الثلاثاء , نوفمبر 30 2021
الرئيسية / صحافة / العالم من أفق الإمبراطورية الأميركية…5

العالم من أفق الإمبراطورية الأميركية…5

اتسمت المرحلة الثالثة لدعم ديكتاتوريات أميركا اللاتينية بالقتامة والدموية، عندما استبدلت مناشير مناهضة الشيوعية في زمن الحرب الباردة بلغة “حقوق الإنسان”. وزعمت إدارة ريجان أن اهتمامها بأميركا اللاتينية نابع من حرصها على تأسيس أنظمة ملتزمة بالحقوق الدولية. أعلنت في السلفادور عن دعم الديموقراطيين المسيحيين كبديل عن حزب أرينا الفاشي المناهض للشيوعية الذين قد يرتقون إلى الحكم المدني. بينما أعلنت واشنطن في هايتي عن نهاية دعمها لديكتاتورية جان كلود دوفاليه ونزوعها إلى تنفيذ انتخابات حرة. ولجأت في نكاراغوا، بعد سنوات من عنف الكونترا (فرق الموت)، إلى فيوليتا تشامورو لهزيمة الساندينيستانيين في انتخابات عام 1990، بمساندة أميركية جمة، والتهديد بالحصار الاقتصادي الذي خسرته. أشادت وزارة الخارجية بتطورات “حقوق الإنسان”، إلى جانب قرارها التخلص من نظام ماركوس في الفلبين. وتغلبت الكونترا في نكاراغوا والسلفادور في ذلك الحين، مما ضمن استدامة هيمنة الطبقات الحاكمة القديمة. تغير تفوق المرشح الجماهيري جان برتراند أريستيد في انتخابات هايتي عام 1990، إلى الإبادة الجماعية بانقلاب مدعوم من الولايات المتحدة في العام التالي. ولم تُتاح عودة برتراند إلى منصبه إلا في عام 1994، عندما رضخ لتنفيذ أجندة الخصم الذي هزمه في الانتخابات. لم تقبل أميركا الحكم الديموقراطي إلا بعد أن انتهت صلاحية الديكتاتوريات القديمة التي أثبتت أنها غير ملائمة للمقاصد الأميركية الآنية، أو هُزمت القوى الشعبية المعارضة لفئة التجار المدعومة أميركيًا. وتزامنت موجة العنف في الثمانينيات 1980، مع إعادة الهيكلة الاقتصادية المتطرفة لمجتمعات أميركا اللاتينية التي كان حافزها الرئيسي “صدمة فولكر”. وهبت البنوك الدولية قروض للديكتاتوريات في السبعينيات، مما عرضها لقرار رئيس مجلس الاحتياط الاتحادي الأميركي باول فولكر برفع نسبة الفائدة. واستهلك ريع صادرات أميركا اللاتينية بسداد الديون، مما رسخ اتكالها على صندوق النقد الدولي. اشتملت شروط الاتكال أو “الإنقاذ” على تغييرات بنيوية جذرية على غرار ما تم تنفيذه في التشيلي بإدارة “فتيان شيكاغو”. واحتوت تعليمات صندوق النقد الدولي على مزيج بات مألوف الآن من الخصخصة، تقليص الدعم، تقييد الأجور، وإنجاز الانتقال طويل الأجل إلى “النمو المعتمد على التصدير” الذي يقمع الاستهلاك المحلي لإنتاج البضائع من أجل التصدير. استثمرت المعونات والقروض في الديكتاتوريات المحورية على نمط هايتي، لتمهيد الإنتاج الزراعي والصناعي لرأس المال الأميركي. ولخصت الغايات الاستراتيجية الأميركية في هايتي بـ”الزراعة المعاد هيكلتها والمعتمدة على التصدير إلى أسواق الولايات المتحدة والاستغلال الأميركي، وسكان الريف النازحين الذين لا يمكنهم العمل في المدن بمجال الصناعات الأميركية الخارجية، والأكثر إذعانًا لسطوة الجيش”. ساهم التقليص من عنف ريجانيرا، تشييد الديموقراطية النيابية (البرلمانية)، وإزاحة السلطة الأوليغارشية القديمة على مهل، في إنشاء فرص لقوى الشعب، على الرغم من إنجازات الإصلاح النيوليبرالي وهزائم اليساريين. وحشدت واشنطن طاقاتها في سياق “الحرب على الإرهاب”، لتوسيع نطاق هيمنتها في الشرق الأوسط، في حين تحررت دول في أميركا اللاتينية من الهيمنة الأميركية. تصدت فنزويلا في عهد هوغو تشافيز لانقلاب مدعوم من الولايات المتحدة، وامتطت أجندة الإصلاح الاجتماعي الممولة من موارد الطاقة. وانضمت مجموعة من اليساريين إلى تشافيز الذين رسخوا قوتهم الإقليمية بتأسيس الرابطة البوليفارية لشعوب أميركا (ألبا). امتنعت الولايات المتحدة عن التدخل العسكري أو بالوكالة في القارة بغض الطرف عما حاولت القيام به في فنزويلا، واستثناء كولومبيا، واستعانت بمؤسسات “ترسيخ الديموقراطية” التي طورتها منذ الثمانينيات لدعم التيارات الموالية للولايات المتحدة. حرصت على تجنيد وكالة متعددة الأطراف بعد انتهاك سيادة هايتي والحصول على تفويض من “الأمم المتحدة” لإضفاء شرعية على وضع ما بعد الانقلاب. وأرادت تسوية الانتخابات بدون برتراند وحزبه “فانمي لافالاس” وسياستهما الشعبية بقدر ما كان النظام التالي عنيفًا في أغلب الأحيان. يعد المنهج الأميركي وقتئذ فاشيًا وغير ديموقراطي وهمجيًا، لكنه أقصى الإبادة الجماعية للحرب “منخفضة الكثافة” في الثمانينيات.

تضمنت تسريبات وزارة الخارجية الأميركية عام 2011، وثائق دولة جزر الكاريبي والسياسة الأميركية التي تبين حماية مصالح الشركات الأميركية، ومنع عودة الرئيس المنتخب ديموقراطيًا الذي أزيح بانقلاب مدعوم من الولايات المتحدة، والتحالف مع النخب المستغلة للعمال التي تجند ضباط الشرطة من أجل الانحياز إلى منافعها. وتبرهن برقيات على الجهود الأميركية لإعاقة عودة القس جان برتراند أريستيد إلى هايتي، الرئيس المنتخب الذي تنحى قسرًا في عام 2004، بانقلاب مدعوم من الولايات المتحدة. رافقت قوات البحرية الأميركية برتراند فيما وصفه بـ”اختطاف العصر الحديث”. وتلا ذلك حشد قوات احتلال للأمم المتحدة بذريعة أنها “بعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار” في هايتي، في حين كانت الغاية منها تكريس نظام الانقلاب في السلطة. توجس المسؤولون الأميركيون من قدرة برتراند على جذب الجمهور وعودته، لتهديد “ترسيخ الديموقراطية” المزعومة الناتجة عن الانقلاب، لاسيما من قوى الشعب السياسية المناهضة لاقتصاد السوق التي قد تتحرر من القيود فيما إذا تمكن برتراند من العودة. ولذا، ضغطت لبقاء بعثة الأمم المتحدة في هايتي وتنفيذ المصلحة الأساسية للحكومة الأميركية. وطلب رئيس بعثة الأمم، إدموند موليت، من الحكومة الأميركية اتهام برتراند قانونيًا لمنعه من العودة إلى هايتي. تثبت وثائق مغايرة تواطؤ السفارة الأميركية مع الشركات الأميركية العملاقة للضغط على حكومة هايتي لحظر زيادة الحد الأدنى للأجور الذي يعد من بين أدنى الرواتب على مستوى العالم، وانبثقت حركة سياسية من ذوي الأجور المنخفضة والعاطلين عن العمل لتشريع زيادة الأجور. ضغط دبلوماسيون أميركيون على الرئيس رينيه بريفال للسيطرة على الوضع السياسي. وازدرت السفارة الأميركية بريفال عندما وافق على ارتفاع تدريجي للأجور، بذريعة أنه لا يعكس “الواقع الاقتصادي”، الذي يفترض أن استراتيجية النمو والتصدير في هايتي تعتمد على وفرة العمالة منخفضة الرواتب. أماطت تسريبات اللثام عن النخب المدعومة من الولايات المتحدة، وأساليب القمع الوحشية المطبقة بعد انقلاب 2004، لكسر العمود الفقري السياسي لمؤيدي برتراند. وأوجعت الكونترا هايتي في عام 1991، بقتل الآلاف، إلا أن حكومة ما بعد الانقلاب لم تتيقن من استمرارية نظامها السياسي. أمدت نخبة التجار الشرطة “الوطنية” الهايتية بأسلحة قاتلة، ونشرتها كجيش خاص لقمع المعارضة السياسية. ولا يمكن استيعاب دعم أميركا للانقلاب المناهض للديموقراطية، وتحالفها مع التجار المستغلين والنخب القاتلة، وجهودها لمنع عودة رئيس هايتي المنتخب إلا في ضوء استراتيجية واشنطن فيما تعتبره “فنائها الخلفي”. يشمل تاريخ الحكام المستبدين المدعومين من الولايات المتحدة المراحل الثلاث الذي بدأ بتدخل القوات الأميركية في عام 1915، لبناء نظام عميل. ودامت الأولوية الأميركية في المرحلة الثالثة للحكم الإقليمي المباشر، حيث سعت إلى أنظمة مستقرة يمكن “تحديثها” بما يلائم واشنطن مع منع اليساريين من إدارة شؤون بلادهم. ومن ثم، لم تعد الولايات المتحدة بحاجة إلى حكم هايتي بالسيطرة العسكرية عندما أنشأت جهاز عميل للأمن القومي، ودعمت أنظمة مثل دوفاليه وابنه وأمدتهم بالأسلحة الذي امتد إلى التدخل العسكري المباشر لحماية الديكتاتورية. ساندت الولايات المتحدة دوفاليه في انتخابات عام 1957، عندما تصدى للمرشح الثري المدعوم من فرنسا لويس ديجوي. وفاز دوفاليه بالانتخابات المضللة، وأسس نظام وحشي مبني على قواته شبه العسكرية، Tontons Macoutes. تعاون مشاة البحرية الأميركية مع قوات دوفاليه في غضون عامين، لسحق تمرد ديجوي على الديكتاتورية، واعتقال المشتبه بهم. وبررت الولايات المتحدة سياستها بادعاء تنظيم كوبا بقيادة كاسترو للانتفاضة، بدون أدلة على ذلك. أتقن دوفاليه التلاعب باستحواذ فكرة الشيوعية على واشنطن للحصول على المساندة التي تطلعت أميركا إلى تقديمها. وألغى أجهزة إنفاذ القانون لتفعيل القوات شبه العسكرية التي أرهبت السكان بالاعتداء على النساء والمذابح.

أفضى بذخ دوفاليه في إنفاق الأموال الأميركية في عهد إدارة جون كينيدي، وقراره لرئاسة هايتي عام 1961، إلى اعتباره حليف غير موثوق به. وسعى دوفاليه إلى البقاء في السلطة بمختلف الوسائل. ناقش كينيدي الاقتحام العسكري لإزاحته. ووضعت خطط لتواصل خصمه ديجوي مع أوساط التجار الرواد في نيويورك لتمويل الانقلاب مقابل التوغل في الأسواق الهايتية والعقود التجارية الحكومية. وطد دوفاليه سلطته آنذاك بالإرهاب الدموي الذي نفذه بأموال المعونات الأميركية. ولم تهرع واشنطن إلى مساندة الشعب، ولم تلغي المعونات لكنها قلصتها. استأنفت إدارة جونسون العلاقات مع دوفاليه وفاقمت المعونات. دشنت مرحلة من العلاقات بالإطاحة بحكومة دوفاليه الابن في عام 1986، وأعادت القس برتراند أريستيد الذي دعمت الانقلاب عليه وأقصته من الانتخابات لرئاسة البلاد عام 1994!!! تابعت إدارة ريجان سياسة نكسون وكارتر في دعم دوفاليه الابن، بذريعة أنه المناهض للشيوعية. ونهضت حركة يسارية في هايتي اعتبرتها واشنطن “تهديد أحمر”. نشأت حركة لافالاس كائتلاف شعبي من أحياء العاصمة بورت أوبرانس العشوائية المدقعة في الفاقة، لاقتلاع الحكم شبه العسكري والسياسات الاقتصادية التي تستفيد منها النخبة الاستغلالية. استجابت الحركة للخطابات المؤثرة للقس جان برتراند. وأصابت إدارة ريجان بالذعر التي قطعت المعونات على فترات وساندت معارضة متفرقة-واهنة لمجابهة عنف الحكومة. لم تتسامح الولايات المتحدة مع انتقال ديموقراطي في هايتي. وحاول دوفاليه الابن دمج الدولة في الأسواق العالمية على خطوط واشنطن النيوليبرالية، لكن حركة برتراند هددت بالنقض. تقلد برتراند الرئاسة في عام 1990 بنسبة 67% من الأصوات، مقارنة بـ14% للاقتصادي في البنك الدولي المحبذ أميركيًا مارك بازين. وحركت واشنطن الكونترا المدربة من وكالة المخابرات CIA، لإغراق هايتي في دوامة الإرهاب لمدة ثلاث سنوات التي انتهت برضوخ برتراند لأجندة خصمه السياسية وإدارة البلاد بموجب شروط صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. أذعن لبرنامج “التنظيم الهيكلي” الذي تضمن تخفيض أجور العمال الذين يعانون من فقر مدقع. وصرح مبعوث الأمم المتحدة الأخضر الإبراهيمي لإذاعة هايتي عام 1996، بأن “الولايات المتحدة تقبل التغيير السياسي، ويجب أن تدرك النخب وجدانية الأخ الأكبر، الرأسمالية، فيما يختص بالقوة الاقتصادية”. لم يكن رضوخ برتراند المتردد كافيًا، وأدى تنفيذ “التنظيم الهيكلي” إلى انقسامات في حركة لافالاس بين جناح “معتدل” مقرب من واشنطن وأولئك المتحالفين مع برتراند الذين حاولوا تمييع البرنامج. ولم يتأقلم جناح برتراند مع الهزيمة السياسية الناجمة عن إرهاب الكونترا (فرق الموت)، ولا استيعاب نظام السوق اللامقيد بقوانين. ارتبطت السياسة الأميركية آنذاك بانتقاد سجل الحكومة في مجال حقوق الإنسان. وطورت الولايات المتحدة اهتمامها بحقوق الإنسان في هايتي على نحو استثنائي ومباغت التي أهملتها في فترة دعم الديكتاتورية. أدار القس برتراند الحركات المتنامية ضد أصحاب المصانع الاستغلاليين ورد الفعل العنيف ضد “التنظيم الهيكلي”. وأسست نخبة التجار ائتلاف معارض بعنوان “المجموعة 184” التي ادعت أنها من أجل المجتمع المدني، بعد إعادة انتخاب برتراند كرئيس في عام 2000. حاولت إلغاء نتائج الانتخابات بالتعاضد مع مجموعات، ومنها “اللقاء الديموقراطي”. ونظمت إدارة بوش انقلاب على برتراند للمرة الثانية في عام 2004. وأمره المسؤولون الفرنسيون والأميركيون بالاستقالة قبل مرافقته إلى خارج البلاد بتهديد البندقية حيث احتلت القوات الأميركية والكندية والفرنسية البلاد. لم تقصد الولايات المتحدة تجديد مساندة الديكتاتورية العلنية!! وفرضت حكومة طوارئ وانتخابات تالية في ظل احتلال متعدد الأطراف ومتدثر بغطاء الأمم المتحدة، في حين اعتمدت على قوات الأمم المتحدة لقمع حركة لافالاس وشيطنتها بوصم “عصابات”. قضى برتراند حياته منفيًا، وعزلت واشنطن حركته السياسية لتنفيذ انتخابات بإدارتها. لم يستوجب الانتهاك الأميركي حكم سياسي مستبد، ولم تمارس عنف ضد السكان لإجبارهم على التصويت لنظام السوق الجديد.

أذاع موقع ويكيلكس الإلكتروني 1.7 مليون من السجلات الأميركية الدبلوماسية والمخابراتية في أبريل 2013، منذ كان هنري كيسنجر وزير للخارجية بعنوان “برقيات كيسنجر”، التي تمنح رؤية ثاقبة عن أداء وزارة الخارجية لإدارة عقبات الإمبراطورية الأميركية. وأوضحت أزمات تلك الفترة، وعنف التدخلات الأميركية بالتغاضي عن أسلوب كيسنجر الساخر. تضمن حصاد التقييم الأول للوثائق حقائق مثمرة ولقيمات من العناوين الرئيسية التي تشمل اجتماع كيسنجر مع وزير الخارجية التركي في عام 1975. وحظر الكونجرس الأميركي الأسلحة على تركيا ردًا على غزو أنقرة الدموي لقبرص الذي لا يزال يقسمها إلى شمال وجنوب حتى هذه اللحظة. أوردت الوثائق مقترح كيسنجر للتحايل على الحظر. وأخبره العاملين معه بأن مقترحه غير قانوني، فأجابهم قبل تشريع قانون حرية المعلومات: “اعتدت القول في الاجتماعات أن ما نفعله غير قانوني؛ وتستغرق الممارسات اللادستورية القليل من الوقت”. قد لا تستحق دعابة كيسنجر الساخرة الاهتمام، لكنها تبرهن على تحريض كيسنجر وإدارته لتمكين أنقرة من احتلال قبرص وصمت الحكومات الأميركية المتعاقبة على الاحتلال التركي، وتحايلها على حظر الأسلحة. أزاح انقلاب مدعوم من وكالة المخابرات الحكومة التشيلية المنتخبة برئاسة سلفادور أليندي عام 1973، لتثبيت الديكتاتور العسكري اللواء بينوشيه. وتتحدث المستندات التهكمية عن التفاعل الأميركي مع الانقلاب، بالإضافة إلى البرقيات المتراكمة التي ألغيت السرية عنها في أرشيف الأمن القومي بجامعة جورج واشنطن ونتائج تقرير هنشي عن أنشطة المخابرات في الانقلاب الذي نفذه مجلس الاستخبارات القومي عام 2000. ساهمت الولايات المتحدة في عرقلة إدارة اليساري المنتخب سلفادور، والإطاحة به في نهاية المطاف. وتميز المجتمع التشيلي إلى عام 1970، بالاستقرار النسبي والمحافظة وإقصاء اليساريين من السلطة. اكتسب اليساريون دعم شعبي طفيف في عام 1970 ومساندة مجموعات سياسية وسطى لمواجهة الأوليغارشية الصلبة التي رفضت الانضمام إلى الإصلاحات. ونال سلفادور تفويض بالحكم لتنفيذ أجندة الإصلاح. تحدث بلغة ماركسية في قارة تحدثت فيها الأوليغارشية بلغة معاداة الشيوعية المتغطرسة لتبرير القمع. وتفاعلت إدارة نكسون بمناقشة إمكانيات الانقلاب ضد الحكومة. أصدر كيسنجر تعليماته للمخابرات للضغط على نقاط ضعف سلفادور. ووافق نكسون في اجتماع مع مدير المخابرات ريتشارد هيلمز، على تطبيق برنامج تخريبي ضد النظام: “ليصرخ الاقتصاد من الألم”. ثم صَعَّدَ كيسنجر الوضع إلى خطة لخطف وقتل قائد الجيش التشيلي الذي اعترض على مشاركة الجيش في السياسة الانتخابية. وتطلع الأميركيون إلى إرهاب البرلمان التشيلي لحرمان سلفادور من الرئاسة. اشتملت الخطة ب أو المسار الثاني على هندسة انقلاب ضد سلفادور، ثم إعادة تنظيم انتخابات. وكتبت وكالة المخابرات إلى مجموعة المسار الثاني في العاصمة سانتياجو: “إنشاء سياسة صارمة للقضاء على سلفادور بانقلاب، ونقل الأسلحة إلى البلاد على أمل انضمام كتائب من الجيش إلى الانقلاب”. ساهمت شركات أميركية لديها ممتلكات في التشيلي، في إيصال المعونات الأميركية إلى فصائل التمرد على سلفادور. وحثت واشنطن المؤسسات المالية الدولية على مقاطعة التشيلي، وتجميد الإمدادات التقليدية للشركات الأميركية المستثمرة في البلاد، حتى صرخ الاقتصاد عمليًا!! ربما فرضت إدارة نكسون رغبتها فيما إذا استطاع الجيش التشيلي تسوية الشؤون السياسية قبل عام 1973. وقد لا يتجسد الانقلاب والتدخل المكثف إذا لم تتعارض أجندة سلفادور مع نخبة التجار وفئة من الطبقة المتوسطة. ارتفعت نسبة التصويت لسلفادور من 36% من الناخبين عام 1970 إلى 44% عام 1973، لكن الفئة الوسطى التي يعتمد ائتلافه عليها تحولت إلى دعم “Right”.

ألغت القوات بقيادة اللواء أوجوستو بينوشيه الحكومة في 11 سبتمبر 1973، وقصفت القصر الرئاسي واعتقلت أعضاء المعارضة الذين عذبوا وأعدموا جماعيًا. اتصل بينوشيه بالحكومة الأميركية في 12 سبتمبر لتجنيده كعميل، وأبلغها أن نظامه سيقطع العلاقات مع بلدان الكتلة الشيوعية، ويرسخ العلاقات الودية مع الولايات المتحدة. رحب الرد الأميركي في اليوم التالي “برغبة المجلس العسكري برئاسة الجنرال بينوشيه في تدعيم الروابط بين التشيلي والولايات المتحدة…تفصح الحكومة الأميركية من جهتها عن رغبتها في التعاون مع المجلس العسكري وتقديم العون بالطريقة الملائمة…نتفق على تفادي التصريحات العامة بيننا في البدء!!!”. وتلقت الولايات المتحدة رسالة من الطغمة العسكرية في 20 سبتمبر، للموافقة على تدريب القوات الخاصة على: أدوات الحرب النفسية، تنظيم وعمليات القوات الخاصة، تنظيم وعمليات الشؤون المدنية. كانت غاية الجيش التشيلي في تلك الظروف قمع السكان المدنيين والسيطرة عليهم. وأجابت واشنطن بعد بضعة أسابيع من التفكر بـ”لا” مؤقتًا، خشية من الدعاية السلبية، مع الموافقة الضمنية على مقاصد النظام: “ينبغي تلبية رغبات الحكومة التشيلية بقنوات مختلفة”. تحدث بينوشيه في اتصال مع وزارة الخارجية، عن إدراكه وحساسيته من “توثيق التقارب المفرط والحذر منه”. وتزامنت الدعاية الإيجابية مع مشاركة الولايات المتحدة في تقديم الإمدادات الإنسانية، لكن ينبغي “التزام الصمت في مجالات التعاون المغايرة”. وافقت وزارة الخارجية، وأوردت التعاون العسكري “في أجهزة اكتشاف الألغام ونزعها”. واظبت للضغط على الكونجرس من أجل تقديم إمدادات عسكرية واسعة النطاق للنظام التشيلي. وتوضح المزيد من البرقيات جهود الدبلوماسيين للمواءمة بين دعم الحكومة الأميركية للنظام وتضخم الانتقادات الدولية، لا سيما من لجنة حقوق الإنسان في منظمة الأمم المتحدة. أفاد تلغراف من السفير بوبر في سانتياجو، مارس 1975: “إن بينوشيه محق من حيث اللامساواة والمعايير المزدوجة المطبقة على التشيلي من ناحية وكوبا من ناحية مختلفة. وتمحورت المشكلة حول تلويث صورة التشيلي دوليًا. ربما قيد بينوشيه حقوق الإنسان مؤقتًا في ضوء الحرب الطارئة التي سادت في عهد سلفادور، لكن التشيلي توجب عليها الرد لإخماد ارتياب لجنة حقوق الإنسان للأمم المتحدة”. ارتأى السفير أن الاعتراضات مخضلة بالإدارة. وأرسل كيسنجر تلغراف ذات يوم إلى سانتياجو: “أخبر بوبر بإنهاء محاضرات العلوم السياسية”. كانت تلك الظروف مقدمة لإرهاب بينوشيه، والمرحلة البشعة التي نفذ فيها فريق مؤسس على نمط القوات الأميركية الخاصة عملية كوندور، لإشراك ديكتاتورية بينوشيه ضمن شبكة الأنظمة العسكرية في أميركا اللاتينية في برنامج دولي للإرهاب والتعذيب والقتل بقصد القضاء على الحركات اليسارية وقادتها. كان رئيس الشرطة السرية التشيلية الذي أنشأ عملية كوندور عميل لمخابرات CIA، في تلك الفترة. ونالت إصلاحات بينوشيه الاقتصادية أهمية مساوية لأجهزة الإرهاب المرتبطة بالنظام. وثقت مهام “فتيان شيكاغو” من طلاب أستاذ الاقتصاد الأميركي ميلتون فريدمان في تقديم المشورة للحكومة التشيلية عن إصلاح الاقتصاد. ونفذ بينوشيه توصياتهم لخصخصة الصناعات التي أممها سلفادور، خصخصة الضمان الاجتماعي، وإلغاء قيود ممتلكات الدولة للمستثمرين الأميركيين. تمكنت الديكتاتورية بتعطيل الأقلية التي تمثل سلفادور، واستقلال بينوشيه عن التجار، من إعادة جدولة الصناعة لإلغاء هيمنة التعدين القديم ورأس المال الصناعي الذي كان جزءًا من الاتجاه العالمي في مختلف الدول حيث تقيد المستثمرون بنماذج الدولة العتيقة للتنمية، وأرادوا إعادة تنظيم الصناعة وتحرر القطاع المالي وانفتاح الأسواق الدولية بتنفيذ نموذج “النمو المعتمد على التصدير”. تبين وثائق WikiLeaks، المتناولة مع النتائج التاريخية السابقة، التأييد الأميركي لانقلاب بينوشيه، والقنوط من التعاون مع النظام الجديد بآراء الفرسان في وزارة الخارجية من برنامج الطغمة العسكرية للتعذيب الجماعي والإعدام، ودعوتهم إلى تصحيح الاتجاه نحو اليساريين. وتهيأت الولايات المتحدة للتعاون مع الديكتاتورية العسكرية في موجة من الإرهاب، وتأطير القوة الاقتصادية الداعمة للإمبراطورية الأميركية.

يعد ميجيل بارجوم، أثرى تاجر في هندوراس بامتلاك الأراضي وتجارة الوقود الحيوي، وتهريب الكوكايين. وقتلت عصابته الأمنية العشرات من النشطاء الريفيين في السنوات الأخيرة. يعتبر ميجيل وعائلته الثرية نموذجًا للأوليغارشية التي استفادت من الانقلاب العسكري في يونيو 2009، على الحكومة المنتخبة لمانويل زيلايا. وتصاعدت معركته الدموية ضد الفلاحين منذ ذلك الحين بدعم من الانقلابيين. زعمت الولايات المتحدة أنها إلى جانب الديموقراطية في هندوراس. وأوضحت برقيات وزارة الخارجية أن واشنطن لم يكن لديها أدنى شك في حدوث انقلاب. أبرقت السفارة الأميركية في العاصمة تيجوسيجالبا تلغراف للإفادة بأن مبررات الانقلابيين للإطاحة بمانويل مزيفة وغير مثبتة، وليس لديهم شرعية قانونية. واتسم رد المسؤولين الأميركيين بالضبابية. رفضت الولايات المتحدة الإدانة في يوم الانقلاب، 28 يونيو 2009، ودعت الهندوراسيين بمراوغة إلى “احترام الديموقراطية”. امتنعت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون عن التعليق في اليوم التالي عندما استفسر عما إذا كان ينبغي إعادة مانويل إلى الرئاسة، حتى بعد إقرار الرئيس أوباما بحدوث انقلاب غير قانوني ولا دستوري وصمه بـ”سابقة مروعة”. وتظاهرت وزارة الخارجية في إحاطتها الصحافية عام 2009، بأنها لا تعلم بحدوث انقلاب. تجلى سبب المراوغة بعد دعم النظام الجديد. وأوردت وزارة الخارجية أن القانون الأميركي يحظر إرسال معونات إلى النظام الذي تولى السلطة بانقلاب عسكري. غير أن معوناتها تدفقت إلى تيجوسيجالبا لتمويل الجيش وقوات الشرطة أثناء عملها كفرق موت للنخبة، على الرغم من مناشدة الكونجرس للإحجام عن التمويل. وتعاضدت الكونترا مع قتلة ميجيل بمساندة جهاز الدولة المدعوم من الولايات المتحدة أثناء تنفيذ عملياته التي غالبًا ما تكون غير قانونية. بينت وثائق ويكيلكس أن وزارة الخارجية مطلعة منذ عام 2004، على تجارة ميجيل للكوكايين، واجتمع معه رغم ذلك مسؤولين أميركيين على “مستوى مرموق” في مناسبات كانت إحداها في عام 2009، أثناء الانقلاب. ثابرت الولايات المتحدة على منع استعادة الحكومة الديموقراطية. وصرحت كلينتون عن غضبها من الرئيس السابق لمحاولته العودة إلى بلاده بعد شهر من الانقلاب، معتبرة سلوكه “استفزازي”. عرقلت الولايات المتحدة قرار لمنظمة الدول الأميركية الذي يرفض الاعتراف بالانتخابات العقيمة لنظام الانقلاب. وترددت أصداء هايتي. لماذا كرهت إدارة أوباما حكومة مانويل المنتخبة إلى درجة أنها احتضنت بفعالية ما وصفه أوباما جهرًا بانقلاب غير دستوري؟ لعدة أسباب، ومنها: أولاً، تحالف مانويل الوثيق مع الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز الذي أحرج الولايات المتحدة بهزيمة المحاولة الانقلابية المدعومة من واشنطن في عام 2002، قبل تنفيذ إصلاحات جذرية. ثانيًا، قوض مانويل فرص المستثمرين الأميركيين بانضمام البلاد إلى التحالف البوليفاري الإقليمي لتشافيز (ألبا). وثالثًا، اقترح أجندة الإصلاح الدستوري التي دعمها العمال ودوائر الناخبين. تمت صياغة الدستور في غضون أزمة أميركا الوسطى، عندما أنشأ الأميركيون قواعد الكونترا التي تمولها المخابرات في الهندوراس وأرهبت شعب نكاراغوا والسلفادور. تجنبت هندوراس كوارث جيرانها في الثمانينيات لأن أقليتها الأوليغارشية الأوهن وأراضيها الأكثر وفرة مكنتها من تنفيذ الإصلاحات التي حث عليها ذوي المورد المحدود. وحازت على معونات اقتصادية وعسكرية أميركية مقابل استقبال الكونترا. اعتبرت الطبقة السياسية الدستور المعتمد في عهد الكونترا شائنًا، لا سيما القانون المضاد للمرشحين الرئاسيين الذين يسعون إلى إعادة انتخابهم منذ فترة هيمنة الجيش السياسية. واعتقد مانويل أن الفرع التنفيذي للحكومة حصنه المنيع ضد القوى التي تعارضه في المحكمة العليا والكونجرس والجيش ومجتمع الأعمال. يمكن ضمان إعادة انتخابه بتغيير الدستور واستثمار الوقت في انضمام هندوراس إلى ألبا، ناهيك عن متابعة الإصلاحات المختلفة. ولم تسجل وثائق ويكيلكس التأييد الأميركي للانقلاب الهندوراسي. ولم نعثر على دليل لتخطيط الولايات المتحدة للانقلاب أو التحريض عليه، حتى من أولئك الذين استفادوا من التمويل والتدريب الأميركي. لكن بعد تقييم الاختيارات والجدل الداخلي، قررت حكومة الولايات المتحدة أن عودة مانويل أخطر من الانسجام مع نظام توافق عليه شركاء أميركا من النخب الهندوراسية. أسبغت حكومة الانقلاب الشرعية على كيانها بانتخابات جديدة وإضفاء لمعان دستوري، بدلاً من إعلان حكم عسكري طارئ. وكان حجم العنف أقل مما شهدته الانقلابات السابقة في الدول المجاورة. ولم يكن قلق أوباما على ما يبدو من “السابقة المروعة” رياء. قد يضطرب المناخ السياسي والاقتصادي المستقر من عودة الانقلابات الروتينية والحكم العسكري في أميركا اللاتينية. ويهدد بإنعاش الحركات السياسية الثائرة بعد القضاء عليها، وتقويض منطقة التجارة الحرة للأميركتان. تبين تسريبات أميركا اللاتينية وانتهاكات حقوق الإنسان نمط مختلف عن الشرق الأوسط، حيث تشبثت الولايات المتحدة بالديكتاتورية باعتبارها الشكل السياسي المحبذ. واستبدلت الإمبراطورية الأميركية الحكم العسكري المباشر بمرحلة الحكم بالوكالة المدعومة بالانتهاكات العسكرية وشبه العسكرية. مكن العنف الانتقالي من التنظيم الهيكلي وإضفاء الطابع المؤسسي على التجارة اللامقيدة، حتى أفضى إلى نظام إقليمي متميز بندرة التدخلات الأميركية ومرتبط بالهيمنة على الاقتصاد وحركة الأسواق.

عن Rokayah

شاهد أيضاً

العالم من أفق الإمبراطورية الأميركية…19

استغل البنتاغون ودعاة الحرب من المحافظين الجدد الذين سكنوا البيت الأبيض في عهد جورج بوش …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *