الثلاثاء , نوفمبر 30 2021
الرئيسية / صحافة / العالم من أفق الإمبراطورية الأميركية…7

العالم من أفق الإمبراطورية الأميركية…7

قد تزعم واشنطن أن قتل المدنيين أثر جانبي، ووفاتهم نتيجة ثانوية مؤسفة لحرب عسيرة. لكنها تنجرف إلى منطق تنظيم القاعدة وتصريح أسامة بن لادن عن هجمات مركز التجارة العالمي المسجل يوم 20 أكتوبر 2001: “لم يقصد الرجال الذين أعانهم الله [في هجوم 11 سبتمبر] قتل الأطفال، إنما أرادوا تدمير أعتى قوة عسكرية في العالم ومهاجمة البنتاجون الذي يحتوي 64000 عامل، ويعد مركز عسكري للقوات والاستخبارات العسكرية. كان البرجان التوأمان قوة اقتصادية وليس مدرسة أطفال أو مسكن مدني. ويدعم العاملون فيهما أهم قوة اقتصادية في العالم”. أعلن بن لادن أولاً أن مقتل الأبرياء والمدنيين لم يكن مقصودًا، وأثر جانبي لحرب مقسطة، وثانيًا، حدد سمات المدني بطريقة ملائمة لغايته السياسية. إن ادعاء المرء بأنه لم يقصد قتل المدنيين عندما يقصف أماكن تجمعاتهم هراء. وشنت الولايات المتحدة حربها على العراق على نحو مشابه. كانت ساحة المعركة في الأساس مدنية للهيمنة على المدن. وبات الهجوم المزدوج على مدينة الفلوجة (المثلث السني) في أبريل ونوفمبر من عام 2004، رمزًا للاحتلال. كانت الفلوجة من المدن السلمية في الأشهر الأولى للغزو. وانبثق العنف فيها عندما رشقت القوات الأميركية بالرصاص مظاهرة سلمية معترضة على قرار الاستيلاء على مدرسة في 28 أبريل 2003، مما أسفر عن مقتل 20 متظاهر، بالإضافة إلى رشق أولئك الذين حاولوا انتشال الجثث وطواقم الإسعاف. اجتاح الأميركيون المدينة في أبريل 2004، بعدما قتل متظاهرون أربعة متعاقدين مرتزقة. وشهدت عملية “العزم اليقظ”، مقتل 600 عراقي، حتى أجبرت القوات الأميركية على التراجع مؤقتًا. أذاع موقع ويكيلكس في عام 2007، وثيقة عن العملية بتقرير سري للحكومة الأميركية عن حصار الفلوجة في أبريل 2004. وتضمنت مبررات الهجوم أن المكان كان يعج بعناصر القاعدة. غير أن التقرير اعترف بأن الفلوجة أصبحت رمزًا لمقاومة الاحتلال الأميركي التي هيمنت على العناوين الرئيسية الدولية. وصب الأميركيون جام غضبهم على سكان الفلوجة بالأسلحة الكيميائية المحرمة دوليًا التي أدت إلى معاناتهم من تشوهات الولادة والسرطان حتى هذه اللحظة. وسم التقرير التعاون الفضفاض بين معارضي أميركا بـ”نادي محور الشر” الذي انضم إليه “أعداء ينتمون إلى فئات متنوعة من الشعب تشمل البعثيين وجنود نظام صدام، قوميين، متزمتين دينيًا، مجرمين، ومقاتلين أجانب”. لكن العسكريين الأميركيين أنكروا محتوى التقرير الذي أومأ إلى يسر هزيمة المعارضين للاحتلال الذي لا تقبله مختلف الشعوب الأبية مهما كانت شعاراته. وتجمدت عملية “العزم اليقظ” لأسباب سياسية مرتبطة جزئيًا بفضيحة التعذيب في أبو غريب، مما أسخط باول بريمر، رئيس العراق آنذاك!!! لأن تقليص الهجوم بدا كهزيمة للقوات الأميركية. لم تستطع واشنطن التراجع نهائيًا، وأخضعت الفلوجة لغارات واعتداءات متواترة لمدة ثلاثة أسابيع بعد إعلان الهدنة التي اعتبرها التقرير “تسمية خاطئة”. تكثف القصف في نوفمبر 2004، بعنوان عملية “انتقام الشبح”. وقصفت الولايات المتحدة لتحريض السكان على مغادرة الفلوجة باستثناء الذكور في مرحلة التجنيد الذين مُنعوا من الخروج، ثم أغلقت المدينة لمنع الباقين من النجاة. أبلغ مواطنون عن جرائم حرب تتضمن قصف المستشفيات واقتحامها عسكريًا، ضرب الأطباء والهجوم على سيارات الإسعاف. واتضح لاحقًا أن الولايات المتحدة استعانت بالفوسفور الأبيض، المادة الكيميائية التي تحرق اللحم وتذوب العظام التي قصف بها الأتراك شمال-شرق سوريا في السنوات الأخيرة حتى شوهت أجسادهم. أكدت تقديرات المنظمات غير الحكومية مقتل ما بين 4000 و6000 مدني الذي يتجاوز عدد القتلى في هجوم 11 سبتمبر الذي أزعجتنا به واشنطن وكأن دماء الأميركيين أغلى من دماء العرب التي تسكبها واشنطن كالمياه، بالإضافة إلى هدم 36000 منزل و9000 متجر و65 مسجد و60 مدرسة (هل حصل العراقيون على تعويض؟ أبدًا، لأن الخائن الذي جلب القوات الأميركية إلى بلاده لا يستحق إلا الدعس بالجزمة العسكرية). وبرر الأميركيون جرائمهم بعد ذلك بالهجوم على “خلية لتنظيم القاعدة” في المدينة التي تبين فيما بعد أنها لقادة المقاومة المحليين. اختار الأميركيون 350000 نازح مجرد من ممتلكاته للعودة إلى المدينة، والإذعان للمسح البيومتري (المقاييس الحيوية)، والانضمام قسرًا إلى كتائب على الطراز العسكري لإعادة إعمار الفلوجة. واتسم هجوم الفلوجة بوحشية الأساليب التي تكررت لغزو مدن عراقية مختلفة. أعدت ثلاثين منظمة غير حكومية تقرير لمنتدى السياسة العالمية عام 2007، لتحليل أنماط المحتلين عند مهاجمة البلدات والمدن الرئيسية. وناقش تقنيات إخضاع المراكز السكانية في العراق، مستشهدًا بسبعة عناصر:

1-تطويق المدينة وإغلاق منافذها كما حدث في الفلوجة وتلعفر حيث شيد المحتلون سور بارتفاع ثمانية أقدام حول المدينة قبل الهجوم;
2-إخلاء الباقين من السكان بالقوة العسكرية (الفلوجة والرمادي);
3-قطع الغذاء والماء والكهرباء (الفلوجة وتلعفر وسامراء);
4-التضييق على المراسلين وحجب التغطية الإعلامية (مثلما فعلت السعودية في اليمن بمنع دخول الإعلاميين باستثناء الموالين للعدوان لاسيما في السنوات الأولى من الحرب عندما كان الحديث عنها محرمًا، ولا تزال القنوات العربية في الغالب تتجنب الحديث عن حرب اليمن حتى لا تغضب الشقيقة الكبرى!!! أما تغطية قناة العربية السعودية والجزيرة القطرية للحرب فظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ…ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا)؛
5-قصف مكثف لتدمير البنى الأساسية (مثلما حدث في حرب اليمن منذ عام 2015);
6-مهاجمة المدن على نطاق شاسع برصاص القناصة وإخضاع الناجين لتفتيش عنيف؛
7-مهاجمة المستشفيات وسيارات الإسعاف والمنشآت الطبية (دمر تحالف السعودية 50% من مستشفيات اليمن وبالكاد يستطيع المتبقي منها استقبال المرضى في ظل انقطاع الكهرباء ومنع استيراد الوقود والاستيلاء على موارد الطاقة الداخلية).

قد تدعي واشنطن أن قتل المدنيين انحراف عن السلوك “الأميركي” الاعتيادي. وتنعت بوش بالمتطرف الذي هجر مبادئ التعددية والقانون والنظام لشن حرب غير عملية. بيد أن الانتهاكات الهمجية في وثائق ويكيلكس تثبت أنها ليست انحراف استثنائي، إنما منهج متعمد من احتلال الفلبين إلى هايتي بأساليب ترويع المدنيين بدأ بنقل مخاطر الحرب إلى المدنيين وانتهى بالتعامل مع المدنيين وكأنهم صَخْر الْأَدِيم للمعارضة ومقصد مشروع. يعد الإرهاب عنصر أساسي للإمبراطورية الأميركية ولا يقل أهمية عن القوة الناعمة والأموال. يجب قمع المدنيين الطامحين إلى استبدال العسكرة المستبدة المتوائمة مع الإمبراطورية المستندة إلى ضفيرة من الدول “الوطنية” المنفذة للمصالح الأميركية والمؤيدة لنظام الأسواق اللامقيدة. وتحتكر الإمبراطورية التصنيفات وترسيخها كما رأينا مع مطاردة ويكيلكس ومؤسسها جوليان أسانج بدعم المحاكم والسياسيين الذين يبررون تصرفها بمحاربة “الإرهاب”. بات “الإرهاب” مرادف لممارسات العدو بغض الطرف عن صوابها. وتوضح ملفات جوانتانامو تحول نظام التعذيب إلى دائرة من ردود الفعل، حيث استغلت المعلومات المنتزعة أثناء التعذيب والمفتقرة إلى البراهين لتحديد المعتقلين الذين يمكن تعذيبهم وحبسهم رغم انعدام ارتباطهم بطالبان أو تنظيم القاعدة. تفاعلت الولايات المتحدة مع وثائق ويكيلكس بالقبض على المتهم بتسريب برقيات وزارة الخارجية، الجندي برادلي أو تشيلسي مانينج، وتعذيبه. وأجبر على الاستقالة المتحدث عن وزارة الخارجية الذي انتقد اعتقاله. لن يخسر المسؤولون عن برنامج التعذيب مهنتهم، ولن يتهموا باقتراف جرائم، ناهيك عن تجريدهم من ملابسهم وإيداعهم في الحبس الانفرادي لمدة عام مثلما حدث مع برادلي في القاعدة العسكرية الأميركية في الكويت. يمارس الأميركيون التعذيب في حين يصرحون بمادة البروميد المخدرة: “لا نعذب”. ويتعرض الضحايا للإغراق بالمياه، حتى تستنشق الرئتان المياه لا إراديًا. يُعلقون بالوضع المقلوب من السقف مع تقييد أيديهم خلف ظهورهم حتى يحطم الضغط صدورهم مما قد يؤدي إلى وفاتهم. ويُحبسون في توابيت ممتلئة بالهوام والديدان. يُغتصبون بعصي كيميائية وكهربائية، ويُجبرون على ممارسة الاستمناء وتقليد السلوكيات الجنسية. ثم يستفسر السياسيون الأميركيون بتصنع الغباء والجهل: هل يُعتبر ذلك “تعذيب”؟ لا، أبدًا، إنه مجرد ترفيه وتسلية!!! وقعت الحكومة الأميركية على معاهدة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب في عام 1994، بعد عشر سنوات من اعتمادها بالجمعية العامة للأمم المتحدة. ويعرف البند رقم 1 من المعاهدة التعذيب بـ”سلوك مقصود يؤدي إلى ألم ومعاناة شديدة سواءً كانت جسدية أو نفسية وذهنية، للحصول من المضطهد أو من طرف ثالث على معلومات واعتراف، أو لمعاقبته على سلوكه أو تصرف طرف ثالث، أو للاشتباه في اقترافه جريمة، أو إرهابه وإكراهه أو تخويف طرف ثالث، أو لسبب على أساس التمييز بشتى أنواعه، بتحريض أو موافقة مسؤول عام أو شخص آخر يتصرف بصفة رسمية. ولا يشمل ذلك الألم والمعاناة الناشئين من العقوبات القانونية…لا يجوز التذرع بظروف استثنائية كمبرر للتعذيب، سواءً كانت الدولة في حالة حرب أو تهديد بالحرب أو لا استقرار سياسي داخلي أو طوارئ عامة”، مما يوفر أرضية لمقاضاة جناة التعذيب.

ثمة ثلاث ثغرات في التعريف: أولاً، غموض الممارسات التي ينتج عنها ألم “شديد”. ولا يمكن تحديد كمية الألم بطريقة موضوعية، لأنها استجابة ذاتية. أوردت “مذكرات التعذيب”، مجموعة من القوانين الشائنة التي صاغها نائب معاون المدعي العام جون يو عام 2002، الذي اعتبر التعذيب مباح إذا كان لا يؤدي إلى إصابة خطيرة أو فشل أعضاء. ثانيًا، التأكيد على وجوب ممارسة التعذيب “عمدًا”، مما يجعل من المستحيل التحقق من التعذيب بدون إقرار الجناة الذي لن يحدث في الغالب. وثالثًا، تسبغ المعاهدة شرعية على أشكال التعذيب “القانونية” التي تحددها الدولة، وتستثني الألم والمعاناة الناجمين عنها. يعد غموض التعريف صياغة بائسة، ومشتق من حقيقتين خارج النص: الأولى، إن التعذيب مصطلح توجيهي ومعياري، وموضع خلاف على غرار مصطلحات اللغة السياسية. والثانية: مختصة بالنظام القانوني. ترتكز الإمبراطورية الأميركية على نظام عالمي ليبرالي بموجب القانون. وتستقطب المقاييس اتجاهات متعارضة. يتعارض حق الفرد في تفادي التعذيب مع حق الدولة في فرض العقوبة. ويفسر جزئيًا ممارسة التعذيب في الإمبراطورية الأميركية، وعدم اتخاذها موقف متماسك من التعذيب، مما اقتضى مواجهة بين جناة التعذيب وأولئك الذين يعتبرون التعذيب لعنة بمقتضى “مبادئ” أميركا المزعومة. أفادت استطلاعات الرأي بأن معظم الأميركيين يرون التعذيب أسلوب ملائم لمعاملة “هؤلاء الأشخاص” معتقدين أنه ناتج عن “معلومات استخباراتية قابلة للتطبيق”، ونشأ اعتقادهم من المؤرخ جريج جراندين الذي يربط علم الشياطين بالولايات المتحدة كدولة استعمارية استيطانية مبنية على العبودية، ومهددة دائمًا من “الآخرين” العنصريين!!! مارست وكالة المخابرات التعذيب في أجواء “الحرب على الإرهاب” المشحونة، واعترض آخرون عليه. أورد شاهدون على معاقبة الفلسطيني الناشئ في السعودية زين العابدين محمد حسين المكنى بأبو زبيدة في جوانتانامو الذي حارب السوفييت وساهم في تحرير أفغانستان، بذريعة علاقته بالقاعدة المزورة في الوثائق أنهم “متضايقين إلى درجة البكاء وتجرع الغصة والحزن من تعذيبه” حيث تعرض للتعري القسري والحرمان من النوم والحبس في توابيت مظلمة ومنع الطعام والاعتداءات الجسدية التي أدت إلى تلف إحدى عينيه. يتم التعبير عن الاختلافات الأخلاقية والسياسية على هيئة جدال قانوني. وليس ثمة شيء إلا تفوق السلطة للاختيار بين التفسيرات المتنافسة أثناء تطبيق القوانين. استغلت الحكومة الأميركية “مزايا” التعذيب النفسي منذ لجوء وكالة المخابرات CIA إليها بتجارب “السيطرة على العقل” المكثفة بين عام 1950 و1962، التي أفضت إلى إنجاز علمي قاتم: استنتجت المخابرات أن أساليب التعذيب التي تنطوي على التلاعب النفسي بدون الاتصال الجسدي أكثر فعالية من التعذيب الجسدي المباشر. وأمضت الكثير من الوقت للبحث عن نقاط ضعف الإنسان وثغراته، وتطوير نظام تعذيب معقد لتحطيم النفس بدون دليل مادي. يتكون النظام من عنصرين أساسيين: الحرمان الحسي بتغطية الرأس أو ارتداء قناع، والألم الذاتي من أوضاع الوقوف والجلوس المضنية التي تصنفها وكالة المخابرات بـ”تقنيات الاستجواب الداعمة”، والمنسجمة مع الالتزامات القانونية الدولية لأميركا. وتحتوي برقيات ويكيلكس على برامج التعذيب الأميركية وبراهين تقرير تاجوبا، ولجنة الاستخبارات لمجلس الشيوخ، والصحافة الاستقصائية.

شيد الأميركيون سجن جوانتانامو العسكري قبل تدفق صور سجن أبو غريب إلى وسائل الإعلام. وافتخرت الحكومة الأميركية في يناير 2002، بصور السجناء المقيدين ومعصوبي الأعين ببدلات برتقالية في مستعمرتها التي تبلغ مساحتها 45 ميل مربع في خليج جوانتانامو (الذي يعني خليج الخنازير) في كوبا التي تشعل الارتياب بثورتها ضد الاستعمار في حين تصمت على احتلال جزء من أراضيها حتى الآن. يوضح تاريخ القاعدة البحرية في خليج جوانتانامو طبيعة الإمبراطورية الأميركية. دعمت النخب الأميركية احتلال كوبا منذ الأيام الأولى لتأسيس الأمة واستعمار الإمبراطورية الإسبانية لأراضيها. وحاولت شراء الجزيرة الكوبية بدون جدوى. انبثق تمرد صلب على الاحتلال الإسباني في عام 1895، الذي فتح الباب للمساندة الأميركية. ولم يستطع الإسبان هزيمة المتمردين أو بالأحرى المناضلين لاستعادة أراضيهم وثروات بلادهم حتى هرع الأميركيون إلى السيطرة على الوضع معتقدين أن الكوبيين “غير مؤهلين” لإدارة شؤون بلادهم!!! تدخلوا ظاهريًا بالنيابة عن المتمردين ورفع شعار “الحرية”، وهزموا الإسبان، ثم احتلوا الجزيرة!! رسخت واشنطن منشآت التمييز العنصري ورأسمالية المافيا والديكتاتورية المنبثقة في الفترة التالية للاستعمار الإسباني بنموذج القوة العسكرية القسرية لإنشاء أنظمة عميلة بدلاً من الاستعمار المباشر الذي أسسته الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية في القرن التالي. و”تفاوضت” في عام 1903، لاحتلال 45 ميل مربع حول خليج الخنازير لبناء قاعدة لسفن البحرية الأميركية التي بقيت حتى عام 1959. لم يتمكن فيدل كاسترو الذي أزاح النظام العميل من إكراه واشنطن على المغادرة. وقررت الحكومة الأميركية إنشاء قاعدة بحرية في جوانتانامو بذريعة حماية الولايات المتحدة من “هجوم كوبي” رغم أنها المعتدي الأول، في أعقاب محاولات كينيدي العبثية لسحق الثورة الكوبية، الإخفاق في خليج الخنازير، والنجاة من أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962. تعترف واشنطن باحتلالها عندما تبرر عدم مقاضاة المعتقلين في جوانتانامو بذريعة أن الخليج أرض غير أميركية ولا تخضع للقوانين الأميركية، وبقي الخليج منسيًا من الأميركيين والكوبيين إلى عام 2001 بعد هجمات 11 سبتمبر وتدشين “الحرب على الإرهاب” لحشد آلاف الأسرى الأبرياء واستجوابهم على مدى بعيد. لم يدافع القانون عن المعتقلين أيضًا قبل انتقالهم إلى جوانتاناموا بمبرر أن أماكن التحقيق والتعذيب في مصر والأردن وأفغانستان وغيرها من البلدان، ليست أرض أميركية. وافتتح السجن العسكري في يناير 2002، ويتألف من ثلاثة مواقع: معسكر دلتا، السحلية، والأشعة السينية. بلغ عدد السجناء 540 في عام 2005. ولم يتهم بإتيان جرائم إلا أربعة منهم فقط. دافعت إدارة بوش رغم ذلك عن المعسكر لأن السجناء “يعاملون بإحسان”، و”شفافية السجن” التي لن يقتنع بها الشهود على ممارسات التعذيب الواردة في التسريبات. هل تشعر بالاشمئزاز من صور ومعلومات التعذيب العارية من المجاملة والحجب عزيزي القارئ؟ أتعمد إرسال إحساس القرف إليك!! ربما تصل إلى 1% من أوجاع المعتقلين، ولا أعتقد أنك سترتقي إليها. تضمنت الشهادات العلنية المتاحة شهادة الرقيب إريك سار، المترجم في جلسات الاستجواب الذي اشترك مع فيفيكا نوفاك في تأليف كتاب بعنوان Inside the Wire: A Military Intelligence Soldier’s Eyewitness Account of Life at Guantanamo. وتحدث بالتفصيل عن الاعتداء الجسدي والتعذيب الجنسي. أقر المعسكر في التحقيق الرسمي بأن جوانتانامو “رائد” في ممارسات التعذيب المطبقة ضد السجناء العراقيين في أبو غريب. وارتكز تشييد السجن على أن المعتقلين “إرهابيون” حتمًا لمهاجمة الولايات المتحدة على الرغم من عدم مقاضاتهم، أو بمبرر بغض أميركا وسياساتها!! وتعتقل الدول العميلة لأميركا مواطنيها بناءً على هذا المبرر لرميهم في غياهب السجن بدون محاكمة لسنوات أو بمحاكمة مسيسة بموجب أوامر العاهل المقدس. قال بوش في خطاب حالة الاتحاد الأميركي عام 2002: “يحتل الإرهابيون الذين احتلوا أفغانستان ذات يوم الزنازين في خليج الخنازير!!!”. ووصم نائبه تشيني المعتقلين في عام 2009، بـ”أسوأ الأسوأ”. سربت ملفات جوانتانامو في أبريل 2011، تفاصيل عن 779 سجين في الخليج. وتتكون من وثائق موقعة من المسؤول عن جوانتانامو التي توضح تيقن الخاطفين من براءة أغلبية السجناء، وتحديد 150 مدني أسير “بالخطأ” لسنوات بدون محاكمة. أثبتت الملفات التي ناقشها الصحافي أندي ورثينجتون على موقع ويكيلكس الإلكتروني، التفاصيل المتاحة سابقًا، وتشمل وثائق السجناء الذين مروا بمحاكم مراجعة أوضاع المقاتلين في دعوى قضائية رفعتها مؤسسات إعلامية. اعتقل المئات بدون سبب، وتحرر 600 منهم لانعدام الأدلة. اشتكى اللواء دنلافي، المسؤول عن جوانتانامو عام 2002، من أن سجناء ميكي ماوس القادمين من أفغانستان مزارعين وطهاة وسائقي سيارات أجرة ومدنيين لم يكن من المفترض القبض عليهم وانتهى بهم المطاف في جوانتانامو لأنهم لم يذعنوا لعملية فحص وتدقيق أمني. لقد أرادت واشنطن الانتقام بعبث وتخبط من أولئك الذين دمروا هيبتها الأمنية كقوة عظمى لا يمكن اختراقها والاعتداء عليها وكأنها أسد جريح، فاختطفت مدنيين بطريقة عشوائية، واحتجرت آخرين من اعترافات انتزعت بالتعذيب من معتقلين مفترض أنهم “ذوي قيمة مرتفعة”، وسجناء مضطربين ذهنيًا، أو تطلعوا إلى معاملة متميزة في السجن بتلفيق الاتهامات. أنشأت الولايات المتحدة جهاز لا يلقي القبض على “الإرهابيين” من أجل محاكمتهم، إنما يعتقل مئات الأبرياء لتصنيفهم في فئة “الإرهابيين”، في محاولة لإثبات ادعاء الحكومة الأميركية بأن خصومها في أفغانستان والعراق “إرهابيين”. وأدى الفشل في تسليم “الإرهابيين” إلى اعتراض الشعب والكونجرس الذي تجلى في حملة باراك أوباما الرئاسية عام 2008.

لم يغلق أوباما السجن مثلما تعهد في حملته الانتخابية. وأمضى في مارس 2011، قبل شهر من تدفق تسريبات ويكيلكس، على أمر تنفيذي لإدامة الحبس إلى أجل غير مسمى في جوانتانامو. بادرت وسائل الإعلام الأميركية إلى مساندة الرئيس “الديموقراطي” والدفاع عنه. وتحدثت الصحافة غير الأميركية عن السلوك الوحشي والمجحف للقوات الأميركية، في حين قلصت وسائل الإعلام الأميركية منهجيًا من أهمية الحقائق المسربة، وسلطت الضوء على “تنظيم القاعدة” وأنشطتها أثناء نشر التسريبات. طورت وكالة المخابرات تقنيات وأجهزة التعذيب بعد الحرب العالمية الثانية، وسعت إلى دعم شبكة من الديكتاتوريات والدول المتحالفة مع الولايات المتحدة. بررت الاستثمار السريالي في أبحاث “السيطرة على العقل” بالدفاع المشروع ضد “غسيل الدماغ” الشيوعي وافتراض الهجوم قبل حدوثه!! جذب برنامج المخابرات الرواد في علم النفس، ومنهم المتخصص في علم السلوك دونالد هيب، في سلسلة من التجارب البشرية. وصاغ المحاولة الأولى لتسويغ وعصرنة التعذيب، مما يجعله أكثر دهاءً وقبولاً من أساليب الاضطهاد التقليدية. لم تترك وكالة المخابرات أدوات التعذيب القديمة. وأسست مكتب الأمن العام (OPS)، من أقسام الوكالة الأميركية “للتنمية الدولية” USAID، لتأطير وشرعنة وانتشار التعذيب رسميًا. دربت أوبس مليون ضابط شرطة في 47 دولة، وعلمتهم تقنيات الاستجواب التي طورتها وكالة المخابرات بذريعة محاربة “التخريب الشيوعي” في تلك البلدان. كان جنوب فيتنام مسرحًا محوريًا للتعذيب، حيث سعت واشنطن إلى إدامة الاستعمار الفرنسي ثم دعم ديكتاتور متحالف مع فرنسا والولايات المتحدة. وصممت وكالة المخابرات برنامج “مكافحة الإرهاب” عام 1965، لبث تقنيات الإرهاب من اغتيالات وانتهاكات واختطاف وترويع ضد قيادة فيت مينه في شمال فيتنام. انبثق من البرنامج “عملية العنقاء”، الحرب القذرة في جنوب فيتنام لتدمير المباني الأساسية في الشمال وقتل أو أسر المناضلين ضد الاحتلال، مع إخضاع المعتقلين لتعذيب يفوق الخيال. جسد البرنامج 82.9% من قتلى وأسرى شمال فيتنام الذين كان بعضهم من قيادة فيت مينه، وتجاوزت نسبة المناضلين من الفيتناميين البسطاء الـ50%. أفضى التعذيب إلى تأسيس ديكتاتورية موالية للاستعمار في الجنوب لإدارة الشؤون الفيتنامية بالنيابة عن الإمبراطورية الأميركية مؤقتًا. وتحول البرنامج تدريجيًا إلى سيطرة البيروقراطية الفيتنامية الجنوبية كجزء من عملية “الفتنمة”. طبق الأميركيون “دروس العنقاء” في أميركا اللاتينية ببرنامج “المشروع X”، حيث دربت وكالة المخابرات والاستخبارات العسكرية ضباط من أميركا اللاتينية على تقنيات التعذيب. واحتوت كتيبات التدريب تقنيات الاستجواب التي تتضمن اختطاف أفراد من عائلة السجين، وتقييم المستهدفين لتنفيذ الاختطاف والنفي والضرب والإعدام، السمات التي تميزت بها “العنقاء”.

واظبت المخابرات CIA على تطوير ذخيرتها للتعذيب بتقنيات التضييق النفسي، أوضاع الجسد المضنية، العزلة الجسدية والنفسية، وأنماط النكوص. ويدمر التهديد بالألم أو الألم الذاتي المقاومة بفعالية أكثر من الوجع الناتج عن ضرب المعتقل أثناء التحقيق الذي قد يكثف إرادة الصمود. تنطوي التقنيات، منذ بدء تجارب “السيطرة على العقل”، على مشاركة علماء النفس والمهنيين في الطب النفسي. وتناثرت بالنخب العسكرية لعشر دول في أميركا اللاتينية متحالفة مع الحكومة الأميركية التي ضمنت انتصار ريجان على حركات الكفاح اليسارية والشعبية في أميركا الوسطى. عادت التقنيات إلى الواجهة بعد “الحرب على الإرهاب”، وحازت على الشرعية الحكومية في سجن جوانتانامو وقاعدة باغرام العسكرية في أفغانستان، ثم انتقلت إلى العراق وأبو غريب. تدمج الأساليب بين العناصر الجسدية والنفسية التي تشمل تغطية الرأس، الضرب بأشياء صلبة، التهديد بالاعتداء على أفراد الأسرة، وضعيات الجسد المجهدة، نزع الملابس في الحبس الانفرادي، الاغتصاب، التمزق، والتعذيب الفظيع للعصور الوسطى بتقنية السترابادو (تعليق السجين بالوضع المقلوب مع تقييد يديه وراء ظهره) التي تجلت في سجن أبو غريب. وثابرت الكتيبة رقم 82 المحمولة جوًا على حبس المعتقلين في سجن عطارد Mercury العسكري بالقرب من ضواحي الفلوجة وتعذيبهم الوحشي حتى لقبت جنودها بـ”المجانين السفاحين” لمضاجعتهم السجناء. نال اتحاد الحريات المدنية الأميركي ACLU شهادة بأداء القسم على أن الجنود ضربوا ومارسوا الجنس مع المعتقلين بانتظام. لم يكن عطارد حالة نادرة، إنما منهج واسع النطاق بشهادة رئيس الجلادين والمخابرات العسكرية في أبو غريب الذي أورد أن أساليب التعذيب تعلمها الجنود من عملاء وكالة المخابرات في خليج جوانتانامو وأفغانستان. ولم تقصد الولايات المتحدة البقاء في العراق إلى الأبد كما حدث في فيتنام، إنما إنشاء دولة عراقية حليفة “بشرعية ديموقراطية”، وقادرة على تنفيذ مسؤوليات الحكومة المتناغمة مع المصالح الأميركية. أوردت سجلات حرب العراق أن القوات الأميركية رفضت التحقيق في مئات التقارير عن التعذيب الوحشي الذي نفذته القوات العراقية بإدارة أميركية كنتيجة حتمية لمرسوم دونالد رامسفيلد “فراجو 242″، الذي يقسر طاقم الاحتلال في العراق على تجنب التحقيق في انتهاك قوانين الحرب المختصة بالتعذيب ما لم يتورط بشكل مباشر. وبالتالي، مكن الأميركيون القوات العراقية المدربة من ممارسة أفظع أشكال التعذيب: أقر معتقل سابق بأن جنود عراقيين سجنوه في قبو سري وقيدوه بوضعية السترابادو، مع تعليق معصميه من السقف. ثم جلده الجنود بأنابيب بلاستيكية وحفروا جسده بمثقاب كهربائي. عالج أميركيون المعتقل؛ وأرسلوا ملف تعذيبه إلى المسؤولين الذين تغاضوا عن التحقيق. يجلد ذكور مرتدون للزي العسكري العراقي المعتقل المقيد العاجز، مكمم الفم، معصوب العينين، والمعزول، بأسلاك وعصي معدنية، خراطيم مطاطية، أوتاد خشبية، هوائيات تلفزيونية، أنابيب مياه بلاستيكية، أحزمة مروحة، وأصفاد في مشهد يبرهن على خوف الجلاد من المعتقل. ويمكن تعليق الضحية من معصميه أو كاحليه في ذروة شهوة الجلاد للسلطة؛ ربطه بأوضاع مجهدة؛ التحرش به جنسيًا أو اغتصابه؛ مفاقمة الألم بالفلفل اللاذع وإطفاء السجائر على جسده، حامض الأسيد الكيميائي والكماشة والمياه المغلية، مع تلاشي الخشية من الانتقام أو التحقيق. يعد معظم الضحايا من الشباب الذكور، وتوثق تسريبات اعتداءات جنسية على النساء؛ فتيان بمن فيهم صبي يبلغ من العمر 16 عامًا اعتدي عليه بالتعليق من السقف والضرب؛ كهول وضعفاء، بمن فيهم معاق أتلفت ساقه عمدًا. تحدد سجلات حرب العراق في ويكيلكس أسماء الجناة في أجهزة الأمن العراقي، من جنود وضباط شرطة وحراس سجون وخفر الحدود. وتلقى الجيش الأميركي 1365 بلاغ عن التعذيب في عام 2009، واعتقال 180000 عراقي في الفترة 2004-2009، في حين أنكر الأميركيون المسؤولون في بغداد الانتهاكات وبراهين التعذيب. تبين لاحقًا في تحقيق صحيفة الجارديان البريطانية تورط الولايات المتحدة عن كثب في مراكز التعذيب لمغاوير الشرطة الخاصة العراقيين الذين دربهم العقيد جيمس ستيل، المشارك في حروب فرق الموت (الكونترا) في عهد ريجان بأميركا الوسطى. وساهم المستشارون الأميركيون في ممارسة التعذيب بشكل مباشر بشهادة أميركيين وعراقيين، مما برهن على سياسة “العرقنة” على غرار “الفتنمة”. تولت الولايات المتحدة المسؤولية الأولية عن العنف في مختلف الجبهات على نمط الحروب السابقة، وأنشأت قوات لتسلم “القيادة” بعد مغادرتها وارتداء عباءة الاحتلال بعناصر “وطنية”!!

أصيبت وكالة المخابرات بانهيار ثلجي في ديسمبر 2014. وأصدر مجلس الشيوخ تحقيق عن ممارسات التعذيب في الوكالة بإطار “الحرب على الإرهاب”. تداول مسؤولو الدولة التقرير لمدة عامين، وتجدد قبل نشره للرأي العام. أدى “التحديث” إلى تنقيح 93% من المحتوى. ولم يخلو الإصدار العام الموجز من الإدانة التي اكتملت بتفاصيل ووثائق ويكيلكس. انتقد التقرير أساليب الوكالة الهمجية والعقيمة التي لا تسهم في القبض على الجناة ولا تعطل “مؤامرة”. اشتملت أساليب المخابرات على ضخ المياه في شرج المعتقلين; الإيهام بالغرق حتى بات أغمي على معتقل وتغرغر الماء من حنجرته؛ إجبار المعتقل المصاب بكسر في يديه أو قدميه على الوقوف في وضعية الإجهاد لساعات؛ إخضاع المعتقل للروليت الروسي (دولاب تثقيب مسنن الحافة)؛ التهديد باغتصاب والدة المحتجز وشق حلقها؛ وانخفاض درجة الحرارة بعد الضرب واللكم لفترات ممتدة الذي أدى إلى وفاة معتقل. جابه زين العابدين محمد (أبو زبيدة) المعتقل في باكستان، أبشع ممارسات التعذيب. وزعمت المخابرات أن اعتقاله أهم إنجاز قبل القبض على معاون أسامة بن لادن، الكويتي من جذور باكستانية خالد شيخ محمد. يُبين ملف زين في جوانتانامو أنه اعترف بانتمائه إلى مليشيات جهادية، وأنكر تورطه مع القاعدة. أدى قنوط المحققين من الحصول على معلومات قيمة إلى ممارسة التعذيب. وأمضى أسبوعين في صندوق بحجم التابوت. مُنع من النوم لمدة 11 يوم، وأذعن لأوضاع الإجهاد والصفعات، مع وضع هوام في تابوته لمضاعفة هلعه. استمر الاستجواب بدون معالجة جرحه الناتج عن رصاصة أثناء القبض عليه، مما أدى إلى تقيحه وتعفنه حتى قرر الأميركيون إخفاء زين وحظر زيارات الصليب الأحمر الدولي. لم تتهم الحكومة الأميركية زين بجريمة. واستعانت المخابرات باثنين من الأطباء النفسيين لابتكار برنامج التعذيب على مدى سبع سنوات مقابل حصولهم على 81 مليون دولار. سافر الطبيبان ذات يوم إلى تايلاند، حيث كان زين محتجزًا، وبات سجنه مكان تجريبي لتطوير تقنيات التعذيب التي استندت إلى خبرة المخابرات السابقة. واقترحا تقنيات السيطرة على الانتباه، الإحاطة بجدار، قبضة الوجه وصفعه، الحبس الضيق، الوقوف، الوضعيات المضنية، الحرمان من النوم، الإيهام بالغرق، استعمال حفاظات الأطفال والترويع بالهوام، والدفن المصطنع. ومن ثم، نقض الطبيبان العهد الذي أقسما عليه في كلية الطب لتخفيف آلام المرضى بدلاً من اختراع أساليب لمفاقمة أوجاعهم. منح الكونجرس وكالة المخابرات CIA وقت لتهيئة دفاعها قبل إصدار التقرير الذي لخصه جورج تينيت، مدير المخابرات، بعبارة: “لا نعذب الناس”، وشدد على أن المخابرات “أنقذت أرواح”. في حين رفض مناقشة الأنماط والبرهنة على أن أساليب وكالته لا تندرج ضمن التعذيب. ولم تثبت الأساليب أنها أنقذت روح، إنما أدت إلى وفاة معتقلين. صاغ تينيت العنصر الثاني لدفاعه من تقويض ثقة الكونجرس واستقامته الذاتية بعرض وثيقة للتداول الرسمي فقط التي أذاعها ويكيلكس في نهاية المطاف، وتضمنت المناسبات التي أرسلت فيها المخابرات تقارير أداوت الاستجواب إلى كبار أعضاء الكونجرس، مما يثبت نفاق واشنطن الرسمي. لكن لا يمكن تحديد المعلومات التي أخبرت بها وكالة المخابرات جمهورها في الكونجرس. وزعم التقرير أن الرئيس بوش لم يطلع على أغلبية الممارسات في سجون أميركا المظلمة خارج الحدود. تضمن العنصر الثالث من دفاع تينيت التأكيد على “شرعية” ممارسات المخابرات. واصطفت كتيبة من أغوال المخابرات والحزب الجمهوري لطمأنة جمهورها بأن وزارة “العدل” وافقت قانونيًا على ما اقترفته المخابرات، وبالتالي، لا يصنف تعذيبًا!!!

ارتكزت وكالة المخابرات على أرضية صلبة عندما طلبت الحصول على تأييد قانوني لممارساتها في مذكرة أرسلها نائب المدعي العام جاي بايبي إلى مستشار الرئيس ألبرتو جونزاليس، لحث الرئيس على إلغاء بعض القوانين في زمن الحرب، وادعاء أن اتفاقيات جنيف تمنح مجموعات معينة وضع أسير الحرب وحقوقه التي “لا تنطبق في أفغانستان”. وتستشهد المذكرة بتاريخ الولايات المتحدة عندما خاضت الحكومة حرب ولم تلتزم بالاتفاقيات. تضخم الوثيقة من صلاحيات المخابرات والمحققين لتنفيذ التعذيب: “إذا اعتقد الرئيس أن سجناء طالبان ليسوا أسرى حرب بموجب الفقرة رقم 4، فلن ينالوا حماية بموجب المعاهدة”. ويمكن للولايات المتحدة تعريف التعذيب بطريقة تستثني معظم ممارساتها، وتصنف التعذيب ضمن “الألم المصاحب لإصابة جسدية خطيرة (فشل الأعضاء)، أو تدهور الجسد والوفاة”. يبدو التفسير منطقي في إطار معاهدة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب التي تصف الألم المرتبط بالتعذيب بـ”الشديد” بدون شروط وسمات إضافية. وتعد المذكرة الاستثنائية شميتية (نسبةً إلى المنظر السياسي الألماني كارل شميت) في عقيدتها القانونية المتمثلة في سلطة تنفيذية لا حدود لها. أسفر بيانها عن إمكانية تجميد اتفاقيات جنيف في أفغانستان إزاء تنظيم القاعدة وطالبان عن أشد إدانة من علماء القانون، مما أدى إلى دعوات لمحاكمة كاتبها. وتعتمد مذكرة جاي على قراءة البديهيات القانونية والسوابق التاريخية. لم تستطع إدارة بوش رغم ذلك استيعاب اعتباراتها المهيمنة. وجادل وزير الدفاع دونالد رامسفيلد بأن الحرب على “الإرهاب” نوع جديد لم يتخيله مصممو اتفاقيات جنيف، واعتبر وزير الخارجية كولن باول أن حرمان الأسرى من وضع أسير الحرب وحقوقه “له تكلفة باهظة من حيث التفاعل الدولي السلبي وتقويض الدعم الشعبي للحلفاء”. تأرجحت إدارة بوش في تطبيق وضع أسير الحرب على المعتقلين في أفغانستان ما عدا المشتبه بهم من طالبان والقاعدة الذين وصمتهم بـ”المقاتلين الأعداء”. واستمرت السياسة الأميركية في جوانتانامو، عندما تذرع المستشار القانوني لوزارة الخارجية جون بيلينجر بـ”قوانين الحرب النموذجية” واتفاقيات جنيف باعتبارها تمنح مبرر لاعتقال الأسرى “في ميادين القتال”، مع عزلهم عن العالم الخارجي. طبقت الولايات المتحدة تعريف جاي للتعذيب رغم توقيعها على اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب إلى أن أجبرت فضيحة أبو غريب مكتب المستشار القانوني على نبذه. وتستطيع المخابرات إنكار التعذيب كما تشاء، لأن الإمبراطورية الأميركية لديها القدرة على صياغة تعريفها الخاص وفرضه بالقوة. اعتقد أوباما ولجنة الاستخبارات في الكونجرس أن التعذيب لا يثمر نفعًا وغير فعال في نسج خيوط استخباراتية قابلة للتنفيذ وإنقاذ الأرواح. وقد يكون التعذيب لدعم الاستجواب وانتزاع اعترافات ومعلومات. لكن أغلبية المعتقلين لا ينتمون إلى طالبان ولا القاعدة. أتاح التعذيب اعترافات داعمة للرواية الأميركية ومحاكماتها. على سبيل المثال: خالد شيخ محمد، المنتمي إلى القاعدة، الذي احتفلت وكالة المخابرات باعتقاله. ويعد من السجناء الذين تعرضوا للتعذيب حتى أوشك على الموت، والإيهام بالغرق حتى كاد أن يغرق. نتج عن تعذيبه المستدام إقرار مستفيض وغير مستساغ شبهه خبير قانوني بالاعترافات في محاكمات ستالين الصورية. وأفاد خالد بالتخطيط لهجوم مركز التجارة العالمي عام 1993، تفجيرات بالي، قطع رأس الصحافي الأميركي دانيال بيرل في باكستان، ومؤامرات لتفجير مقرات الناتو، الجسور المعلقة في نيويورك، مبنى الإمبراطورية، برج سيرس في شيكاغو، ومطار هيثرو في لندن: 31 اعتراف. يساهم التعذيب في معاقبة وإرهاب الأعداء. وأفضى تدريب مغاوير الشرطة العراقية على تقنيات التعذيب إلى الاقتتال الداخلي وقمع المتمردين المناضلين ضد الاحتلال بما يلائم غايات المخابرات الأميركية والمليشيات العسكرية وشبه العسكرية المتحالفة معها، مثلما حدث في فيتنام والفلبين وأميركا اللاتينية. لا نسرد الماضي-الحاضر لإثبات أن أمة أفضل من غيرها أو شعب ما أسوأ من غيره لأن جميع الشعوب باختلاف انتماءاتها وأعراقها وعقائدها قاست من تجارب مأساوية ودامية التي ينبغي أن تكون محفز لتقدمها وتحررها من مستنقع النزاعات إلى منارة الحضارة.

عن Rokayah

شاهد أيضاً

العالم من أفق الإمبراطورية الأميركية…19

استغل البنتاغون ودعاة الحرب من المحافظين الجدد الذين سكنوا البيت الأبيض في عهد جورج بوش …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *