الثلاثاء , نوفمبر 30 2021
الرئيسية / صحافة / العالم من أفق الإمبراطورية الأميركية…8

العالم من أفق الإمبراطورية الأميركية…8

تتهيأ الجيوش للسير نحو أماكن محددة. وتخوض الإمبراطوريات الحروب لغايات حتى يغدو الدم مرادف للإمبراطورية. تحدث توماس فريدمان، الصحافي في نيويورك تايمز، عن “القبضة الخفية” للجيش الأميركي التي جعلت العالم “آمنًا” لوادي السيليكون وماكدونالدز، في إيماءة إلى الهيمنة العسكرية الأميركية، والعلاقة بين القوة السياسية-العسكرية والسطوة الاقتصادية. ونزعت إمبراطوريات ما قبل الحداثة إلى احتلال الأراضي الخصبة والزاخرة بالموارد من أجل حكم الأقلية الأوليغارشية، واستعباد السكان بالاستغلال، والسيطرة على طرق التجارة على نمط مضيق باب المندب وبحر العرب وأرخبيل سقطرى في اليمن (السيطرة على سقطرى تتضمن الهيمنة على ثلاث قارات و23 دولة وطرق الملاحة الدولية). ومن ثم، فإن ذريعة محاربة إيران في اليمن والنزاع ضد المجوس انقعها في ماء واشربه أو روج لها بين المغفلين في حين يتملق مؤسس تحالف الحرب السعودي وبقية دول الخليج طهران ويقابل مسؤوليها وراء حجاب (وصم السعوديون اليمانيين في بداية الحرب بالمجوس الكفار وأتباع إيران!!! فهل يستطيع اليمانيون الآن وصم السعوديين بالمجوس الكفرة بعد التقارب السعودي الإيراني؟!!). استولت الإمبراطورية الرومانية على الأراضي لأقليتها الأثرياء. ولجأت الإمبراطورية الهولندية إلى القرصنة للهيمنة على طرق التجارة. حول استعمار الإمبراطورية الإسبانية الفج لجنوب أميركا، القارة إلى مؤسسة ضخمة لتعدين الذهب والفضة، وسكانها إلى عمال من العبيد. وباتت الإمبراطورية الأميركية الحديثة وحش مختلف بشبكة قواعدها العسكرية من جزيرة جرينلاند بين المحيط القطبي الشمالي والأطلسي إلى أستراليا التي تعد جزء من نظام احتلال غير مباشر، وتوطين القوات العسكرية الأميركية بأساليب ملائمة، وحماية الدول المنسجمة مع مصالحها. تريد الولايات المتحدة الوصول إلى طرق التجارة ودعم هيمنتها البحرية بدون السيطرة على الدول بشكل مباشر ونظام العبودية الذي ألغته عام 1865، إنما بدفع أجور ومقابل مادي من أجل الهيمنة. ولدينا في العصر الحديث اتفاقيات تجارية وعبودية ديون وقروض وتأقلم هيكلي. تسعى الولايات المتحدة إلى توسيع نطاق الأسواق. وتستمد فئة التجار تميزها في أي مجتمع من سيطرتها الاستراتيجية على الأسواق. وينطبق ذلك على المستوى الدولي، بحيث تستفيد الشركات الأميركية من انفتاح الأسواق ومجال التجارة. كانت الأزمة المالية الطاحنة للأسواق العالمية في عام 2008، بعد غزو العراق وتلاشي طفرة الاجتياح وخروج بوش كسيحًا من بغداد بعد مقاومة العراقيين للاحتلال، بمثابة إشعار حاد بأسس الإمبراطورية. ونتج عن أزمة النظام المصرفي الأميركي فوضى ودمار في النظام الدولي، مما يوضح مدى توغل وتشابك التمويل الأميركي في اقتصادات الدول الحليفة، ومدى استثمار البنوك الخارجية في الاقتصاد الأميركي. رسم تفاعل وارتباك الحكومات من الأزمة المصرفية ملامح القيادة السياسية الأميركية في مختلف الدول. وتزامنت الأزمة مع تسريبات ويكيلكس التي أفصحت عن سياسة الحكومات وفساد الشركات والعلاقة بين الحكومات والشركات. حذرت صحيفة الاقتصادي البريطانية في عام 2010، بعدما أعلنت ويكيلكس أنها ستنشر خمسة جيجابايت من الملفات السرية لمؤسسة مالية مؤثرة بعنوان: “كن خائفًا”. واستهدفت الشركات بعد الدول. قد لا تستطيع الأعمال التجارية الاعتماد على السرية مستقبلاً، حيث يجلب العاملون أجهزتهم الإلكترونية إلى أماكن عملهم ويمكنهم حفظ أطنان من الورق، بالإضافة إلى استعمال الشبكات الاجتماعية التي تزدهر بتبادل المعلومات. توجست صحيفة الأثرياء Forbes، الصنو الأميركي للاقتصادي Economist. وأوردت أن “ويكيلكس تفشي أسرار شركتك، مما يتيح لأولئك الذين لديهم ضمير ورغبة في الانتقام فرصة لنشر مستندات بدون فلترة ورقابة أو انعكاسات شخصية بتقنيات الخصوصية والتشفير التي تجعل إخفاء الهوية أيسر من أي وقتٍ مضى”. أحرجت ويكيلكس، قبل عام من نشر مخاوف الصحف المساندة للأثرياء، شركة تجارة البضائع والنفط العملاقة متعددة الجنسيات Trafigura، بتسريب تقرير عن إغراق ساحل العاج بالسموم. وأفاد تقرير مينتون، نسبةً إلى المستشار الذي كتبه، بانتهاك الشركة للوائح الاتحاد الأوروبي الذي اعتبرته ويكيلكس من أهم حوادث التلوث منذ تسرب غاز بوبال عام 1984، حيث تعرض 500000 عامل لغاز ميثيل أيزوسيانات السام في الهند. أرادت الشركة تحقيق إيراد سريع وزهيد الثمن بشراء وقود ملوث من المكسيك. واستعانت بعملية محظورة في الدول الغربية لتنقية الوقود، مما أدى إلى إنتاج مادة سامة التي أشارت إليها رسائل الشركة الإلكترونية الداخلية. عثر مسؤولو الشركة على مقاول محلي في ساحل العاج للتخلص من النفايات الكيميائية مقابل مبلغ مادي. ولم يدرك المقاول أو لم يهتم بتأثيراتها القاتمة على البشر: حروق في الجلد، إصابة العينين والرئتين، فقدان وعي، ووفاة. اجتهدت الشركة لحظر الوثيقة، وحازت على حكم قانوني بالتعاون مع مكتب المحامي كارتر روك لمنع الصحف البريطانية من توجيه القراء نحو التقرير، أو بث معلومات عن إمكانية الوصول إليه. ويستطيع نائب البرلمان الاستفسار من وزير العدل عن التقرير، إلا أن ترافيجورا حصلت على إنذار قضائي ضد الجارديان بدعم كارتر روك الذي منع الصحيفة من الإبلاغ عن التبادل البرلماني.

جابه البنك السويسري Julius Baer نوبة ارتباك مماثلة بعد تسريب وثائق الشركة التي تورطت في إضمار ممتلكات لشخصيات سياسية، غسيل أموال، وتهرب ضريبي. وبالغت الشركة في ردها على إفصاحات ويكيلكس. نالت أمر قضائي ضد ويكيلكس لإعاقة تداول الوثائق، ورفعت دعوى قضائية ضد المنظمة ومسجل نطاقها بالإنترنت لإغلاق ويكيلكس. حصلت على أمر قضائي، وأجبرت على التراجع بعد سخط الجمهور المساند لجوليان أسانج وتفاعله لإلغاء الحكم. تفاقمت خسارة البنك عندما نشر مسؤول سابق معلومات الإدانة في عام 2011، بآلاف المستندات عن العملاء ذوي الثروات المتراكمة التي تلقي الضوء على ممارسات المصرف والأثرياء الذين يتجنبون الضرائب بتهريب أموالهم إلى بنوك سويسرية في حين يخيرون السكان في بلدانهم بين دفع الضرائب والسجن. كما استهدف ويكيلكس بنك Kaupthing، تجار النفط في البيرو، المصرف البريطاني Northern Rock وBarclays. وأذاع وثائق عن Bank of America وشرطة النفط البريطانية British Petroleum التي لم يتمكن من نشرها لافتقاره إلى موارد فحص الحقائق. يبعثر ويكيلكس الذي يمثل الصحافة العتيقة-الجيدة الباحثة عن الجريمة، مخططات الفاسدين، ويكشف الممارسات الأثيمة للشركات وعواقب الفساد السياسي والقمع الحتمية. وانعكس تأثيره على التقارير الاستقصائية ومستقبل السلطة الرابعة (الصحافة) في الأبحاث الأكاديمية والإعلامية. برهن الإنقاذ المصرفي على تواطؤ الدولة مع التجار. وبادرت الولايات المتحدة إلى دعم الصناعة المصرفية الخاصة، وإنقاذ الرأسمالية في عام 2008، مما يتناقض مع عقيدة “السوق اللامقيد” التي بموجبها يتحمل الأفراد والمؤسسات نتائج قراراتهم الاستثمارية الخاطئة. خشي السياسيون الأميركيون من تقويض العقيدة إلى درجة اندلاع ثورة في الكونجرس كادت تمنع عمليات الإنقاذ. وأثبتت وثائق ويكيلكس أنه لا يمكن إنشاء أسواق لا مقيدة بدون دول مهيمنة بمثابة “يد لا مرئية” لقبضة الحكومة. أوردت الوثائق دعم الحكومة الأميركية لعمالقة التقنية الحيوية GM technology في الأسواق الخارجية، إلى درجة أن السفير الأميركي في فرنسا حث إدارة بوش على خوض حرب تجارية مع الدولة لمعاقبتها إذا لم تدعم منتجات GM. وبث سفراء أميركا في أصقاع الدنيا الدعاية لمنتجات GM باعتبارها مصلحة استراتيجية وتجارية حيوية، وضغطوا على الحبر “الأعظم” عند النصارى (بابا الفاتيكان) للتصريح بمساندة تقنيات الشركة على نمط الفتوى الدينية الإسلامية، وتقويض معارضتها في الدول الكاثوليكية!!! أفادت أبحاث التسعينيات أن 20 شركة أدرجت في قائمة أفضل 100 شركة في مجلة Fortune، بمؤازرة الدولة، رغم إدارتها السيئة لعملياتها الدولية، واعتمادها على وكلاء الحكومة لتمهيد السبل، ومنها شركة Apple التي ترتكز فيها أجهزة أيفون وأيباد المدرة للأموال الطائلة على التقنية المطورة في القطاع العام وتنتقل إلى المال الخاص.

يعتمد توغل الشركة في أسواق شرق آسيا لتقليص تكاليف الإنتاج على تفاوض الحكومة الأميركية لإفساح المجال للمستثمرين الأميركيين. ويهتف المسؤولون الأميركيون لمزايا التجارة اللامقيدة لتمكين الولايات المتحدة من الهيمنة على الأسواق الدولية والتنعم بفوائد التجارة باتفاقية عبر المحيط الهادئ (TPP). أشاع ويكيلكس ثمار بعض المفاوضات عن تأسيس شراكة المحيط الهادئ TPP في عام 2014، وشد الانتباه إلى تهديد حرية المعلومات والحقوق المدنية والتطبيب الواردة في القوانين المقترحة. ارتأى أن المعاهدة بمثابة “أهم اتفاق تجاري اقتصادي على مستوى العالم التي تطوق 40% من الناتج المحلي-الدولي بعد تنفيذها”. وتتكون من ميثاق شركات يضمن الحقوق والصلاحيات للشركات بذريعة “التجارة اللامقيدة”؛ ويعد نتيجة لمحور أوباما تجاه آسيا ومحاولته دمج اقتصادات شرق آسيا في كتلة تجارية مع الولايات المتحدة باستثناء الصين، للاستحواذ على نصيب الأسد من النشاط الاقتصادي المستقبلي، واستغلال النفوذ السياسي الأميركي لضمان استدامة المنافع كنموذج لـ”إمبريالية التجارة اللامقيدة”. ينبغي معرفة الأساس السياسي والاقتصادي لإمبراطورية “التجارة اللامقيدة” لاستيعاب أهمية وثائق ويكيلكس وأسباب محاربته بعنف وسجن جوليان أسانج. تتجسد الإمبراطورية الأميركية النوعية في الانتشار العالمي للرأسمالية وشرعنتها رسميًا. ويتم الحديث عن “العولمة” كما لو أنها عملية طبيعية بلغت أوجها في طفرة الأسواق التي تمضي قدمًا طالما أنها لا تجابه عقبات وجمود من الدولة أو الاحتكارات المصطنعة، إلى حد يشبه مناقشات وسائل الإعلام المضللة عن الأسواق وكأنها إله غاضب كلما أصيبت بركود أو انهار بنك. تتفاوت الأسواق في القواعد الثقافية والسياسية. وتقتضي قيادة سياسية، مبادرة لإنشائها وإدامتها اجتماعيًا واقتصاديًا، تطوير القوانين والمؤسسات الداعمة، الوقت والتخطيط لإدماج السكان في الأسواق. استغلت الولايات المتحدة هيمنتها السياسية منذ الحرب العالمية الثانية لتطوير اقتصاد دولي بأنماط عشوائية أو مدمرة للذات، للهيمنة على التجارة والتوغل في الأسواق والموارد الرئيسية. وسيطرت من الناحية التخطيطية في فترة ما بعد الحرب بنظام بريتون وودز الذي ينعته البروفيسور في مجال العلاقات الدولية بيتر جوان بـ”نظام الدولار-وول ستريت”. حدد بريتون وودز قيمة العملات الدولية على مقياس الذهب لمنع تقلبات الأسعار المزعزعة للاستقرار وتمكين الاقتصاد الدولي من التطور. ويعد صندوق النقد الدولي المؤسسة التي أنشئت لإدارة النظام وضبط أسعار العملات بترتيب تعاوني. أدارت الولايات المتحدة النظام الدولي بمشاركة الدول المتحالفة في الأسواق والعملات والعقود والممتلكات. وارتبط ذلك بسلسلة من قوانين البنوك وحركة رأس المال داخل البلدان وخارجها لتوجيه رأس المال نحو الاستثمار الإنتاجي والتنمية الصناعية التي منحت الدول القومية درجة من الحرية في التخطيط للتنمية الاقتصادية. أوردت مجلة Fortune وTime وLife في عام 1942، أن عهد التجارة اللامقيدة استبعد آنذاك بانتفاضة البروليتاريا العالمية (طبقة العمال). وأسست أميركا قيود على رأس المال لإرضاء “الانتفاضة” السياسية لفترة مؤقتة. حث المجتمع الدولي بلدان “العالم الثالث” على تطوير اقتصاداتها باستراتيجيات استبدال الواردات لترسيخ فئة الأعمال المستقرة. وباتت التجارة مع بريطانيا وأوروبا المحور الاستراتيجي لإنشاء “منطقة التجارة الحرة العالمية”.

لم يكن ثمة ضمان لعولمة “التجارة اللامقيدة”. وازدهر نظام ما بعد الحرب. نما الناتج المحلي-الدولي بين عام 1945 و1970، بنسبة 4.8% سنويًا التي وارت نمو الدول المهزومة في الحرب العالمية الثانية الذي أفضى إلى توسع نطاق التجارة العالمية، حيث ارتفعت نسبة الصادرات إلى 290% بين عام 1948 و1968. وهن الاقتصاد الأميركي في نهاية الستينيات 1960، وتراجع نسبيًا مقارنة باليابان وألمانيا الغربية التي هزمتهما واشنطن، ثم ساهمت في إعادة إعمارهما بخطة مارشال. قوضت حرب فيتنام ونفقاتها الخزانة الأميركية والاقتصاد المنتج لصناديق الاستثمار الحيوية. وأدت إلى اضطراب الأمن الداخلي وانهيار القانون والنظام. أذعن الاقتصاد الدولي الذي ازدهر بوصاية الولايات المتحدة منذ عام 1945، لأزمة. وانحدرت الهيمنة الأميركية الدولية في تلك المرحلة. مكنت قرارات إدارة نكسون التي كانت تصادفية من وجهة نظر الأميركيين، من إعادة تمحور النظام العالمي على أسس جديدة. وبدأت الهيمنة الأميركية مرحلة حديثة. ألغى نكسون مقياس الذهب وأسعار الصرف الثابتة. وبقي الدولار العملة الدولية لتبادل التجارة، لكن قيمته تتأرجح بناءً على قرارات وزارة الخزانة. قلصت إدارة نكسون من دور البنوك المركزية في تنظيم التمويل الدولي لتمكين البنوك الخاصة من الإقراض، وأسست نسيج تنظيمي لنفوذ المستثمرين الماليين. تجاوزت الأموال المتدفقة عبر الحدود أموال الاستثمار في الإنتاج، مستجيبة لأدنى حافز دولي. ولم تتصاعد إلى خطة هيمنة دولية. أدت التغييرات إلى رفض من الدولة والمصارف. بيد أن تمكين التمويل ساهم في اضمحلال المشكلات المحلية. واقتنعت الشركات الأميركية في السبعينيات بتأثير التضخم الناجم عن الأجور والاتحادات العمالية على إعاقة الموارد المادية. تطلعت إدارة جيمي كرتر إلى رئيس الاحتياط الفيدرالي، باول فولكر، لمعالجة الأزمة. واعتقد فولكر بضرورة إرساء توقعات العمال والمستهلكين بمقياس ثابت من أجل توفير ظروف استثمار مستقرة. هيأ مقياس الذهب وأسعار الصرف الثابتة استقرار بعد الحرب، وبات التضخم المضاد معيار الاستقرار الجديد. نفذ الاحتياط الفيدرالي استراتيجية لرفع أسعار الفائدة إلى مستويات عالية بعنوان “صدمة فولكر” لاختراق توقعات العاملين بأجر. ويعد تفاقم نسبة البطالة ثمن سياسي لمكافحة التضخم في السياسة المالية المؤقتة التي تطلع وول ستريت إليها بعد إلغاء قيود المقايضة المالية عام 1974. ارتأت الشركات أن تمكين وول ستريت شرط لحل مشاكلها. وتضخمت أهمية الدولار بالتزامن مع تحرر الأسواق المالية العالمية وتوسعها، مما منح واشنطن مصدرًا للقوة السياسية، ورسخ المكانة الدولية لوزارة الخزانة الأميركية. هبطت اقتصادات البلدان بقيود لم تواجهها الولايات المتحدة. وتوجست من ميزانية نفقاتها وقيمة عملتها الدولية لشراء البضائع من الخارج، في حين تستطيع الولايات المتحدة طباعة عملتها بدون عراقيل. سيطر وول ستريت ولندن على النظام المالي الدولي بالاتفاقيات الدولية، وأهمها معاهدة المسؤوليات المالية لمفاوضات أوروجواي GATT في الفترة 1986-1994، التي ابتكرت نظام تحرر الممولين بأدوات معقدة لتضخيم الإيرادات الضريبية (الإتاوات)، مهما كانت محفوفة المخاطر. وساهم صندوق IMF في استغلال الديون بانفتاح أسواق البلدان ذات الدخل المنخفض وفرض “تأقلم اقتصاداتها الهيكلي” للاندماج في نظام الدولار-وول ستريت. تدفقت المعاهدات الدولية، والكتل التجارية الإقليمية، والمنظمات متعددة الأطراف حتى انبثق اليورو، وأمضت أميركا الشمالية على اتفاق التجارة (NAFTA)، وتأسيس منظمة التجارة العالمية (WTO). اقترح صندوق النقد الدولي “العلاج بالصدمة” المخصص “للعالم الثالث”، في روسيا وشرق أوروبا. وارتبط ذلك بتغيير في نمط الهيمنة الأميركية. اقتضت محاولات الولايات المتحدة لإدارة النظام العالمي الاعتماد على الديكتاتوريات المتطرفة في فترة ما بعد الحرب لتحديث اقتصاداتها، وإنشاء طبقة أعمال محلية لتجنب تأثير الشيوعية. وانبثق عنف في “الفناء الخلفي” القديم لأميركا في المرحلة الانتقالية لنظام الدولار-وول ستريت من انقلاب التشيلي إلى حرب الاستنزاف في نكاراغوا، كجزء من قمع الحركات اليسارية الصاعدة التي هددت مكانة التجار وأقلية الأثرياء. ارتبط التحرر السياسي بخطاب حقوق الإنسان. وتمثلت الرؤية السائدة بعد الحرب الباردة في الديموقراطية الرأسمالية الليبرالية كنهاية للتاريخ. وكلما اندمجت بلدان “الفناء الخلفي” لأميركا في النظام الدولي، ألغت قيود أسواقها، خصخصت الشركات الأميركية ممتلكاتها العامة وإدارتها، وأفضى توقيعها على معاهدات التجارة العالمية والإقليمية إلى تقليص التدخلات العسكرية العنيفة، مما يبرهن للمرة الألف على أن الاقتصاد المحفز الأول والمحوري للحروب. تحولت الديكتاتورية تدريجيًا إلى حجر عثرة، واستعدت أميركا لتقديم دعم محدود للمنظمات الديموقراطية، بشرط أن تكون متناغمة مع توسيع “الأسواق اللامقيدة” بإدارة الدول الغربية المهيمنة. لا تستطيع الولايات المتحدة إقصاء الأساليب القديمة للانقلابات وأنظمة الدمية العميلة والحروب. ولن يحقق النظام الدولي الترابط الدائم والصعود إلى جنة كانط للسلام الأبدي بـ”قبضة خفية”.

لماذا دعمت الإمبراطورية الأميركية الانقلابات في هايتي والإكوادور؟ لماذا أرسلت الحكومات المتتالية قواتها إلى جمهورية الدومينيكان؟ ولماذا خاض رونالد ريجان حرب للاستيلاء على جزيرة جرينادا؟ قد لا نستطيع تمييز المصلحة المادية الملائمة للنفقات الأميركية. هل اجتاحت واشنطن جرينادا من أجل تجارة جوزة الطيب؟ وهل خشيت من تهديد “النموذج القدوة” في نكاراغوا مثلما زعمت منظمة أوكسفام؟ لا يمكن تفسير “المصالح” دائمًا بالافتراض المعتاد من أجل شركات النفط أو بيبسي. وقد تشن الحروب لمصلحة ذاتية ضيقة. لكن الغاية الأولية للإمبراطورية الأميركية عولمة “الأسواق اللامقيدة” والمؤسسات والقوانين التي تدعمها. وتستطيع التجارة تحقيق ما تفشل الجيوش في تنفيذه. على سبيل المثال: أورد ويكيلكس أن السفارة الأميركية في عام 2000، بعد 25 عام من هزيمة الولايات المتحدة في فيتنام، دمجت الحكومة الفيتنامية في نظام العولمة بقيادة واشنطن الذي يتضمن برامج الخصخصة، والامتثال لبرامج صندوق النقد الدولي التي تؤثر سلبيًا على الاقتصادات المحلية، وتؤسس لعلاقة خضوع وتبعية بين المديونين والدائنين: عبودية الديون. وتمكنت أميركا أيضًا من توزيع القروض بانتقائية لمساندة البلدان المثقلة بديون الشركات الأميركية، أو تلك المتحالفة سياسيًا مع الحكومة الأميركية. لماذا وافقت الحكومة الفيتنامية الاشتراكية اسميًا التي هزمت الإمبراطورية في حرب مروعة على الإذعان للعولمة الأميركية؟ قد تكمن الإجابة في المكتب السياسي الذي يطمح إلى إعادة بناء اقتصاد فيتنام الموحدة بعد دمار الحرب ضمن اقتصاد عالمي يتسم بالاندماج والتنافسية. وتبين عسر التخصيص المنطقي للموارد الاقتصادية والتخطيط بكفاءة. لا يمكن الهيمنة على أسعار البضائع في اقتصاد دولي متقلب أثناء عزلة فيتنام. واعتقد المسؤولون الفيتناميون أن مشاكلهم ناتجة من رفض الانصياع لقوانين الاقتصاد الدولية التي تذرعت بها الحكومة للتهرب من المسؤولية. تهمل الاقتصادات العلاقات بين الهياكل السياسية والقانون والملكية والأسواق. وأتاح ذلك للمكتب السياسي اتباع إدارة غورباتشوف في اعتناق سياسات الخصخصة المؤيدة للسوق حتى بلغت ديون فيتنام في فترة وجيزة مليار دولار. طرح صندوق النقد الدولي مقترحاته وقتئذ. وأوصى بالسياسات التي يقدمها لجميع المديونين: إلغاء الدعم الحكومي للمواطنين، إزالة قيود الأسعار والصرف ورأس المال، الخصخصة، وتهيئة الظروف لتمزيق اقتصاد فيتنام التي وقعت في فخ الديون. كلما اقترضت فيتنام من صندوق النقد الدولي، تفاقمت حاجتها إلى الاقتراض، وتراكمت ديونها. وكلما اعتمدت على سياسات “السوق اللامقيد”، تضخمت تبعيتها للأسواق الدولية وفقدت السيطرة على اقتصادها. حاربت الولايات المتحدة فيتنام بذريعة تجنب “خطر الشيوعية”، وفشلت. وتغلبت على الفيتناميين عندما اجتاحت بلادهم بالديون والتمويل ومؤسسات الرأسمالية الدولية.

عن Rokayah

شاهد أيضاً

العالم من أفق الإمبراطورية الأميركية…19

استغل البنتاغون ودعاة الحرب من المحافظين الجدد الذين سكنوا البيت الأبيض في عهد جورج بوش …