الثلاثاء , نوفمبر 30 2021
الرئيسية / صحافة / العالم من أفق الإمبراطورية الأميركية…9

العالم من أفق الإمبراطورية الأميركية…9

فزعت واشنطن من رئيس الإكوادور، رفائيل كوريا، بعدما تعهد بتنفيذ “اشتراكية القرن الحادي والعشرين”. وبرهنت برقيات ويكيلكس على قلق السفارة الأميركية في العاصمة كيتو من ظهور الحصان الأسود الجماهيري والمرشح المضاد لأميركا، كما حدث مع جان برتراند أريستيد في هايتي الذي تضايقت واشنطن من التأييد الشعبي لسياساته المناهضة لعولمة الاقتصاد. لكن المنهج الأميركي في الإكوادور اتسم بأنه أكثر دهاءً واسترخاءً مما هو عليه في فنزويلا وهايتي وهندوراس. وكانت تدخلات واشنطن محدودة وانتقائية ومجردة من التخريب التقليدي والتخطيط لانقلاب أو الاقتحام العسكري، بغض الطرف عن المسألة الشائكة المتمثلة في انتهاكات كولومبيا لسيادة الإكوادور في حربها التي تدعمها الولايات المتحدة. تميز رافائيل بشخصية سياسية في الفترة التي حاولت فيها إدارة بوش إرضاء أميركا اللاتينية للقبول بمنطقة التجارة الحرة للأميركتين (FTA). واستطاع هوغو شافيز في فنزويلا آنذاك منع محاولة انقلاب مدعومة من الولايات المتحدة، ونفذ أجندة يسارية لإعادة التوزيع والإنفاق العام حتى أنشأ الائتلاف البوليفاري لشعوب أميركا اللاتينية (ALBA)، بالتحالف مع كوبا وبوليفيا ونكاراغوا والإكوادور. تجاوزت مقاصد ألبا التعاون التجاري إلى دمج الدول الأعضاء في جدول أعمال يسارية سياسية واجتماعية. وتضمنت الاتفاقيات تأسيس شركة طاقة حكومية-دولية PETROSUR، لتمويل البرامج الاجتماعية، والتكتل الإعلامي الإقليمي TeleSUR، الذي تعتبره الحكومة الأميركية كيان عدائي. أمضت الإكوادور في مطلع الألفية عام 2000، على شراكة مع الولايات المتحدة في مشروعها النيوليبرالي “السوق اللامقيد”. وساهمت في حروب واشنطن بإقلاع طائرات المراقبة الأميركية من قاعدتها الجوية في مانتا على غرار مساهمة الدوحة في حروب الشرق الأوسط بإقلاع الطائرات الأميركية من قاعدة “العديد” القطرية إلى العراق وسوريا واليمن وأفغانستان…إلخ، وقاعدة “الظفرة” الجوية في الإمارات. وافقت كيتو على نظام الدولرة (التعامل بالدولار) في يناير 2000، بدلاً من التعامل بعملتها المحلية نتيجة التحول في السياسة الأميركية عام 1999، في نهاية عهد بيل كلينتون. وكانت آخر مرة شاركت فيها الولايات المتحدة في “دبلوماسية الدولار”، في محاولة لتصدير الدولار إلى بلدان أميركا اللاتينية، في مستهل القرن العشرين، حيث سعت الدبلوماسية الأميركية إلى تحفيز أميركا اللاتينية على اعتماد الدولار إلى جانب عملتها الوطنية. نتج عن الدولرة مزايا، لا سيما في البلدان أو الاقتصادات المستقلة جزئيًا حيث تتمركز أعداد هائلة من العمال الأميركيين. ويمكن تبني العملة المزدوجة لاستدامة نظام جيم كرو الأميركي للتمييز العنصري بدفع أجور العمال الأميركيين بالدولار والسكان المحليين بالعملة “الوطنية”. انحازت الولايات المتحدة في عهد بريتون وودز والحرب الباردة إلى إلغاء الدولار في أميركا اللاتينية وحماية العملات المحلية المستقرة. وأسفر ذلك جزئيًا عن صناع السياسة الأميركيين الذين أدركوا الدرس المستفاد من فترة ما بين الحربين الأولى والثانية: في النظام المالي الذي يقيد العملات بقيمة قد تؤدي إلى تراكم الاضطراب الدولي. تضمن إقرار بتطوير قاعدة صناعية راسخة لتطبيق ضوابط رأس المال وبث السياسة المالية لدعم النمو الاقتصادي. وبلغت الدولرة العدوانية ذروة التحول الليبرالي الجديد. اشتمل على تنازل الحكومات القومية عن السيطرة على سياستها المالية والمقايضة المادية كأدوات مهمة للتدخل “الديموقراطي” في اقتصادات السوق من أجل مكافحة التضخم الذي دمر الاقتصاد الإكوادوري في التسعينيات 1990، واستدامة ظروف استثمار مستقرة للتمويل. وأوردت المنشورات الحكومية الأميركية أن التغيير يهيئ فرص اقتصادية للمؤسسات المالية الأميركية، ويؤسس قاعدة حيوية لمنطقة التجارة اللامقيدة. لم يعد تخفيض قيمة العملة هدية من الحكومة الوطنية، إنما بسيطرة مجلس الاحتياط الفيدرالي الأميركي، مما ساند النخب المحلية المتحالفة مع واشنطن لتأمين السياسات النيوليبرالية التي تزامنت مع تخفيض الرواتب، فقدان العمل في القطاع العام، وارتفاع أسعار الغاز. وتلاقت المظاهرات للاعتراض مع تصاعد قوس التعبئة لسكان البلاد الذي شكل جزءًا من الحركة الشعبية التي أوصلت رافائيل كوريا فيما بعد إلى سدة الرئاسة.

أرسلت السفارة الأميركية في كيتو عام 2005، عندما تولى رافائيل مسؤولية وزارة الاقتصاد في حكومة منتخبة إلى أنه “من أشد المنتقدين لمفاوضات اتفاق التجارة اللامقيدة FTA”. وأراد إقصاء السياسة المالية المتزمتة للإدارة السابقة المتحالفة مع الولايات المتحدة واستثمار موارد النفط في أجور القطاع العام والتنمية. انتقد “لبرلة التجارة لصندوق النقد الدولي والإصلاحات الاقتصادية التقليدية”. وأشارت برقية ثانية إلى أن “رافائيل أدلى بتصريحات عامة في 21 أبريل عن ضرورة إعادة التفاوض على الديون الخارجية، وإنفاق موارد النفط على البرامج الاجتماعية، وأنه ينبغي أن تكون الإكوادور ذات سيادة في علاقاتها مع صندوق النقد الدولي IMF، وإذعان اتفاق التجارة اللامقيدة لاستفتاء الشعب حيث من المرجح رفضه”. أبلغت برقية ثالثة عن مخاوف رئيس البنك المركزي من تصريحات رافائيل التي قد تؤدي إلى خسارة مالية جمة”. وأنذرت البرقية التالية من: “مؤشرات وزير الاقتصاد المتهور الذي يفكر في تأجيل دفع الديون”، رغم أن تنازل الحكومة لحركة شعبية بزيادة الإنفاق العام لا ينبغي أن يكون مصدر قلق مفرط لواشنطن. لا تزال الإكوادور مصابة بآفة الفقر منذ 33 عام عندما تعهد الديكتاتور العسكري اللواء رودريغيز لارا، باستغلال موارد النفط في البلاد للتخفيف من حدة الفاقة. وأصبحت السيطرة على النفط وتحويل موارده من سداد الديون إلى الإنفاق الاجتماعي ضرورة مُلِحّة. باتت ديون الإكوادور عنصر رئيسي في “المنفعة” المالية وتحفيز الحكومات المتعاقبة على تنفيذ نموذج واشنطن. وتنازلت الحكومة عن مسؤوليتها المالية. اعترض رافائيل على الدولرة. ودعم سيطرة الدولة على حقول النفط وإنهاء الاتفاق مع الجيش الأميركي. ليس من المستغرب نفور المؤسسات المالية الدولية من أفكار رافائيل التي اعتقدت أنها “عفا عليها الزمن”، وتواصلوا مع كبار المسؤولين لإحباط أجندته. احترست الحكومة الأميركية من الناحية التقنية. وتطلعت إلى منظمة الدول الأميركية OAS لرصد الأوضاع. ارتابت الحكومة الإكوادورية من زيارة واس. وأوصت السفارة بـ”تحريض بعثة واس على مناقشة مواضيع تقدمية، وتشتيت الانتباه عن تقييم التغيير في الحكومة لتقليص المقاومة المحلية للرقابة الخارجية على الوضع السياسي الداخلي”. رنا رافائيل إلى الفوز بالانتخابات الرئاسية لعام 2006، واستثمرت الولايات المتحدة في “مجموعة تفعيل الانتخابات” لتجنب دعم “السياسيين الشعبيين الذين يتعهدون بحلول سحرية لم تنجح في أي مكان”. حذرت السفارة في: “اتصالاتنا السياسية والاقتصادية والإعلامية من تهديد رافائيل لمستقبل الإكوادور!!!”. ونفذ الصندوق “الوطني للديموقراطية”، المنظمة التي تأسست في الثمانينيات، مهام متوارية لوكالة المخابرات CIA، التي أنفقت آنذاك مليون دولار في الإكوادور، وخصصت جزء من المبلغ لتمويل أنشطة المعارضين لرافائيل. أوردت السفارة أنها تبقي الحوار مفتوحًا مع رافائيل “لتفادي الجفاء”. وفاز في الانتخابات رغم التمويل الأميركي للمعارضين. ارتأت الولايات المتحدة أنه يترأس “أقوى منظمة سياسية شهدتها البلاد منذ عودتها إلى الديموقراطية عام 1979”. وجسد نموذجه تغيير جذري في الأجيال، بتمثيله في الجمعية الوطنية: “شاب نسبيًا، مثقف جيد، داعم للنساء والإكوادوريين من جذور أفريقية”. اعتقدت السفارة أن برنامجه صيغة وسطية من “اشتراكية القرن الحادي والعشرين لشافيز وموراليس”. وباغت رافائيل الأميركيين بحكومته التي لم تهتم السفارة الأميركية بإصلاحاتها الدستورية عام 2008. وأورد صندوق النقد الدولي أنه “لا ينبغي التوجس منه”.

استبشرت واشنطن بالمؤشرات القادمة من الإكوادور واستعداد رافائيل لمحاربة الحركات الاجتماعية التي أوصلته إلى كرسي الرئاسة، كما حدث عندما أدت المظاهرات إلى انقطاع النفط: “ألمح رافائيل إلى أنه لن يساند المظاهرات التي تؤثر على موارد النفط، بخلاف الإدارة السابقة التي أرسلت فريق للتفاوض مع المجتمعات المحلية على فوائد إضافية”. انسحبت الإكوادور من المعاهدات الثنائية التي تشمل الولايات المتحدة؛ وتركت المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار، محكمة البنك الدولي الناشئة عام 1965 للقضاء في النزاعات بين الدول ورأس المال الخاص؛ رفضت مناشدات من شركات مثل Apple وRIM لإلغاء الرسوم الجمركية؛ نقحت قانون الملكية الفكرية لدعم شراء الأدوية الذي يتضمن عقاقير المناعة البشرية (الإيدز)، باعتبارها مصلحة عامة حيوية، مما يعكس رغبة الإدارة في العودة إلى استبدال الواردات، وإنتاج الأدوية من أجل الشركات المحلية بدلاً من الشركات متعددة الجنسيات. وضغطت الولايات المتحدة على الإكوادور بدلاً من شيطنة حكومتها والتخطيط لانقلاب عسكري. ثمة أدلة في برقيات الضغط، المناورات السرية، براءات اختراع الأدوية، والتنسيق مع شركات الصيدلة، وإن كان ذلك بتأثير ضئيل. ويبدو أن السفارة اكتفت بالتذمر، حيث اشتكت من “صد شركة Apple وRIM، “الأيقونية” وعدم الترحيب بها بأذرع مفتوحة، إهمال قادة الإكوادور لروح المبادرة، للتركيز على تهيئة المجتمع، حماية الموارد، وعمل الشركات الخارجية في الإكوادور بشروط محددة”. أقرت الولايات المتحدة على مضض بنجاح الحكومة واستقطاب المستثمرين إلى البلاد، رغم تحذيرها من حصان رافائيل الأسود وحلوله السحرية. وتفاعل السفراء والدبلوماسيون مع الرئيس بكلام منمق بعدما لاحظوا أن سياسات الحكومة “عملية” أكثر من خطابها. اعتقدوا أن لديهم مجال للمناورة طالما أن الإدارة تسعى إلى التطوير ضمن اقتصاد دولي بهيمنة الولايات المتحدة. عكست الإصلاحات الطموحات الوسطية والتقدمية المرتبطة بما اعتبرته السفارة الأميركية تغيير الأجيال في السياسة الإكوادورية. وتعارضت قومية رافائيل وإصلاحاته مع ميول الدبلوماسيين الأميركيين المعتنقين لعقيدة “المشاريع اللامقيدة”. تستمر مشاركة الإكوادور في المؤسسات الدولية على نمط منظمة التجارة العالمية WTO، وصندوق IMF. وقد لا تتمكن من إزاحة الدولرة التي قدمت متراس مضاد للتضخم الذي سعى إليه المستثمرون الماليون. ربما تتسع آفاق المستثمرين الأميركيين بتطوير قاعدة صناعية إكوادورية مستقلة. وتثبت كيتو أن الإرغام الباهت للعلاقات الاقتصادية ينفذ مهام جمة بعد غرس تبعية الاقتصاد ودمغ الرأسمالية الدولية باتجاه مؤسسي وهيمنة أميركية.

عن Rokayah

شاهد أيضاً

العالم من أفق الإمبراطورية الأميركية…19

استغل البنتاغون ودعاة الحرب من المحافظين الجدد الذين سكنوا البيت الأبيض في عهد جورج بوش …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *