنة بكرواتيا. أخبرت السفارة الأميركية في زغرب الحكومة الكرواتية وفقًا لبرقية أبريل 2003، بأنها “يجب أن تبدأ التفاوض لأن قانون ASPA يستثني دول الناتو من حظر المعونة العسكرية، وبالتالي، لا ترى دول الاتحاد الأوروبي الرئيسية (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) ضرورة في التوقيع”. وأخطر السفير الأميركي وزير العدل في جمهورية مولدوفا الأوروبية عندما تحدث عن “ردود الفعل السلبية من دول الاتحاد الأوروبي التي قد تعيق اندماج مولدوفا”، بأن “الحكومات الأوروبية تغضب لمدة أسبوع فقط”.

ذكرت حكومات مختلفة أنها رغم استعدادها للتوقيع، إلا أنها لن تتمكن من الحصول على موافقة البرلمان للتوقيع على المادة 98، بسبب حرب العراق، لاسيما بعد تسريب صور الجنود الأميركيين عام 2004، الذين ينتهكون حقوق العراقيين في سجن أبو غريب. ولا يمكن تأييد إفلات واشنطن من العقاب وتهربها من القانون الدولي في حين تشن حرب عدوانية غير مشروعة ويمارس جنودها جرائم حرب. تبرهن وثائق ويكيلكس على ازدواجية المعايير الأميركية تجاه القانون الدولي، حيث أوردت أن السفير الأميركي “حث حكومة هندوراس على الإدلاء بتصريحات عن جرائم الحرب العراقية”. وأفادت برقية في يونيو 2004، أن حكومة جواتيمالا أبلغت الدبلوماسيين الأميركيين أن مجلس شيوخها لن يمرر اتفاق المادة 98، ويرجع ذلك جزئيًا إلى انتهاكات أبو غريب التي أمدت منتقدي القانون بذخيرة داعمة. ناشدت حكومة جواتيمالا الولايات المتحدة للإبقاء على سرية الاتفاق بينما تضع استراتيجية للحصول على تأييد الكونجرس. وسردت الوثائق قصة مماثلة في اليمن الذي وقع اتفاق سري عام 2003، بتبادل مذكرات دبلوماسية. طرح الدبلوماسيون الأميركيون في صنعاء “أهمية الإمضاء على المادة 98” في العام التالي، وأشار نائب وزير الخارجية اليماني إلى “أبو غريب وصعوبة مناقشة المادة والتوقيت غير الملائم للولايات المتحدة”. وقعت حكومة البحرين اتفاق سري للمادة 98 مع الولايات المتحدة في فبراير 2003. وأفادت برقية في مايو 2004، من السفارة الأميركية في المنامة بأنه لا يعلم بتوقيع الاتفاق إلا خمسة مسؤولين في وزارة الخارجية البحرينية. ارتأت السفارة الأميركية والحكومة أن البرلمان البحريني سيرفض الاتفاق إذا قدمته للإقرار به. وتضخمت أعداد المعارضين للحكومة البحرينية لسياساتها المساندة للولايات المتحدة، وجعلت صور أبو غريب أخبار اتفاق الحصانة السرية أكثر تأجيجًا للاضطرابات. أخبر مسؤول بحريني في برقية مايو 2004، الولايات المتحدة: “بعدم رغبة الحكومة في إبلاغ البرلمان أو الشعب باتفاق المادة 98، في أعقاب تسريبات أبو غريب في العراق”. وتعهد ملك البحرين في برقية يونيو 2004، بدخول الاتفاق حيز التنفيذ، لكن وزير الخارجية “كافح للعثور على طريقة لتنفيذه بدون حدوث انفجار سياسي”. ضغطت الولايات المتحدة على المنامة لتنفيذ المعاهدة بتبادل البرقيات بدون الحصول على موافقة برلمانية. وتبين دول مختلفة الرد الأميركي القياسي على خشية الحكومات من المعارضة البرلمانية. احتوى تلغراف عام 2005، على تعليق جون بولتون أن “ثلثي اتفاقيات المادة 98 دخلت حيز التنفيذ بمذكرات دبلوماسية”. وجادل بعض أعضاء حكومة البحرين بأن الطريقة غير قانونية حتى تلكأت المفاوضات. بيد أن الولايات المتحدة ثابرت على الضغط، وهددت بقطع المعونات العسكرية إذا لم تستطع البحرين تنفيذ الاتفاق. حذر نائب رئيس البعثة في السفارة الأميركية في البحرين، روبرت ستيفن فورد، واشنطن من أسلوب التهديد الذي قد يفسد العلاقات العسكرية-السياسية مع البحرين. وكتب في برقية مارس 2004 أن البرامج التي ستتأثر بالعقوبات: التدريب العسكري (IMET) وبرامج التمويل العسكري التي تعد “عنصر محوري لتوطيد التشغيل المتبادل للقوات البحرينية-الأميركية في العمليات”. أورد السفير الأميركي، رونالد نيومان، في تلغراف تالي أن ضغط واشنطن من أجل الاعتماد الرسمي “يجب إعادة النظر فيه…لأنه سينتج عنه كرب سياسي لتحقيق مكتسبات متناهية في الصغر…ويمكن الوثوق بالبحرين في عدم تسليم أميركي إلى المحكمة الجنائية، لأن القيام بذلك مخالف للعلاقة الاستراتيجية التي تدعم أمن البحرين وبقائها…لن تحقق الولايات المتحدة بسعيها الحثيث إلى إقرار المعاهدة إلا صيغة قانونية بدون تغيير جوهري عملي…وقد يؤدي اطلاع الشعب على الاتفاق إلى أزمة سياسية تساهم في سحب دعم البحرين لجيشنا في وسط عاصفة عنيفة محلية”. حذر نيومان أيضًا من أن “اغتصاب السجناء في أبو غريب وانتهاك حقوقهم جعلت السلوك الإجرامي الأميركي قضية تحت الأضواء في البحرين…وسيؤدي تسريب اتفاق المادة 98، في هذه الظروف إلى معارضته والتظاهر في الشوارع”، الأمر الذي لا يريده النظام القمعي البحريني ولا داعمه الأميركي. وأفصح نيومان عن “التركيز على العلاقة الأمنية الذي يحرض المعارضين السياسيين لتوسيع دائرة النقاش لتشمل “التنازل” عن حقوق البحرين في اتفاق التعاون الدفاعي الذي وقعت واشنطن والمنامة عليه عام 1991، ويتيح للجيش الأميركي استغلال القواعد العسكرية البحرينية”. يتمركز الأسطول الخامس للبحرية الأميركية في البحرين منذ عام 1995، وموطن للقيادة المركزية البحرية الأميركية. وأمضت إدارة بوش سرًا في عام 2002، على تمديد اتفاق التعاون الدفاعي إلى عام 2016. اعتقد السفير أن الخطر يكمن في نشر أخبار المادة 98، التي قد تجذب الانتباه إلى اتفاق التعاون الدفاعي الممتد بدون معرفة الشعب البحريني. وبرهنت تجربة حلفاء الولايات المتحدة الآخرين في المنطقة على عرقلة المادة 98. طرح الاتفاق في الكويت لاعتماده في أبريل 2007، غير أن نواب البرلمان اعترضوا لأنه ينتهك التزام الكويت بقوانين المحكمة الجنائية، ويضع الولايات المتحدة فوق القانون. قارن نواب آخرون معاملة الأميركيين بموجب الاتفاق باعتقال كويتيين وتعذيبهم في سجن جوانتانامو، وجادلوا بأنه لا ينبغي للكويت الانحناء للبلطجة الأميركية! طرحت الأردن اعتماد المعاهدة في يوليو 2005، حيث صوت “مجلس النواب بأغلبية ساحقة لاستبعاد المادة 98 من جدول أعماله”. ولم يتم اعتماد الاتفاق إلا في العام القادم، بعد أن قرأ ملك الأردن “قانون مكافحة الشغب” على النواب!! استمر الضغط على البحرين على الرغم من توصيات نيومان لمدة عامين. ولا توضح البرقيات فيما إذا رضخ ملك البحرين وأمير الكويت لتنفيذ المادة 98.

تصدى الدبلوماسيون الأميركيون لمعضلة مشابهة في الباراغواي. واعتقدوا أن الإمضاء على المادة 98 يهدد البيئة الممهدة للمناورات العسكرية الأميركية. أبلغت حكومة باراغواي الولايات المتحدة على غرار البحرين أن كونجرس بلادها لن يجيز المادة 98. ووافقت الولايات المتحدة على التقييم، ودعت السفارة الأميركية في أسونسيون إلى تبادل الملاحظات “التي من شأنها توفير الحماية بموجب المادة 98، وإفساح المجال لحكومة الباراغواي لإنكار التوقيع على الاتفاق بتنسيق يفضي إلى تفسيرات متنوعة”. تعرضت حكومة الباراغواي لانتقادات وسائل الإعلام المحلية والدول المجاورة في يونيو 2005، لمنح حصانة الإفلات من العقاب والمقاضاة للجنود الأميركيين الذين يشاركون في التدريبات العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة والباراغواي لمدة 18 شهر. وأعلنت الأرجنتين والبرازيل والباراغواي والأوروغواي نتيجة لذلك، عن اتفاق الأسواق المشتركة عام 2005 (ميركوزور)، التي تقيد الدول الأطراف برفض التوقيع على المعاهدات التي تقوض الولاية القضائية للمحكمة الجنائية. دامت مفاوضات المادة 98 بين الولايات المتحدة والباراغواي لمدة عامين. وصرح الرئيس آنذاك، أوسكار دوارت، برفض التوقيع، إلا أن حكومته أخبرت الولايات المتحدة بأنها تبحث عن أدوات لتوفير الحصانة. أوردت برقية من السفارة الأميركية مرسلة بعد فترة جيزة من انعقاد قمة ميركوزور أن “محامي الباراغواي لمفاوضات المادة 98، توجس من إعلان ميركوزور الذي قد يشكل عقبة إضافية لإبرام الاتفاق”. وحذر تلغراف 7 يوليو المسؤول عن خطط الطوارئ العسكرية الأميركية “لتجنب مناقشة المحكمة الجنائية مع محاوري الباراغواي أثناء الزيارة القادمة”: “تأتي في خضم النشاط الصحافي والسياسي الذي يدعو إلى الارتياب بعلاقاتنا العسكرية. وتعد الباراغواي موطن مهم للتدريبات والأنشطة العسكرية ذات القيمة العالية وقد تجابه ضغوط محلية وإقليمية…يمكن الانتظار إلى ما بعد السحابة الصحافية الوخيمة للتفكير في أنجع السبل المستقبلية”. فرضت واشنطن عقوبات على الباراغواي بعد رفض المادة 98، وألغاها بوش عام 2006، “للمصلحة الوطنية الأميركية”.

بلغ عدد الدول الموقعة 100 في مايو 2005. وخضعت 20 دولة لعقوبات ASPA، وسبع دول لإجراءات Nethercutt، لعدم التوقيع. تضاءل التأييد للإجراءات العقابية في ولاية بوش الثانية، لأن بعض السياسيين والدبلوماسيين الأميركيين توجسوا من تأثيرات العقوبات السلبية غير المقصودة على غايات السياسة الأميركية، وتقويض الهيمنة في البلدان ذات الأهمية الاستراتيجية وليس لتقلص عداء الإدارة تجاه القانون الدولي. حدد تقرير مؤسسة أبحاث الكونجرس الأميركي (CRS) لعام 2007، “تطور الجدل السياسي في الحكومة الأميركية” في سياق تأثير العقوبات المختصة بالمحكمة الجنائية في دول أميركا اللاتينية. وأورد تعليق وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس في مارس 2006، بأن تنفيذ عقوبات ASPA ضد حلفاء أميركا في “الحرب على الإرهاب بمثابة رشق أقدامنا بالرصاص”، مع الإيماء إلى خشية صناع السياسة من تقليل العقوبات لنفوذ الولايات المتحدة في المنطقة، وتطلع الدول المتضررة إلى الصين وروسيا لنيل التدريب العسكري والمعونات المادية والحماية. تعد كوستاريكا من 12 دولة في أميركا اللاتينية رفضت التوقيع على المادة 98، وبالتالي، خضعت لعقوبات ASPA وNethercutt. وأفاد السفير الأميركي في سان خوسيه عام 2005، بأن “تلاشي المعونة العسكرية وESF يساهم حتمًا في اضمحلال النفوذ الأميركي في كوستاريكا ويعقد مكافحة الإرهاب وتجسيد التجارة اللامقيدة”. أشار السفير إلى سحب التمويل الذي قد يؤدي إلى “تقهقر إبحار أسطول خفر السواحل الكوستاريكي وتدهور التهيؤ العملي لمؤسسات إنفاذ القانون على نحو طاقم SWAT”. والأهم من ذلك “غياب التدريب والمعونات العسكرية الأميركية الذي قد يتسبب في ارتياب الكوستاريكيين بقيمة الاتفاق البحري الثنائي مع واشنطن”. يمنح اتفاق 1999، سفن خفر السواحل الأميركية إمكانية تنفيذ دوريات في المياه الكوستاريكية وتحليق الطائرات الأميركية في مجال البلاد الجوي. واشتعل الجدل بعد تمديد الاتفاق في عام 2010، لتمرير السفن الحربية الأميركية التي تحمل مروحيات بلاك هاوك ودخول طائرات مختلفة إلى مياه كوستاريكا. أرسل السفير: “مهمتنا تكمن في العثور على منفذ للمعضلة التي تواجهها حكومة كوستاريكا لأنها أيضًا تشكل أزمة للولايات المتحدة، بينما نجتهد لإعاقة تدفق المواد المخدرة غير المشروعة، ومنع الإرهابيين، وتعميق علاقة تجارية دائمة النمو مع كوستاريكا”. اعتبر بوش في أكتوبر 2006، أنه من المصلحة الوطنية الأميركية إلغاء قيود IMET عن كوستاريكا. ورحب سفير الولايات المتحدة في سان خوسيه باستئناف التدريب العسكري الأميركي الذي يمكن الولايات المتحدة من النفوذ والتأثير على كبار المسؤولين.

خشيت السفارة الأميركية في البرازيل من القيود المفروضة على برنامج التدريب العسكري (IMET)، مما يتضمن انعطاف وزارة الدفاع إلى دول مغايرة للحصول على التدريب والتبادل العسكري. وذكرت برقية في مارس 2004، أن: “فرنسا وبريطانيا هيمنت على الضباط البرازيليين استنادًا إلى مصادر عسكرية، الذين يتم إرسالهم أيضًا إلى برامج تدريبية في الصين والهند وجنوب أفريقيا”. يساهم وهن “العلاقات بين قواتنا”، بسبب العقوبات “في الإضرار بحيازة شركة لوكهيد مارتن الأميركية المصنعة للأسلحة على عقد برازيلي لشراء طائرات F-16 بقيمة 700 مليون دولار. وقد تبحث البرازيل عن شراء الطائرات من دولة مغايرة في ظل الحظر الأميركي”. ألغت البرازيل خطتها لشراء طائرات بسبب قيود الميزانية. وأفادت برقية من 22 ديسمبر 2004، بأن الحكومة “تراجع فيما إذا ستشتري طائرات بتكلفة أقل، وفي هذا الصدد، ستكون طائرات لوكهيد مارتن F-16 المسار الداخلي”. تضمن التلغراف تمكن الدبلوماسيين الأميركيين من إقناع الجنرالات في القوات الجوية البرازيلية بأن شراء F-16 المستعملة منطقي من الناحية العملية والاقتصادية. وقد لا تستطيع الحكومة الحصول عليها بسبب لدغة ASPA في البلدان التي لا توقع على المادة 98، وتتساءل عن مصداقية الولايات المتحدة كمورد وشريك استراتيجي. ألغى بوش قيود IMET ضد البرازيل في عام 2006، بذريعة المصلحة الوطنية. صوتت واشنطن للمرة الأولى عام 2011، لقرار مجلس الأمن الذي يحيل الوضع في ليبيا إلى المحكمة الجنائية. وصوت الكونجرس الأميركي في عام 2013، لتمديد برنامج المكافآت من أجل “العدل” الذي يقدم مكافآت مالية مقابل الحصول على المعلومات التي تؤدي إلى اعتقال المشتبه بهم في “الإرهاب” الإسلامي فقط أما الإرهاب المسيحي واليهودي حلال ويمكن التغاضي عنه!! اختارت الإدارة دعم إحالة مجلس الأمن بشأن ليبيا إلى المحكمة الجنائية لإزاحة معمر القذافي في أقرب وقت. وتستثني الولايات المتحدة مسؤوليها ومواطنيها من المعايير والقوانين التي تفرضها على بقية العالم.

واظبت إدارة أوباما على استثناء انتهاكات حليفها الرئيسي في الشرق الأوسط، كيان الاحتلال في فلسطين، وإبقائه خارج نطاق اختصاص المحكمة الجنائية. ودعمت واشنطن في مايو 2014، قرار مجلس الأمن لإحالة جرائم الحرب في سوريا إلى المحكمة الجنائية بشرط ألا تحقق المحكمة في جرائم الإسرائيليين في هضبة الجولان السورية المحتلة، وآخرها اغتيال المناضل مدحت صالح في الجولان. لكن التهديد الأهم التحقيق في جرائم الحرب الإسرائيلية ضد الفلسطينيين. ولم تكن إسرائيل ولا فلسطين طرفًا في نظام روما آنذاك، رغم أن عضوية فلسطين في المحكمة غيرت ذلك، إلا أن إدارة أوباما حاربت علنًا وسرًا مع إسرائيل لمنع الفلسطينيين من الانضمام إليها. تحدث المحامي العسكري للجيش الإسرائيلي، الجنرال ماندلبليت، بمقتضى تلغراف فبراير 2010، مع السفير الأميركي في تل أبيب عن المحكمة الجنائية “القضية الأكثر خطورة بالنسبة لإسرائيل”. وناقش لقاء وزير العدل الفلسطيني بنائب المحكمة العام، لويس أوكامبو للتحقيق في جرائم الحرب الإسرائيلية في فلسطين المحتلة. حذر ماندلبليت من مقاضاة تل أبيب في المحكمة التي يعتبرها حرب على “حكومة إسرائيل”!!! وحث السفير الأميركي على تنبيه السلطة الفلسطينية لإدراك خطورة أفعالها!!! طمأنه السفير ماندلبليت بأن “الولايات المتحدة تضغط على السلطة الفلسطينية لحظر التحقيق”. وتماهت السلطة الفلسطينية بقيادة العميل محمود عباس، مع الخط الأميركي-الإسرائيلي بشأن التحقيق في جرائم الحرب. وافقت في عام 2009، على تأجيل تحويل تقرير جولدستون إلى مجلس الأمن عن عملية الرصاص المصبوب. وخشيت الولايات المتحدة وإسرائيل من أن تؤدي الإحالة إلى تحقيق في الجرائم الإسرائيلية في هجوم عام 2008-2009 على غزة. أوردت تسريبات الجارديان عام 2015، أن عباس تخوف من تغلب منافسه حماس إذا وافق على رفع دعوى في المحكمة!! لكنه انضم إلى المحكمة في ديسمبر 2014، بعد فشل قرار مجلس الأمن الذي يدعو إلى تأسيس دولة فلسطينية. وأعلن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون في يناير 2015، عن عضوية فلسطين اعتبارًا من 1 أبريل، ومقاضاة الجرائم الإسرائيلية وانتهاكات تل أبيب بعد 13 يونيو 2014. أدانت إدارة أوباما الانضمام الفلسطيني وزعمت بأنه يأتي بنتائج عكسية. استمر موقف واشنطن في ادعاء أن فلسطين ليست دولة ذات سيادة، وبالتالي، غير مؤهلة للانضمام إلى المحكمة الجنائية. وصادر إسرائيل 127 مليون دولار من موارد الضرائب المستحقة للسلطة الفلسطينية. صرحت النائبة العامة في المحكمة فاتو بنسودة في 16 يناير 2015، ببدء تحقيق أولي في الهجوم العسكري الإسرائيلي على غزة عام 2014، الذي أسفر عن مقتل أكثر من 2100 من سكان غزة، من بينهم 500 طفل. ورفض الإسرائيليون تصريحها والتعاون معها، في حين حذر وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان من أن إسرائيل “تسعى إلى تفكيك المحكمة الجنائية!!!”. أصدرت وزارة الخارجية الأميركية بيان للاعتراض “بشدة” على قرار بنسودة، وتعهدت بمعارضة الإجراءات ضد إسرائيل في المحكمة الجنائية لأنها تؤثر سلبًا على “عملية السلام” الميتة. تكثفت أصوات الشيوخ الأميركيين لحظر 440 مليون دولار من المعونات الأميركية إلى فلسطين إذا اشتكت ضد الإسرائيليين في المحكمة الجنائية، في حين تتدفق ملايين الدولارات سنويًا إلى تل أبيب. وبرهنت تصرفات أوباما على التزام الولايات المتحدة بالمعايير المزدوجة المتمثلة في إخضاع أعداء أميركا لقواعد القانون الدولي، وحماية ذاتها وحلفائها من القانون والمحاكمة.

عن Rokayah

شاهد أيضاً

العالم من أفق الإمبراطورية الأميركية…19

استغل البنتاغون ودعاة الحرب من المحافظين الجدد الذين سكنوا البيت الأبيض في عهد جورج بوش …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *