الثلاثاء , نوفمبر 30 2021
الرئيسية / صحافة / العالم من أفق الإمبراطورية الأميركية…3

العالم من أفق الإمبراطورية الأميركية…3

تمت الإطاحة بديكتاتورية زين العابدين بن علي الذي توفي في 19 سبتمبر 2019، في يناير 2011. وتعد وثائق ويكيلكس عن تونس من أهم العناصر التي أدت إلى إزاحته وهربه إلى مدينة جدة السعودية بالعبارة التي انتشرت في وسائل الإعلام: “بن علي هرب…بن علي هرب يا توانسة…هرمنا من أجل هذه اللحظة”. أرسل السفير الأميركي روبرت جوديك برقيتين: كُتبت إحداهما في يونيو 2008، والثانية في يوليو 2009، لوسم طغيان بن علي بعبارات هادمة. وتركز برقية عام 2008 على الفساد. أدار بن علي تونس بقبضة حديدية ويد متشبثة جشعة: “تطمع عائلة الرئيس في الأموال والأراضي والمسؤوليات ومختلف الممتلكات، واليخوت، وتحصل على ما تريد…يبدو أن 50% من التجار التونسيين يتوقون إلى تمتين العلاقة مع بن علي بالزواج… وقد أدت مظاهر الثروة وشائعات الفساد إلى صب الزيت على النار مع ارتفاع نسبة التضخم والبطالة”. تتحدث برقية 2009 عن حقوق الإنسان: “إن النظام دولة بوليسية مع نسبة ضئيلة من حرية التعبير وإنشاء الجمعيات، وانتهاكات جسيمة في مجال حقوق الإنسان”. واعتقد السفير أن الدولة “في ورطة”. اشتكت البرقية من قيود النظام على البرامج الأميركية، وعداء الصحافة الحكومية لشخصيات المجتمع المدني الموالية لأميركا. لكن الأمر الأكثر إشكالية “تكثيف مخاطر استقرار النظام على المدى البعيد…لفساده وقاعدته الاجتماعية الضيقة، وضبابية الرئيس الخلف لابن علي”. ولم يكن قمع بن علي خبرًا حديثًا للولايات المتحدة. لقد اضطهد مختلف أطياف المعارضة منذ انتزاعه السلطة بانقلاب “غير دموي” عام 1987. وباتت تونس حليف إقليمي لواشنطن منذ استقلالها عن الاستعمار الفرنسي. انضمت الدولة إلى “الحرب على الإرهاب”، ونتيجة لذلك كانت من المتلقين الأوائل للدعم العسكري الأميركي. تباهت “صحيفة الوقائع” على الموقع الإلكتروني للسفارة الأميركية في تونس، بأن “تونس من أهم عشرين متلقي لتمويل التعليم والتدريب العسكري الأميركي منذ عام 1994؛ وتبوأت المرتبة العاشرة في التمويل منذ عام 2003”. لا تهتم القوات التونسية باستعراض القوة العسكرية في الخارج. ويحمي الجيش الجمهورية العلمانية كخط أخير للدفاع المدني. أسس الجيش كتائب شبه عسكرية للتدخل في الشؤون السياسية والمدنية، من أجل قمع المعارضة. ودعمت المعونة العسكرية الأميركية النظام في هذا السياق. أشارت برقيات جوديك إلى خطر الارتباط بنظام في دوامة من الانحدار. ولم يكن التلميح الأول للدبلوماسيين الأميركيين عن وهن حكومة بن علي. أوردت برقية السفير وليام هدسون في عام 2006، أن “عددًا متناميًا من التونسيين يتحدثون عن خلافة ونهاية عهد بن علي”. واقترح السفير جوديك بعد فوز أوباما، ترميم صورة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وبالتالي، ينبغي قطع المعونة العسكرية للنظام. أثارت البرقيات ضجة في أرجاء تونس بعد تسريبها. ولم يباغت فساد الحكومة التونسيين الذين يقرؤونها، إنما صراحة تقييم الولايات المتحدة للنظام. أصاب الذعر حكومة بن علي بعد بث التسريبات. وحاولت حظر مواقع الويب التي تنشرها في ديسمبر 2010، وتحديدًا صحيفة “الأخبار” اللبنانية الموالية لحزب الله وإيران التي من مصلحتها البرهنة على فساد الأنظمة الموالية لأميركا وغض الطرف عن فساد نظام طهران. أضرم بائع الفاكهة محمد البوعزيزي النار على جسده في غضون أيام من الحظر، اعتراضًا على تعامل الشرطة البربري والتعسفي. وارتبطت شكوى البوعزيزي بانتهاكات الدولة التي لا تطاق، وتدهور مستوى المعيشة وجودة الحياة ونوعيتها، على غرار العديد من التونسيين الذين قاسوا منذ الانهيار المالي الدولي الذي تمثل في ارتفاع أسعار المواد الغذائية ونسبة البطالة. أوجز فساد النظام قاعدته الاجتماعية المحدودة وتضاؤل أنصاره. واستند نظام ما بعد الاستعمار للحبيب بورقيبة إلى قاعدة دعم شاسعة بين مختلف الفئات والطبقات الاجتماعية، بينما اعتمد زين العابدين على ثلة من العائلات التجارية المتصلة بالدولة. رمز احتجاج البوعزيزي الدرامي إلى معاناة عامة الشعب والبسطاء منهم وتأثير المحاباة والمحسوبية والفساد ولامبالاة النخب على معيشتهم التي وردت في البرقيات. اندلعت الشرارة اللازمة لتراكم المعارضة والغضب ضد النظام الذي وصفه جوديك وهدسون، بانفجار حركة اعتراض جماهيرية. وأشار المتظاهرون في غضون الأسابيع التالية إلى وثائق ويكيلكس. من المفارقات أن تسريب البرقيات لم يقنع إدارة أوباما بالتراجع عن دعم النظام أو الامتناع عن إرسال معونات عسكرية، لكنه ساهم في التعجيل بالثورة المتنبأ بها. وتطلع متظاهرون إلى الولايات المتحدة في مفارقة ثانية برفع شعارها: ” Yes, we can…نعم، نستطيع” كترنيمة شعبية. لم يصدر أوباما بيان غير دموي لتأييد الإطاحة بفتور إلا بعد وصول بن علي بأمان إلى السعودية. وتواترت سياسته بعدما أخذت المعارضة المصرية العصا من تونس لتحدي نظام مبارك. من المفارقات أيضًا أن ترضى ليلى الطرابلسي (زوجة بن علي) بالذهاب إلى مدينة جدة والتنازل عن التنورة القصيرة لارتداء الحجاب بدلاً من باريس المتناغمة مع نمط حياتها، رغم أن الحجاب لم يعد إجباريًا في السعودية كما هو الحال في إيران.

أفادت برقية من السفارة الأميركية في القاهرة عام 2009، بمحادثة مع شخصية قيادية في حكومة مبارك. وناقشت الانتخابات البرلمانية والرئاسية القادمة، وسياسة النظام تجاه المعارضة. اندلعت ثورة مصرية قبل عام 2011، على نطاق ضيق بسبب الخبز، لكن الديكتاتورية استبعدت انبثاق تحدي شعبي: “لم تكن ذات دوافع سياسية لأنها ليست جزءًا من نمط التفكير المصري. ويعد البقاء اليومي، وليس السياسة، محفز المصريين للخروج إلى الشوارع بأعداد هائلة”. كانت أحزاب المعارضة أضعف من أن تتحدى السلطة الكائنة، ناهيك عن إدارة البلاد، وكان البديل القابل للتطبيق، تنظيم الإخوان الذي تمقته أغلبية المصريين، ومجرد من الشرعية. تمثلت أداة استدامة نظام مبارك في انتقال الحكم بإدارة الجيش إلى نجله جمال. ما هو أساس الرضى عن الذات والتراخي النائم؟ وصمت البرقيات الأميركية النخبة العسكرية المصرية بأنها في حالة “انحطاط فكري واجتماعي”، وتضاؤل قاعدتها الاجتماعية الداعمة، غير أنها محورية لاستقرار النظام والسيطرة على “شبكة من المؤسسات التجارية في مجال المياه، زيت الزيتون، الإسمنت، البناء، الفنادق، وصناعات البنزين”. برهنت حكومة مبارك على قوتها، ويرجع ذلك جزئيًا إلى شراستها تجاه الأعداء والمنافسين أو النقاد “المعتدلين”. تحدثت برقية للسفيرة مارجريت سكوبي عن وحشية مبارك ضد الأفراد والمجموعات. وارتأت أنها قوة عملاقة لأنها أدامت الاستقرار الداخلي بعد حربين إقليميتين، ووصفت مبارك بأنه “خبير وواقعي…مستعد لمعاقبة البعض بدلاً من خطر فوضى المجتمع”. حددت البرقية ذاتها إيجابيات الدعم الأميركي لنظام مبارك على المدى البعيد: “تتجلى الفوائد الملموسة لعلاقتنا الودية في سلام مصر مع إسرائيل، وأولوية الجيش الأميركي للوصول إلى قناة السويس والمجال الجوي المصري”. تنضح رسائل القاهرة بثقة واشنطن بمبارك وامتنانها لتلبية احتياجات الإمبراطورية. لم يدم الربت على الظهر طويلاً. وبث ويكيلكس تسريبات مصر في 28 نوفمبر 2010، كجزء من برقيات دبلوماسية تزعم واشنطن أن الجندي السابق بالجيش الأميركي في العراق، برادلي الذي تحول جنسيًا إلى تشيلسي مانينج، المسؤول عن نشرها. وأوردنا في تدوينة سابقة أن الجيش نقله إلى القاعدة الأميركية في الكويت لعزله لمدة شهر مجردًا من ملابسه قبل مغادرته إلى أميركا للمقاضاة. لم يتيقن جوليان أسانج من هوية المرسل لأن نظام ويكيلكس يمنعه من معرفة المسرب لطمأنته وتشجيعه على إرسال الوثائق بدون الخشية من العقاب لكن خطأ برادلي أو تشيلسي أنه تحدث مع قرصان سيبراني عن التسريب الذي وشى به إلى الحكومة الأميركية. وفي هذا الصدد، يدعي داعمون للحكومات العربية أن الناشطين في مجال حقوق الإنسان مثليين أو يدافعون عن حقوق المثليين ويحرضون على الفاحشة والفسق لتنفير الناس منهم وتشويه صورتهم لدى الجمهور، ولنفترض صواب كلامهم، المثلي في نهاية المطاف إنسان ولا علاقة لك بحياته الجنسية سواء كان لوطي أو سحاقية، ما يعنينا سلوكه تجاه الآخرين فيما إذا انتهك حقوقهم أو اعتدى عليهم. أما سلوكه الجنسي فشأنه الخاص وليس من حقك تقييمه وتصنيفه ضمن الصالحين أو الطالحين لأنك بشر مثله وليس إله. أوردت تقارير أن المثليين يتعرضون للاغتصاب في السجون المصرية والكويتية، للإمعان في إهانتهم ولتأكد الضباط من أن المجتمع لن يدافع عنهم مثلما حدث مع سارة حجازي في مصر التي اتهمتها النيابة في قضية “علم قوس قزح”، بالانضمام إلى جماعة محظورة تروج “للفكر المنحرف”. وسافرت بعد خروجها من المعتقل للانتحار في كندا. أوردت سارة في مقال عام 2018، بعنوان “عام على موقعة «الرينبو»: نظام يعتقل، وإسلاميون يصفّقون” في صحيفة مدى مصر:

“يزايد الإسلاميون والدولة على بعضهم البعض في التطرف والجهل والكراهية كما في العنف والأذى. يعاقب الإسلاميون من يختلف عنهم بـ«الموت»، ويعاقب النظام الحاكم من يختلف عنه بـ «السجن». يمكن تسميته بـ«سباق التدين»، وتعريفي للتدين في هذا المقال ليس إقامة الشعائر الدينية والالتزام بها، بل التفاخر والشعور بالتميز لمجرد الانتماء لدين معين، أو الشعور بالأفضلية لإقامة شعائر وطقوس دينية. يريد النظام الحاكم بأدواته، كالإعلام ومنابر المساجد، أن يقول للمجتمع المصري «المتدين بطبعه»: نحن أيضًا نحافظ على الدين وأخلاق المجتمع، فلا داع لأن يزايد علينا الإخوان والإسلاميون! الدولة، والنظام الحاكم، سلفية الهوى؛ أثناء اعتقالي من منزلي وسط عائلتي، سألني الضابط عن ديانتي وعن أسباب خلعي الحجاب وعما إذا كنت عذراء أم لا! بعدها، وفي السيارة التي أخذتني لمقر لم أعرف كنهه، غمّى الضابط عيني، ونزلت سلالم لم أعلم إلى أين تأخذني. فقط صوت ذكر: «خدها هناك عند الباشا»، رائحة قذرة تفوح من المكان، وأصوات بشر يئنّون من الألم؛ جالسة على الكرسي، يداي مربوطتان، وقماشة بداخل فمي لم أعلم الغاية منها، لا أرى أحدًا، ولا يحدثني أحد، قبل وقت قصير من ارتعاش جسمي وفقداني للوعي لفترة لا أعرف كم امتدت. كانت كهرباء. جرى تعذيبي بالكهرباء! وجرى تهديدي بإيذاء أمي إن أخبرت أحدًا، أمي التي ماتت بعد رحيلي. لم يكتف النظام بتعذيبي، بل حرّض ذكور قسم السيدة زينب نساء التخشيبة على التحرش الجنسي واللفظي بي. لم يقف التعذيب عند هذا الحد، بل كان هناك المزيد من التعذيب النفسي ضدي، بسجن القناطر والزنزانة الانفرادية لأيام وأيام، قبل الانتقال الى عنبر مُنعت فيه من الحديث مع السيدتين المسجونتين معي. مُنعت من التريض في نور الشمس طيلة مدة حبسي، إلى أن فقدت القدرة على التواصل بالعين مع الآخرين. كان التحقيق الذي جرى داخل مقر نيابة أمن الدولة، نموذجًا للحماقة والجهل الواضح؛ طلب المحقق مني إثبات أن منظمة الصحة العالمية لا تعتبر المثلية الجنسية مرضًا. وبالفعل، تواصل المحامي مصطفى فؤاد مع منظمة الصحة العالمية لتقدم ورقًا مختومًا من جهتها بأن المثلية الجنسية ليست مرضًا، كما تواصلت المحامية هدى نصرالله مع الأمم المتحدة لتقدم ورقًا مختومًا من جهتها يفيد بأن احترام حرية الميول الجنسية حق من حقوق الإنسان. كل هذا ناقشته، أنا وأحمد علاء، في عقر دار نيابة أمن الدولة. كانت أسئلة المحقق ساذجة إلى حد البلاهة؛ شّبه الشيوعية تارة بالمثلية الجنسية، وسألني ساخرًا تارة أخرى عن سبب امتناع مثلي الجنس عن ممارسة الجنس مع الحيوانات والأطفال. لم يكن يعلم بالطبع أن ممارسة الجنس مع الأطفال جريمة تُسمّى «بيدوفيليا»، كما أن ممارسة الجنس مع الحيوانات جريمة أخرى تُسمّى «زوفيليا». لا عجب من محدودية تفكيره، فهو يرى الشعراوي شيخًا جليلًا ومصطفى محمود عالمًا عظيمًا، وأن العالم يتآمر ضدنا، والمثلية الجنسية دين ندعو له. لا تخرج مصادر ثقافته عن الأهل وزعماء الدين والمدرسة والإعلام. أمر محبط؛ أصبحت أخاف الجميع، وحتى بعد إخلاء سبيلي، ظل الخوف من الجميع، الأسرة والأصدقاء والشارع، يطاردني. ظل الخوف سيد الموقف. أصبت باكتئاب حاد واضطراب ما بعد الكرب وتوتر وقلق ونوبات فزع، مع علاج بالصدمات الكهربائية أدى إلى مشاكل بالذاكرة، قبل أن أجبر على السفر خوفًا من الاعتقال مرة ثانية، وفي الغربة أفقد أمي، لتليها مرحلة من العلاج بالصدمات الكهربائية في تورونتو، ومحاولتا انتحار وتأتأة بالنطق وذعر وخوف ومحاولات لتجنب الحديث عن السجن، عدم القدرة على الخروج من الحجرة وتدهور في الذاكرة وتجنب الظهور وسط التجمعات والإعلام بسبب فقدان التركيز والشعور بالتيه والرغبة في الصمت، كل هذا مع الشعور بفقدان الأمل من العلاج والشفاء. هذا ما جنيته من عنف الدولة بمباركة المجتمع «المتدين بطبعه». ليس هناك فرق بين سلفي تكفيري إرهابي بلحية شعثاء يريد قتلك، لأنه في منزلة أعلى عند ربه، ولأنه لذلك مكلف بقتل كل من لا يشبهه، أو ذكر بدون لحية وبملابس أنيقة وهاتف حديث وسيارة فاخرة، يعذّب ويحرّض ويسجن لأنه في منزلة أعلى عند ربه ومكلف بتعذيب من لا يشبه القطيع، وبسجنه. كل من يختلف عن القطيع، كل من ليس ذكرًا مسلمًا سنيًا مغاير الجنس ومؤيد للنظام، هو أو هي، في عداد الأموات والمضطهدين والمنبوذين. صفّق القطيع للنظام وقت اعتقالي أنا وأحمد علاء، الشاب الذي خسر كل شيء أيضًا من أجل رفع علم قوس قزح! اتفق الإخوان والسلفيون أخيرًا مع النظام الحاكم ضدنا. اتفقوا في العنف والكره والعنصرية والاضطهاد. قد يكون السبب في عدم اختلافهما عن بعضهما البعض، كونهما وجهين لعملة واحدة. لم نر يد العون إلا من المجتمع المدني، الذي أدى واجبه، ورغم تضييق الدولة عليه. لن أنسى هيئة الدفاع؛ مصطفى فؤاد، هدى نصر الله، عمرو محمد، أحمد عثمان، دعاء مصطفى، رمضان محمد، حازم صلاح الدين، مصطفى محمود، حنفي محمد وغيرهم. مجهود المجتمع المدني، حتى بعد السجن، لا يقدر بكلمات على ورق، ولكني لا أملك سوى الكلمات التي على الورق. لذلك أطلب عفو المحامين والمجتمع المدني لقلة حيلتي وعدم قدرتي على التعبير عن امتناني سوى بكلمات الشكر. بعد مرور عام على حفلة مشروع ليلى التي منعت من دخول مصر، بعد مرور عام على أكبر هجمة أمنية ضد المثليين جنسيًا، بعد مرور عام على إعلاني عن اختلافي «نعم، أنا مثلية»، لم أنس أعدائي. لم أنس الظلم الذي ترك بقعًا سوداء محفورة بالروح وتنزف دماء، بقعًا لم يستطع الأطباء علاجها قط”.

سربت وثائق تونس ومصر في آنٍ معًا. وأنتجت برقيات ويكيلكس سلسلة معقدة من التأثيرات في مصر التي لم تنجم عن الإفصاح بقدر ما كانت من سياسة النظام التي ساهم في تأجيجها. لم تكن وحشية النظام خبرًا، إنما بعض الاكتشافات المتفجرة، ومنها: ميل إسرائيل إلى رئيس المخابرات السابق عمر سليمان لخلافة مبارك التي حذفت في مصر. ولم ترتكز المعارضة على الإنترنت أو وسائل التواصل الاجتماعي التي يمكن بواسطتها قراءة البرقيات التي أفضت إلى اندلاع الانتفاضة التونسية ومنحت الثقة للمعارضة الديموقراطية، بل المحادثات الهاتفية واللقاءات المباشرة التي كانت أكثر أهمية بالنسبة لهم. اعتقد المصريون بتفسيرات خصوم مبارك، وتكثف الوعي الدولي بمظاهراتهم حتى أنه عندما خرجوا إلى الشوارع، أعلنت مجموعات Anonymous عن استعدادها لتقديم المدد والمؤازرة. إذا أدى ويكيلكس دورًا مباشرًا في الثورة المصرية، لما انتشر النموذج التونسي في القاهرة إلا بخصائص مماثلة، ومنها نسبة الفقر وانعدام الأمن الوظيفي الذي سبق انهيار الاقتصاد الدولي عام 2008، حتى بلغ مورد 40% من المصريين عام 2010، أقل من دولارين يوميًا. تذكرنا ثورة مصر أيضًا بفساد النظام الحاكم التونسي وانخفاض نسبة المؤيدين، وإن أوضحت برقيات مصر تورط الجيش في الفساد. تمحور نفوذ ورعاية مبارك حول وزارة الداخلية، وتراكمت ثروة عائلته إلى 70 مليار دولار. وثقت برقية سكوبي المئات من السرديات المستقاة من المصدر الأول عن وحشية الشرطة، وسجلت بعضها بالفيديو. وحفزت الانتفاضة التونسية هذه المظالم لحشد الدعم في 25 يناير 2011. خططت مجموعات المعارضة (حركة شباب 6 أبريل) لتنظيم مظاهرة أمام مبنى وزارة الداخلية بالتزامن مع “يوم الشرطة الوطني”، كوسيلة للاعتراض على همجية الضباط. وحازت المظاهرات على أهمية في أعقاب إزاحة زين العابدين عن الحكم. انضم إلى المعارضة تنظيم الإخوان، وفنانين (عمرو واكد). وجذبت مظاهرة الداخلية عشرات الآلاف من المشاركين، ومن بينهم 20000 في الإسكندرية و15000 في ميدان التحرير بالقاهرة. أدى رد الفعل العنيف للحكومة إلى تراجع الحشود وأعمال شغب ونمو عدد المتظاهرين، حتى قرر مبارك نشر قوات الجيش في يوم الجمعة 28 يناير، بعد اجتماعات منتظمة مع قيادة الجيش الأميركي، مما يثبت انزعاج الإمبراطورية الأميركية من المظاهرات. وصرح نائب الرئيس آنذاك والرئيس الأميركي الراهن، جوزيف بايدن، على شاشة التلفزيون، بعدما حول المتظاهرون ميدان التحرير إلى مدينة مزدهرة، أن الرئيس مبارك ليس ديكتاتور!!! ولا ينبغي عليه التنحي، وأوجز سبب دعم السلطات الأميركية للنظام الذي تموله بشكل غير دبلوماسي بالقول: “إنها حليفنا”. بكلمات مغايرة، إذا رضخت طهران لشروط أميركا وإسرائيل وتعاونت معهما، ستتحول إلى أهم حليف للإمبراطورية، وستتلاشى تقارير جرائمها في المنطقة وحقوق الإنسان في إيران من الصحف الأميركية والإسرائيلية المهيمنة، كما هو الحال مع دول الخليج التي تتغاضى عن انتهاكاتها، لأن الأهم أن تكون محبًا لواشنطن وتل أبيب ولتفعل بشعبك ما شئت وكأنه ملكية خاصة!!!

زعم رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير أن الإطاحة بمبارك ستؤدي إلى خواء السلطة ونهضة “التطرف”. وكانت النخبة المصرية بعيدة عن الرأي العام ومشاكل الشعب، إلا أن “موقفها منفتح”، في حين أن أفكار الجمهور “خاطئة ومنغلقة”. ارتأت الإدارتان البريطانية والأميركية أنه يجب بقاء مبارك رئيسًا، ناهيك عن نحيب دول الخليج على مغادرة حليفها إلى درجة أن صحافيين كويتيين هرعوا إلى زيارته ومساندته في أزمته!! لكن يجب تنفيذ إصلاحات كافية لإرضاء الحشود. أوفد أوباما التاجر والدبلوماسي السابق فرانك وايسنر إلى مصر للتفاوض على تسوية القضايا التي نتج عنها اضطرابات. وصف فرانك مبارك بـ”صديق أميركا القديم”، وجادل بأنه “يجب تنفيذ إصلاحات بدون استقالته لإدارة التغييرات”. ما هي “الفكرة المنغلقة” التي ارتعدت منها فرائص بلير؟ وماهي إنجازات مبارك القيمة لدى بايدن وفرانك؟ اشتملت القضايا على معاهدة كامب ديفيد عام 1978 مع الإسرائيليين (الطفل المدلل لأميركا وأوروبا)، منذ تحالف الديكتاتورية المصرية مع الحكومة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في عهد أنور السادات. وخشيت الولايات المتحدة وبريطانيا من تنفيذ حكومة منتخبة لسياسة انتقادية وحازمة ضد كيان الاحتلال في فلسطين، إلغاء حصار غزة، وتقديم معونات مادية للفلسطينيين. تضمنت “القضايا” التي تهم واشنطن ولندن، فتح أسواق مصر للاستثمار الخارجي، إلغاء القيود التنظيمية لاقتصادها، وخصخصة صناعاتها. واطمأنت من موقف الإخوان المؤيد للسوق، لكنها توجست من إدارة الديموقراطية، لاسيما إذا كان لدى الجمهور “فكرة خاطئة ومنغلقة” من وجهة نظر بلير. فكرت الإمبراطورية في اليوم الذي تعجز فيه الديكتاتورية عن تحقيق مقاصدها. ولم تهمل المؤسسات الأمريكية (NED) تطور المعارضة المصرية وموقفها من الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2002، وغزو العراق عام 2003. بيد أنها أرادت انبثاق حركة عمالية مستقلة عن النقابات التي تسيطر عليها الدولة، وتتمحور حول عمال النسيج. تثبت برقيات ويكيلكس أن NED ومؤسساتها الفرعية نسقت مع مجموعات منتقاة من النشطاء. وارتبطت التطورات بحملة الرئيس بوش العسكرية العدوانية في الشرق الأوسط. تعد “أجندة الحرية” الاستراتيجية الثانوية لاستعراض القوة العسكرية التي تدمج بين تمويل مؤسسات وجهود “الدفاع عن الديموقراطية” وتوسيع نطاق التجارة اللامقيدة بقوانين. تحالفت الديكتاتوريات في “مكافحة الإرهاب”، وتنفيذ التجارة “الحرة”. وأحس المسؤولون في بيروقراطية الدولة الأميركية بأنهم حلفاء غير موثوق بهم. وزعت مؤسسة “الدفاع عن الديموقراطية” المرتبطة بالمعهد الجمهوري الدولي (IRI)، والصندوق الوطني للديموقراطية (NED)، أموال على اتحاد نقابة العمال الأميركي، AFL-CIO، الذي ساهم مركزه للتضامن في محاربة الشيوعية أثناء الحرب الباردة. وسعت الولايات المتحدة بمركز “التضامن” إلى تشييد علاقات مع عمال مصر. حرصت واشنطن على الشراكة مع حركة شباب 6 أبريل، مما خلق توترات في علاقتها الوثيقة مع مبارك. ولم تكن المعونات حاسمة. قدمت الندوات التي مولتها أميركا تدريبًا على استثمار مواقع الشبكات الاجتماعية وتقنيات الهاتف المحمول للتغيير “الديموقراطي”، واستشارات عن الاستراتيجيات السلمية للتغيير الاجتماعي.

لم يكن التغيير المحدود الذي ألقته الولايات المتحدة بقبعة المعارضة المصرية كافيًا لضمان النفوذ. وتجاهل ائتلاف مجموعات الشباب وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون عندما زارت مصر في مارس 2011، ورفض لقائها لأن الولايات المتحدة دعمت نظام مبارك. استشهدت مستشارة أوباما، آن ماري سلوتر، بالرفض باعتباره سببًا عمليًا لمساندة تطلعات شباب مصر الذين يشكلون 60% من سكان الشرق الأوسط، وليس الديكتاتوريين الكهول البائسين، على نمط علي صالح في اليمن الذي أفضى دعمه إلى سحق معارضته. وأوردت البرقيات من عام 2010، أن الولايات المتحدة تعاونت مع رئيس اليمن، لتنظيم غارات جوية على الأراضي اليمانية بذريعة مهاجمة تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية. اقترح صالح تعاون لا محدود مع واشنطن، في حين مزح مع مرؤوسيه في اجتماعات الجنرال ديفيد بترايوس بأنه ضلل الشعب بادعاء أن الغارات اقتصرت على الحكومة اليمانية. تنوعت المعارضة الشعبية لنظام صالح التي وصفها بـ”الإرهابية”، واعتمدت جزئيًا على معارضة قبلية لمركزية حكمه، بينما أدت الغارات الأميركية الروتينية إلى أضرار وسلبيات تتجاوز تنظيم القاعدة المزعوم. اشتد النزاع ضد حكومة صالح، وتكثفت غارات الطائرات بدون طيار الأميركية (الدرونز). أسفر ارتفاع عدد الغارات الجوية في محافظة أبين في يونيو 2011 فقط، إلى مقتل أكثر من 130 مواطن ونزوح 40000 آخرين. واحتوى تفاعل واشنطن العنيف مع الربيع العربي دعم غزو البحرين لإخماد مظاهرات المعارضين الديموقراطيين. تملقت تصريحات هيلاري كلينتون وباراك أوباما بـ”ضبط النفس”، عندما بدأ النظام الملكي البحريني في إراقة الدماء، وأشارت إلى اهتمامهما بالاستقرار أكثر من الديموقراطية. قفز وزير الدفاع روبرت جيتس للدفاع عن النظام البحريني وتغاضى عن جرائمه لأنه فقط حليف، مدعيًا أنه يسعى إلى “الإصلاح الديموقراطي”، لكنه “قلق” من استغلال إيران للمظاهرات. طرحت وثائق ويكيلكس أدلة على التعاون الأميركي مع قوات أمن النظام البحريني رغم تعهدات “الإصلاح الديموقراطي”. وتجسد الأمر الأكثر فظاعة، من زاوية المبادئ “الديموقراطية” المزعومة لأميركا، في عام 2013، عندما دعمت الحكومة الأميركية انقلابًا عسكريًا ضد حكومة الإخوان المنتخبة في مصر الذي أدى إلى مذبحة دموية، مما أعاد الديكتاتورية الشرسة وقضى على مكتسبات الربيع العربي وكأن شيئًا لم يكن!!! يبرهن ما سبق أن الدعم الأميركي لديموقراطية الشرق الأوسط محدود للغاية على الرغم من “المبادئ” المُعلن عنها، وانتصار ما بعد الحرب الباردة الذي تدعي واشنطن أنه مهد سبيل الحرية!!

عن Rokayah

شاهد أيضاً

العالم من أفق الإمبراطورية الأميركية…19

استغل البنتاغون ودعاة الحرب من المحافظين الجدد الذين سكنوا البيت الأبيض في عهد جورج بوش …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *