الثلاثاء , نوفمبر 30 2021
الرئيسية / صحافة / العالم من أفق الإمبراطورية الأميركية…6

العالم من أفق الإمبراطورية الأميركية…6

صرح العقيد الأميركي ناثان ساسمان: “يمكننا إقناع هؤلاء الأشخاص بأننا جئنا لتقديم يد العون لهم بجرعة كبيرة من الخوف والعنف، والكثير من الأموال لتنفيذ مشاريع”… ويوجز الأنثروبولوجي طلال أسد (من أب باكستاني من جذور نمساوية يهودي سابقًا ثم اعتنق دين الإسلام – المفكر محمد أسد – وأم شمرية سعودية في خلطة جمعت بين آسيا وأوروبا وشبه الجزيرة العربية)، عناصر شرعية الحرب وعدالتها “بنزاع يخوضه أفراد ذوي شخصية مستقيمة لأسباب حميدة بعد استنفاد البدائل الممكنة وفي ظل قيود الحضارة الأخلاقية والقانونية”. في حين تشن الإمبراطورية الأميركية حروبها لمواجهة تأليب عنيف، وتحقيق مقاصد ليبرالية و”إنسانية”. تبصر في سلوكيات وممارسات الإمبراطورية في حروبها الأخيرة التي يفترض أنها شرعية ومقسطة. أوردت برقيات ويكيلكس أن الولايات المتحدة قصفت أماكن مدنية; نفذت مداهمات لتصفيد أطفال ورشق الرصاص على رؤوسهم، ثم شنت غارة جوية عليهم لإخفاء الجريمة وتدمير مكان الانتهاك؛ قتلت مدنيين وصحافيين بالرصاص؛ نشرت فرق “سوداء” من القوات الخاصة لتنفيذ عمليات اعتقال وقتل خارج نطاق القضاء؛ تجاهلت الحظر الدولي على القنابل العنقودية؛ أرغمت السلطة القضائية الإيطالية على لائحة اتهام عملاء المخابرات الأميركية المتورطين في التسليم الاستثنائي؛ شاركت في حرب برية غير معلنة في باكستان؛ وعذبت المعتقلين في خليج جوانتانامو الذين لم يُتهم سوى عدد قليل منهم بارتكاب جريمة. ما ورد سابقًا نموذج من الحقائق القاسية والمضنية لحروب أميركا في العشرين سنة الأخيرة، ويبدو للوهلة الأولى أن الجرائم تمثل وجاهة وقوة للولايات المتحدة التي لا تعترف بقانون ولا أخلاق ولا قيود في حربها. ناقش خبراء قانونيون لوائح اتهام مدمرة لما يعتبرونه استخفاف متهور للقانون من إدارة بوش الابن. ومع ذلك، لم يعاقب بوش ولم يحاكم على جرائمه، إنما أسس مركز أبحاث لحوار الديموقراطية!!! بررت واشنطن الجرائم التي أقرت بها بالرد على “الإرهاب” باعتباره نقيض الحرب المقسطة، وشكل غير شرعي للعنف السياسي كتبرير أولي للحرب التي لا تقتصر على ضبط الذات والممارسات الأخلاقية والقانونية من المنظور الأميركي. زعمت واشنطن أنها لا تتفاوض مع الإرهابيين. لكن وثائق ويكيلكس طرحت أسباب للارتياب بالتعليل. وادعت أن معتقلي جوانتانامو “أسوأ الأسوأ”، وإرهابيين يشكلون خطرًا على أمن الأميركيين وغيرهم. غير أن ملفات جوانتانامو أثبتت العكس. اعتقلت عشرات الأبرياء عن قصد على الرغم من انتفاء خطورتهم. واتهمت نسبة ضئيلة منهم، على الرغم من صلاحيات المحققين في انتزاع الاعترافات بشتى أساليب التعذيب. كما أن المعتقلين المصنفين بـ”ذوي قيمة مرتفعة” مسجونين بثلة من الأدلة أو بدون براهين تثبت الادعاءات ضدهم. على سبيل المثال: الصحافي السوداني في قناة الجزيرة سامي الحاج المصنف قبل إخلاء سبيله بـ”ذو قيمة استخباراتية عالية وخطر جم، وتهديد للولايات المتحدة ومصالحها وحلفائها”. ولم يتضمن تقييم سامي دليل إيجابي على مزاعم واشنطن بأنه “منتمي إلى تنظيم القاعدة وخبير لوجستي ذو علاقات مباشرة مع القاعدة وقيادة طالبان”. بينما أوردت في بيانات مهنته وأنشطته أنه صحافي في قناة الجزيرة، وقبل ذلك، مسؤول في شركة مشروبات. ويوضح التقييم أن جزءًا من سبب اعتقال الحاج للحصول على معلومات عن الجزيرة!! أفاد محامي الحاج بأن المحققين حاولوا إقناعه بالعلاقة بين الجزيرة والقاعدة. وأطلق سراحه بدون توجيه تهم إليه، بعد أن أكدت الحكومة السودانية للولايات المتحدة أنه مواطن عادي ولا يشكل تهديد أمني. لم يخرج من جوانتانامو بالطبع قبل خضوعه للضرب والتبريد والاعتداء الجنسي الذي وثقه في كتاب عن مذكراته في المعتقل بعنوان “جوانتانامو: قصتي”. تبين برقيات ويكيلكس أيضًا استهتار فظ بمصير المدنيين أو ارتكاب فظائع ضدهم عمدًا. وتحدثت الصحافة الاستقصائية المستوحاة من ويكيلكس عن بروتوكول “FRAGO 242” الذي يحظر البنتاجون بموجبه التحقيق مع العسكريين في تهم التعذيب ضد الجنود العراقيين والقوات شبه العسكرية. فسرت أميركا ذلك جزئيًا بتدريب القوات العراقية على أساليب التعذيب التي طبقتها حكومة بغداد أثناء الاقتتال بين العراقيين واستراتيجية مكافحة التمرد بإرهاب المدنيين وتعنيفهم وقتلهم. ولم نستطع الاطلاع على السجلات الأكثر إدانة عن أنماط التعذيب للقوات الأميركية في العراق. أورد الصحافي سيمور هيرش أن البنتاجون لديه مقطع فيديو لحادث بشع في سجن أبو غريب حيث اغتصب الجنود أطفال ناهيك عن بالغين ونساء، وسجل العسكريون لواط الفتيان وهتك العرض بالكاميرا، وصراخ الفتيان الصغار والنساء اللاتي يترجين الجنود لقتلهن بعدما حدث!!! في مفارقة توضح تصور المرأة العربية لذاتها في أحلك الظروف التي تتمنى الموت بعد انتهاك عرضها بدلاً من قتل المجرم لأن المجتمع يعتبر الذكر بريء حتى لو اغتصب ويردد مقولة “عيبه بجيبه”، بمعنى أن الذكر لا يعيبه شيء إلا قلة المال حتى إذا كان واطئ!! أما المرأة فنسمة هواء قد تجردها من إنسانيتها.

لم ترف جفون المسؤولين الأميركيين من آهات وصرخات النساء والفتيان، ولم ينزعجوا من وحشية جنودهم. أجاب نائب الرئيس السابق تشيني، بعد سؤاله عن تورط إدارة بوش في التعذيب: “ليس لدي مشكلة طالما نحقق غايتنا المتمثلة في القبض على الأفراد الذين نفذوا هجمات 11 سبتمبر وتجنب هجوم آخر ضد الولايات المتحدة”، ولا يصدق أن هذه غايته إلا الحمقى. ثم ما الخطيئة التي اقترفها أطفال ونساء لا علاقة لهم بهجمات 11 سبتمبر؟؟ إنها همجية وإمعان في إهانة العراقيين. وأخبر صحافي تشيني عن سجين مقيد بسلاسل إلى جدار زنزانة، ومغمور بالماء البارد ومتجمد حتى الموت تبين أنه بريء، فأجاب تشيني المتطرف: “ينتابني القلق من الأشرار الذين أطلقوا سراحهم أكثر من الأبرياء”. نادرًا ما فسرت العلاقة بين الشيطنة والإرهاب. ونعت بوش التمرد العراقي أو بالأحرى المقاومة ضد الاحتلال بـ”الإرهاب” الذي يرنو إلى “زعزعة إرادة العالم المتحضر…أخبرت الكونغرس والبلاد قبل عامين أن الحرب على الإرهاب ممتدة، ونوع مختلف من الحروب للقتال على جبهات متعددة حيث تعد العراق الآن الجبهة المركزية. يعتنق أعداء الحرية آراء بائسة في بغداد ويجب هزيمتهم”. تذرع الأميركيون بعودة تنظيم القاعدة في العراق كـ”مقاتلين أجانب” بعد مقاومة الاحتلال وهزيمة التنظيم في أفغانستان، غير أن المخابرات الأميركية قدرت نسبة المقاتلين الأجانب بـ5% من قوات المناضلين. جاء أبو مصعب الزرقاوي إلى العراق عبر إيران، وتجسد تصور القاعدة بشخصية الزرقاوي لكن نفوذه كان ضئيلاً، وهاجم المتمردون الرافضون للوجود الأميركي قواته منذ بدء الاحتلال. اعتقدت المخابرات الأميركية أن التمرد لمعارضة قومية مضادة للاحتلال ولا يتألف من جهاديين على غرار القاعدة كما تزعم واشنطن. لا يمكن وصم التمرد بـ”الإرهاب”، وبرهنت دراسات وزارة الدفاع الأميركية على هجماتهم الموجهة ضد قوات الاحتلال وليس المدنيين. انبثق تمرد مماثل في أفغانستان، حيث انضم عدد من المواطنين إلى حركة طالبان التي نهضت في أعقاب بربرية الاحتلال، حتى تواجد الطالبيون بكثافة في 80% من البلاد. وأورد مسؤول سابق في بعثة الأمم المتحدة في أفغانستان أن أساليب الهجوم على طالبان أدت إلى خسائر فادحة في أرواح المدنيين التي وسمها الأميركيون بـ”ضرر جانبي” نتيجة لـ”علة تقنية”. وبرروا جرائمهم بأن المقصد لم يكن إرهاب السكان، إنما “إلحاق خسائر بالعدو”، بالنزوع إلى شيطنة المعارضين واحتلال أراضيهم. أوردت صحيفة واشنطن بوست في عام 2006، أن أميركا تركت أحيانًا الحلفاء محبطين. وألقى اللواء ريتشارد دانات، قائد الجيش البريطاني آنذاك، خطابًا في عام 2007، رافضًا الذرائع الواهية لـ”الحرب على الإرهاب”، ووصف المتمردين العراقيين بالوطنيين. وسم التمرد الأفغاني بتصريحات مشابهة، مستهجنًا نعته الكسول بـ”طالبان”.

يتمحور التبرير الأخلاقي للعنف السياسي الغربي حول تنفيذه ضمن قيود تحترم الحياة المدنية. وتكرر المصادر العسكرية الغربية لازمة “لا نستهدف المدنيين”، بادعاء مضلل وأساسي في العلاقات العامة الخارجية لوزارة الخارجية الأميركية. تميز أيضًا بين “الإرهاب” وممارسات أولئك الذين يزعمون مكافحة “الإرهاب”. وادعى بوش أن “جميع الحيوات ثمينة…وهذا ما يميزنا عن العدو”. يعد الإرهاب نقيض الحرب المقسطة وشكل غير شرعي من العنف السياسي ومبرر للعنف السياسي. وتكمن الصعوبة في انعدام التعريف المتفق عليه للإرهاب. يحدد تعريف للحكومة الأميركية الإرهاب بـ”عنف متعمد بدوافع سياسية ضد مدنيين من مجموعات غير وطنية أو عملاء سريين”. ويفضي التعريف إلى مشكلة لأنه يستبعد قصف القواعد العسكرية الأميركية التي يعمل بها مقاتلون، ويصنف مؤسسات الدولة كعملاء محتملين للإرهاب على نحو تعسفي ولا أساس له. أدركت وزارة الخارجية ذلك في عام 2003: “نصنف الهجوم على منشآت عسكرية أو عسكريين في ظروف غير عدائية إرهاب، مثل تفجير وقصف القواعد الأميركية”. ويستثني التصريح القوات التي اعتادت الولايات المتحدة على وصمها بالإرهابية لشن هجمات على جنود أميركيين أثناء تنفيذ مهام قتالية في العراق وأفغانستان. يمكن التذرع بتعريف الجيش الأميركي الذي يعتبر الإرهاب “تطبيق متعمد للعنف أو التهديد بالعنف لبلوغ غايات سياسية أو دينية وأيديولوجية. ويتم ذلك بالترهيب والإكراه وبث الذعر”. لكن تعريف الجيش يؤدي إلى معضلة عَويصَة. يتساءل المرء عما يميز الأميركيين عن الإرهابيين بتمحيص جرائم قوات الاحتلال في العراق وأفغانستان؟ تخبرنا سجلات حرب العراق في ويكيلكس التي تحتوي 391902 تقرير ميداني للجيش الأميركي من العراق بعدة أشياء: علمت الحكومة الأميركية بارتفاع عدد الضحايا المدنيين أكثر مما اعترفت به جهرًا؛ تلقت مئات التقارير عن رشق مدنيين بالرصاص، بمن فيهم نساء حوامل ومعاقين دماغيًا، لقربهم من نقاط تفتيش الاحتلال؛ قتل الأميركيون المتمردين العراقيين المستسلمين لهم؛ استمرت ممارسات التعذيب الحيوانية (لماذا نخطئ على الحيوانات بمقارنتها بهؤلاء الذين يتشدقون بحقوق الإنسان ولا تصل إلى درجة همجيتهم؟) بعد الإفشاء عن انتهاكات أبو غريب؛ وأخفقت في التحقيق والاستقصاء عن مئات التقارير عن انتهاكات الشرطة العراقية والقوات “الخاضعة” لقيادتها أو بالأحرى لأوامر إيران وتتشدق بقال الله وقال الرسول ولبيك يا حسين!!! وممارستها لجرائم التعذيب والاغتصاب والقتل (سيتبرأ منكم الحسن والحسين وجدهما إذا اطلعوا على أحوالكم وجرائمكم). كما بينت “يوميات الحرب الأفغانية” المؤلفة من 91731 سجل عسكري أميركي عن حرب أفغانستان انتهاكات مماثلة، ومقتل مدنيين بالرصاص في نقاط التفتيش، وهجوم انتقامي بقذائف الهاون على قرية أفغانية أسفر عن مقتل خمسة مدنيين بعد إصابة قوات الاحتلال بانفجار عبوة ناسفة في مكان قريب. رشقت القوات شبه العسكرية لوكالة المخابرات الأميركية مدني أصم-أبكم أثناء هربه منها بالرصاص؛ وهاجمت قوات المارينز مدنيين في شينوار، مما أسفر عن مقتل تسعة عشر أفغاني وإصابة خمسين آخرين.

تشتمل العناصر المحددة لملامح الإمبراطورية الأميركية على إقصاء الطموحات الاستعمارية بخلاف الإمبراطوريات في الأزمنة الغابرة. وتعتقد أن احتلال الأراضي مفرط وغير ضروري، إنما الهيمنة على الأسواق والموارد في ظل أنظمة سياسية مستقرة. ولذا، هرعت إلى التضييق على بكين عندما خشيت من تفوق الصين على واشنطن اقتصاديًا. ينبغي أن تكون الأنظمة من أتباع النظام الاقتصادي اللامقيد، ومتهيئة لدمج اقتصادها في نظام معولم بقيادة الولايات المتحدة. وكان صدام حسين حليفًا للولايات المتحدة في حرب إيران، لكنها اعتبرته مركز تقدمي غير موثوق للقومية العربية الهرمة عام 1990-1991. وهكذا، جعلت إدارة بوش من احتلال العراق الدعامة الرئيسية لاستراتيجيتها الدولية. كان من المفترض أن يكون النظام المؤسس على أنقاض البعثيين، على حد تعبير صحيفة الاقتصادي البريطانية “حلم رأسمالي”. ولو أن واشنطن طبقت خطة مارشال التي نفذتها لإعمار ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، على العراق، لما استمر الدمار والفوضى إلى لحظة تدوين هذه السطور، حتى باتت برلين رابع أهم اقتصاد على المستوى الدولي في غضون عشر سنوات من الحرب، لكنها تخلت عن بغداد وتغاضت عن جرائمها ضد العراقيين وكأنها لم تدنس أراضيهم أو تقصفها يومًا. أقرت سلطة الاحتلال القانون رقم 39 الذي أعلن عن “خصخصة 200 شركة حكومية عراقية; إصدار مرسوم لتمكين الشركات الأجنبية من ملكية البنوك والمناجم والمصانع العراقية بنسبة 100%؛ ونقل ريعها إلى خارج العراق بنسبة 100%”. واقتضى على الأميركيين البحث عن حلفاء سياسيين وعسكريين لحماية الأمن واستقرار البلاد بعد تفكيك الجيش العراقي واجتثاث البعثيين من مؤسسات الدولة، بالإضافة إلى ارتفاع نسبة البطالة إلى 70% وفقًا لبعض التقديرات. أثبتت مساهمات المنفيين العراقيين مثل أحمد الجلبي، وبدرجة أقل، كنعان مكية، فائدتهم في المجال. وأقنع الجلبي الذي توفي عام 2015، الأميركيين بتشكيل تحالف مع الحركة الشيعية المدعومة من إيران، المجلس الأعلى للثورة الإسلاموية في العراق (SCIRI) التي غيرت اسمها فيما بعد إلى المجلس الإسلامي العراقي الأعلى (SIIC). تأسست الحركة في طهران بقيادة محمد باقر الحكيم وبتمويل حكومة ولاية الفقيه كجزء من مشروع “اتحاد الشيعة”. وحاز SCIRI على دعم ضئيل في المجتمع العراقي، لكن جهازه الاستخباراتي والعسكري راسخ. أنشأت الحكومة الإيرانية مليشيا المجلس “جيش بدر”، أثناء حربها مع العراق حتى أن هادي العامري ظهر في مقطع فيديو آنذاك للتصريح بأنهم ينفذون أوامر الإمام!!! وإذا أمرهم الإمام بمحاربة العراق سيحاربونها!!! في صورة تبين انسلاخ الفرد عن موطنه لاتباع عقيدته الضلالية. فوضت طهران المجلس بإدارة البصرة في حالة سيطرة القوات الإيرانية عليها. وأسسته باعتباره حكومة احتلال. اقتنعت الولايات المتحدة بدمجه في جهاز الأمن الجديد بعد حزب البعث. واستولى “مجلس الحكيم” على المدن العراقية الجنوبية التي تشمل البصرة. أصدر أمر قضائي لاستبدال مسؤولي الشرطة المحليين بأتباعه الذين باتوا معروفين بوحشيتهم في قمع المعارضين. يعد المجلس مصدر خبيث للطائفية المناهضة للسنة في الدولة العراقية، وأداة تنفيذية في النظام الجديد لإدارة غرف التعذيب التي تعد أبشع من سجون صدام باعتراف منظمة الأمم المتحدة، وعنصر محوري في الاقتتال الذي اختطف العراق عام 2006. لم تستطع مليشيا بدر السيطرة على العراق. واقتصر نفوذها في البدء على مدن وقرى الجنوب ذات الأغلبية الشيعية بأوامر إيران. أسست أميركا جيش عراقي وقوات شرطة و”مغاوير الشرطة الخاصة” (SPC)، شبه العسكرية المدربة بقيادة اللواء ديفيد بترايوس الذي تفاخر ببلورتها في سبتمبر 2004. وترأس المغاوير (الكوماندوز) اللواء البعثي عدنان ثابت!!! بإدارة وزارة الداخلية وتدريب الجيش الأميركي وشركة USIS المتعاقدة من ولاية فيرجينيا، والمتورطة بشكل مباشر في بعض عمليات قتل المغاوير اللاقانونية. نسق السفير الأميركي في العراق، جون نيجروبونت، استراتيجية القوات شبه العسكرية، رغم أن السفير من المفترض أن مهنته دبلوماسية!!! الذي تضمنت خبرته تنظيم فرق الموت (الكونترا) لقمع التمرد في السلفادور. وصرح مسؤول عسكري أميركي عن برنامج القمع العراقي لمجلة نيوزويك: “يتعلق الأمر بمعاقبة السنة المعارضين للاحتلال…لا يدفع السكان السنة ثمن دعمهم للمتمردين، ويجب علينا تغيير تلك المعادلة”. يعد التصريح جهر محض بتنفيذ عمليات إرهابية ضد السنة. ووسمت مجلة نيوزويك العملية بـ”اختيار السلفادور”. تنطوي أنشطة “مغاوير الشرطة الخاصة” التي أُطلق عليها لاحقًا اسم “الشرطة الوطنية”، على التعذيب والتشويه والقتل. ويندرج “لواء الذئب” المتخصص في إرهاب وترويع الشعب والمؤلف من أعضاء منظمة بدر ضمن “المغاوير”. ينفذ الذئب عمليات ملحوظة لمكافحة التمرد في مدن على نمط الموصل، بدعم من القوات الأميركية، ويترأسه شخص مجهول الهوية وملقب بأبو الوليد لاستجوابه الأسرى وضربهم بعنف بزعم أنهم “إرهابيين” مشتبه بهم في البرنامج التلفزيوني “الإرهاب في قبضة العدالة”!!! على غرار البرامج الإيرانية التي تجبر المواطنين على الاعتراف بجرائم وعمليات!!! وكأن طهران تقدم مبرر لتعذيبهم بعد امتهانهم على شاشات التلفاز!!! يطبق الحوثيون الأسلوب ذاته الطارئ على المجتمع اليماني والمقزز لأنه يطبع على جبين المتهمين دمغة بعنوان “خطائين لا تغفر ذنوبهم إلى الأبد”، وتمنع المجتمع من احتوائهم بعد خروجهم من السجن فيما إذا افترضنا أنهم فعلاً إرهابيين، وليسوا أكباش فداء لترسيخ السلطة وغرس الخوف في المجتمع. فاقم بث البرنامج على شبكة “العراقية” الممولة من البنتاجون من الرعب الذي تنشره مجموعات أبو الوليد شبه العسكرية في الشوارع. وتولى لواء الذئب مسؤولية مراكز الاعتقال في وزارة الداخلية حيث عثر على جثث مشوهة بآثار تعذيب مروع: علامات حرق، كدمات من الضرب المبرح، وثقوب حول الرضفة (عظام الجزء العلويّ من الفخذ). اتصل “المغاوير” في حادثة صاعقة بمستودع الجثث في بغداد لإعادة الأصفاد المعدنية على جثة قتيل لأنها باهظة الثمن ولا يمكن التعويض عنها!!! في مشهد يبرهن على قيمة الحديد الثمينة مقابل الإنسان الذي لا قيمة له!!! وإذا اقتضى على المرء التمييز بين “مكافحة التمرد” و”الإرهاب”، فإن الحدود بين مكافحة التمرد والإرهاب الطائفي في هذا السياق كانت حتمًا ضبابية وغامضة-إسفنجية يمكن اختراقها. لم يكن ذلك مصادفة، إنما نتيجة منطقية للاستراتيجية الأميركية الفاسدة، حيث أرادت واشنطن دولة صارمة لقمع المعارضة وتنمية الاقتصاد والأسواق المتحررة من القيود. وكان من الأفضل لها وللعراقيين الإبقاء على حكومة صدام إذا أرادت من الغزو دولة استبدادية وقمعية تهيئ بيئة الطائفية وتحميها للسيطرة بموجب المبدأ الاستعماري القديم “فرق تسد” والقوى السياسية القادرة على تنفيذه.

تضمنت أسباب الخسائر المدنية الضخمة الناتجة عن حروب بوش الابن، القواعد العسكرية الأميركية في “الحرب على الإرهاب” التي تبيح قتل مدنيين بالغارات الجوية، سواءً اعتقد المرء بأقل التقديرات المعترف بها في الوثائق الأميركية المسربة (66000 قتيل مدني)، أو نتائج تقرير لانسيت (600000 حالة وفاة، معظمهم من المدنيين). وأورد مستشار البنتاجون السابق مارك غارلاسكو: “يوقع رامسفيلد أو بوش شخصيًا على الغارة الجوية التي من المتوقع أن تقتل 30 مدني”، ولا داعي لإخبار أحد بخلاف ذلك. يجيز المقياس قتل عدد من المدنيين الذي يتناقض مع عبارة البنتاجون وبوش “جميع الحيوات غالية”. ويعد “التوقع” رد فعل شخصي ومتحيز جزئيًا، يمنح العسكريين حرية التصرف: لا يوجد سبب من حيث المبدأ لاستبعاد مقتل أكثر من ثلاثين ضحية في غارة، بدون ضرورة إزعاج الرئيس أو وزير الدفاع. وبرر الجيش الأميركي الكثير من حالات القتلى بوصفهم بـ”المتمردين”. أوضح رئيس ضباط الصف ديف دياز، والمسؤول عن القوات الخاصة في أفغانستان، بجلافة: “نعم، إنها قرية مدنية، كوخ من الطين، مثل أي شيء آخر في هذا البلد. لكن لا تقل ذلك. لنفترض أنه مجمع عسكري…منطقة مبنية…ثكنات…قيادة ومقر إدارة، كما هو الحال مع القوافل: إذا كان ثمة قافلة ومركبات مدنية، فسنقول: مرحبًا…هل أنتم قافلة عسكرية وقوات نقل؟!!”. لنتأمل مقطع الفيديو عن مذبحة بغداد الذي نشره موقع ويكيلكس بعنوان “القتل الجماعي”. يستغرق الفيديو 39 دقيقة، ويتكون من مشاهد مسجلة في مروحية أباتشي لتوثيق ثلاثة حوادث في بغداد عام 2007، أثناء تدفق القوات الذي أمر بوش به. ويبدأ الفيديو بهجوم من طيار المروحية الهليكوبتر على مجموعة من العراقيين بينهم صحافيين من وكالة رويترز. يدعي الطيار أن لدى المدنيين أسلحة ويطلب الموافقة على “الاشتباك”. يرد عليه الضابط المستقبل: “لا يوجد أميركيون في المنطقة…يمكنك الهجوم…ارميهم، وأشعلهم جميعًا بمنحهم ضوء!”، ويكرر الضابط أثناء تنفيذ الغارة: “استمر في رشقهم بالرصاص…استمر…استمر”. توثق الكاميرا مقتل ثمانية، بمن فيهم صحافي من رويترز حاول النجاة، وصوت امرؤ ملقب بـHotel Two Six، يقول للطيار: “أوه، نعم، انظر إلى الأوغاد القتلى…رائع رائع…تصويب جيد”. ورد الطيار عليه: “شكرًا” في الجزء الأول من الفيديو. جادل الجيش الأميركي بأن ثمة أسباب أساسية لقتل أولئك المدنيين الذين تعرضوا للهجوم المباغت ويقين من نواياهم العدائية!!! رغم أنه لا يعلم بالنوايا إلا خالقها!! وزعم أن اللقطات تظهر اثنين من المدنيين على الأقل لديهما أسلحة. يقصد الأميركيون الأشكال الجزيئية على نمط النقط الرمادية على صور الأقمار الصناعية التي ادعى خطاب كولن باول في الأمم المتحدة في فبراير 2003، أنها مصانع إنتاج أسلحة الدمار الشامل في العراق!!! ولإضافة المزيد من التهكم على ادعاءاتهم، أورد الجيش أن صحافيي رويترز القتلى لديهما كاميرات “قد يعتقد المرء مخطئًا أنها بنادق AK-47 أو AKM متدلية!!!”. وألمح تحقيق الجيش إلى “الطبيعة الخفية” لتحركات المصورين التي تسبغ عليهما “مظهر المستعد لرشق جنود أميركيين بقذيفة RPG”. كما افترى الجيش على القتلى بادعاء أنهم تعرضوا لهجوم “مشروع” لأنهم “بلغوا مرحلة التجنيد”، ويمثلون خطرًا!!! يمكن تأليف مسرحية كوميدية من تحقيق وادعاءات الجيش الأميركي!!! وتسرد سجلات الحرب أن قتلى الهجوم “أعداء قتلوا في ميدان المعركة”، ويحمل اثنان منهم أسلحة. يبين تقرير الجيش وجهة نظر الجنود الذين اتخذوا قرار القتل، مستشهدًا بعناصر وظروف العمليات التي تقتضي إصدار حكم ذاتي واللجوء إلى القوة القاتلة. لكن الأمر منطقي من جهة مغايرة: ماذا تتوقع من جنود الاحتلال؟ الربت على الكتف ومراعاة ظروفك أو التصرف وفقًا لتدريباتهم ومقاصد عملياتهم في سياق احتلال يستوجب العنف ضد المدنيين كشرط للغلبة. ثمة تصنيفان لتأطير عمليات القتل وتبريرها: “التجنيد” و”أعداء قتلوا في الميدان” لتغيير فئة المدنيين. ويعد تصنيف “عدو في الميدان” الأكثر شيوعًا في سجلات حرب العراق لوصف القتلى في الحملات الأميركية. أحصى الجيش الأميركي 1723 قتيل في منطقة الفلوجة عام 2004 أثناء الهجوم عليها، واعتبر 1339 منهم “أعداء قتلوا في الميدان”، مما ينتج عنه تصنيف 384 منهم فقط كمدنيين. أشارت التقديرات الحذرة في معركتي أبريل ونوفمبر إلى مقتل 600 مدني في أبريل، و800 في نوفمبر، مما يفضي إلى التنبؤ بأن أعداد هائلة من القتلى المصنفين في فئة “أعداء قتلوا في الميدان” كانوا في الواقع من المدنيين. وأومأ تصنيف “في عمر التجنيد” إلى الذكور الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و55، ويشمل معظم المدنيين الذكور. شنت واشنطن هجومها على الفلوجة في نوفمبر 2004، وحثت المدنيين على الفرار قبل بدء القصف، لكنها منعت جميع الذكور في هذه الفئة العمرية من الهرب. أوردت مجلة نيوزويك في عام 2006، أنه بات من الشائع أن تعامل القوات الأميركية الذكور في مرحلة التجنيد كأعداء. وأفاد الجنود المتهمون بارتكاب جرائم حرب في بغداد بأنهم تلقوا أوامر “لقتل الذكور في عمر التجنيد”. استغلت إدارة أوباما الفئة العمرية ببراعة لتحريف غاراتها بطائرات الدرونز وكأنها هجمات على مليشيات أو مدنيين لديهم أسلحة على أساس أن الشعب الأميركي لا يحمل بنادق ومسدسات!! وأوضح مقال استثنائي ومسهب في صحيفة نيويورك تايمز، استنادًا إلى لقاءات مع العشرات من مستشاري أوباما، أن الرئيس “اعتمد طريقة متنازع عليها في تحديد الخسائر المدنية التي لم يحرصوا على إحصائها”. أورد مسؤولو الإدارة أن الذكور في مرحلة التجنيد في منطقة الهجوم يصنفون تلقائيًا كمقاتلين، ما لم تثبت معلومات استخباراتية براءتهم بعد وفاتهم!! ويشدد مسؤولو مكافحة “الإرهاب” على أن القتلى في منطقة نشاط “إرهابي”، أو عثر عليهم مع مسؤول في تنظيم القاعدة، رغم أن إدارة أوباما استهدفت 41 مدني بطائرة درون. أحصت منظمة ريبريف لحقوق الإنسان مقتل 1147 مدني في هجمات مختلفة. على سبيل المثال: أدت غارات الدرونز في باكستان التي استهدفت 24 فرد إلى مقتل 874 مدني، من بينهم 142 طفل. وأوردت دراسة مستندة إلى أرقام موقع إحصاء القتلى في العراق الإلكتروني Iraq Body Count أن 46% من قتلى الغارات الجوية الأميركية من النساء، و39% من الأطفال. أودت أساليب الاحتلال من نقاط التفتيش والغارات الجوية إلى مداهمات المنازل ومعارك الشوارع، بحياة عدد ضخم من المدنيين.

عن Rokayah

شاهد أيضاً

العالم من أفق الإمبراطورية الأميركية…19

استغل البنتاغون ودعاة الحرب من المحافظين الجدد الذين سكنوا البيت الأبيض في عهد جورج بوش …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *