الثلاثاء , يناير 25 2022
الرئيسية / صحافة / العالم من أفق الإمبراطورية الأميركية…19

العالم من أفق الإمبراطورية الأميركية…19

استغل البنتاغون ودعاة الحرب من المحافظين الجدد الذين سكنوا البيت الأبيض في عهد جورج بوش وتشيني، هجمات 11 سبتمبر 2001، لتبرير الحرب على خصومهم. وإذا صاغت حرب أفغانستان والعراق ردًا على الهجمات مثلما يدعي الأميركيون، لكانت السعودية ومصر ولبنان والإمارات الدول التي ينبغي قصفها لأنها البلدان التي ينتمي إليها خاطفو الطائرات. لكنهم اتجهوا إلى العراق، موطن خصمهم العنيد صدام حسين، وأفغانستان، الموطن المؤقت لقادة القاعدة الذين ألهموا المفجرين. ساهم مقتل نحو 3000 نسمة في حادث إلى تغاضي الأميركيين عن سلوك حكومتهم وتبرير جرائمها انتقامًا لمواطنيهم. وصرح بوش للرد: إما الحرب، أو “الإفلات من العقاب”. لم يكن الإقرار بالهجمات كجريمة ضد الإنسانية يقتضي الحرب، إنما تعاون دولي بالاعتماد على القانون ونظام ترسيخ القسط العالمي الذي لم يطرح بتاتًا على طاولة النقاش. وتهيأ الجميع للقول نعم للحرب العاجلة!! حيث دعم 90% من الشعب الأميركي مهاجمة أفغانستان، لكنهم عندما استيقظوا من سكرة الانتقام، أجاب 64% من الأميركيين في مارس 2011، بأن حرب أفغانستان “لا تستحق المجابهة والقتال من أجلها”. يصف تقرير مؤسسة أبحاث الكونجرس هجمات 11 سبتمبر بأنها: “الحدث الذي حول جهود مكافحة الإرهاب الأميركية من تدابير إنفاذ القانون والانتقام العسكري المحدود إلى حرب عالمية على الإرهاب. وانبثق منه سلسلة من الإجراءات الحكومية التي تشمل اجتياح واحتلال أفغانستان والعراق على الرغم من انعدام العلاقة والاتصال المباشر بين العراق وهجمات 11 سبتمبر”. يعترف الأميركيون في تقاريرهم الخاصة بأن العراق لا علاقة لها بالهجمات، ويشيعون بين الشعوب سردية مختلفة لإدانة بغداد بشتى الأدوات. توازى قرار بوش الابن مع حرب والده لمعاقبة العراق عام 1990-1991. واقترفت إدارة بوش انتهاك للقانون الدولي لم يسبق له مثيل، باتخاذ غزو الكويت كمبرر لتأسيس تحالف وقيادته نحو الحرب. في حين ارتبط الرد على الخطوة العراقية بإعادة تأكيد هوية القوة العظمى للولايات المتحدة مع انهيار الاتحاد السوفييتي وإنهاء الحرب الباردة أكثر من معاقبة حليف أميركا السابق صدام حسين. وارتكزت حرب أفغانستان على الانتقام. لم يكن خاطفو الطائرات أفغان أو عراقيين، إنما مصريين وسعوديين واثنين من الإمارات ولبناني; لم يقيموا في أفغانستان، بل في هامبورغ، ثاني أكبر مدن ألمانيا؛ لم يتدربوا في أفغانستان، إنما في ولاية فلوريدا الأميركية (أرض الزهور)؛ ولم يسجلوا في معهد طيران في أفغانستان، إنما في ولاية مينيزوتا الأميركية، فلماذا الحرب؟ كان مبرر أن أفغانستان المقر الرئيسي لقيادة القاعدة منطقيًا لأول وهلة. بيد أن غزو العراق لم يكن له مبرر ولا علاقة له بأحداث 11 سبتمبر ولا تنظيم بالقاعدة، حتى أسلحة الدمار الشامل باتت ذريعة مزيفة ومضللة. أراد الأميركيون تمهيد اجتياح العراق بغزو أفغانستان، موطن ملايين الأبرياء الذين لا علاقة لهم بهجمات 11 سبتمبر، لكنهم سيُقتلون أو تدمر حياتهم وعائلاتهم لأن السياسيين قرروا أن يكونوا أكباش فداء. واستندت حرب أفغانستان والعراق إلى مجموعة من الأكاذيب. وثقت سجلات ويكيلكس حقائق الحروب المخفية عن الأميركيين فقط. ولم تتطلع المعارضة ولا بقية الشعوب إلى وثائق البنتاغون لمعرفة انتهاكات القوات الأميركية/الناتو في بلدانهم. أدى الاحتلال الأميركي إلى تدمير النسيج الاجتماعي للبلاد. وأخفقت جهود الاستفادة من التطور العسكري الغربي وتبرير تغيير النظام لتحرير المرأة الأفغانية!!!

يمكن للمرء نعت غزو الولايات المتحدة/الناتو بأنه: “ساهم في شتات النخبة الأفغانية المثقفة والمهنية وانهيار آثار النظام العتيق. ونفذت الحكومة الأفغانية تغييرات اجتماعية يمكن اعتبارها في سياق ظروف مختلفة بأنها تقدمية، بما في ذلك إجراءات ترسيخ التعليم العلماني وتحرر المرأة من قيود التقاليد البالية، لكن القادة الذين جاءوا من المدن، لم يدركوا عادات الأرياف ويحترموا أنماط معيشتهم التي كان باستطاعتهم تغييرها تدريجيًا أو الارتقاء بمستوى تعليم سكان القرى وظروفهم الاقتصادية الذي يعمل على تغييرها تلقائيًا. أدت جهودهم الخرقاء إلى محاولة تغيير النظام الاجتماعي والسياسي في المناطق القبلية قسرًا، مما أجج تمرد القبائل وسخطها”. تضمن تقرير لمؤسسة أبحاث الكونجرس عام 2002، بعنوان “أفغانستان: التحديات والاختيارات لإعادة بناء دولة مستقرة ومعتدلة”، الذي بقي طي الكتمان حتى أذاعه ويكيلكس، فترات من التاريخ الأفغاني، وانتقد فترة 1979-1989 للحكومات المتأثرة بالسوفييت، بدءًا من عهد محمد داوود، الذي أطاح بالملك في عام 1973، وتقلد منصب الرئيس حتى اغتيل في عام 1978: “أفضت الإطاحة بداوود والغزو السوفييتي إلى تهجير النخبة الأفغانية المتعلمة والمهنية، والعائلات المرتبطة بحكم الملك محمد ظاهر شاه، مما أدى إلى تقويض بقايا العهد الملكي وتأثيراته. وحاول الشيوعيون الأفغان تطبيق تغييرات اجتماعية التي تعد تقدمية في ظل ظروف مغايرة، ومنها دعم التعليم العلماني وتحرر المرأة، لكن قادة الحزب “الديموقراطي الشعبي” الذين جاءوا من المناطق المدنية، لم يستوعبوا الريف وتقاليده وأثارت جهودهم الخرقاء لتغيير النظام الاجتماعي والسياسي في المناطق القبلية تمرد على نطاق شاسع”. ربما تطلع المرء إلى استفادة الأميركيين من التمحيص النقدي لعواقب ما اعترفوا بأنه جهود غير ملائمة للعصرنة والتغريب لصناعة قرارات بديلة عن الحرب. لكن الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي أعادوا الخطأ ذاته، وأرادوا تثبيت حكومات دمية موالية للغرب وخطط الهندسة الاجتماعية في أفغانستان، على غرار نظرائهم السوفييت قبل ثلاثين عامًا. لم يدرك الأميركيون وحكومة الدمية في كابل، مثل أسلافهم السوفييت، تقاليد الأرياف وأهمية احترامها. وحرضت جهودهم المتهورة لتغيير النظام الاجتماعي والسياسي قسرًا في المناطق القبلية على تمرد واسع النطاق. لا ينبغي أن يُباغت الأميركيين بفشل حكومتهم بعد فرض مكونات “الديموقراطية” الغربية لمؤتمر بون الدولي، على الحكومة المؤقتة في أفغانستان، ديسمبر 2001، وإزاحة نظام طالبان. ولا يحفل تاريخ الأفغان بحكومة مركزية مهيمنة، إنما ترتكز الهوية التقليدية على الأسرة، القرية، القبيلة، الانتماء العرقي واللغوي، والدين أكثر من الهوية الوطنية الجامعة، وحددت علاقات القوة من خلال هذه الفئات، على النقيض من العراق حيث فرضت واشنطن نموذج مماثل بعد الإطاحة العنيفة بالنظام العراقي في عام 2003. لم يكن لقب الرئيس المدعوم من الولايات المتحدة حامد كرزاي “عمدة كابل” تصادفيًا، إنما يعكس حدود نفوذه المقتصر على العاصمة فقط!! وتغاضى الأميركيون عن الواقع التاريخي عمدًا. ورد أيضًا في تقرير عام 2002، الذي تمت صياغته في مستهل الحرب: “كان عنصر الاستقرار فيما مضى الانسجام النسبي بين الدولة التي عمل المسؤولون عنها في وزارات الحكومة المركزية وإدارات المحافظات وزعماء القبائل وشيوخ الدين الإسلامي وغيرهم من الوجهاء والنبلاء الذين أسسوا مراكز القوى المحلية خارج العاصمة. وساهم ضآلة مقتضيات الحكومة المركزية المفروضة على المناطق في إدامة هذه العلاقة، كما أن واجبات الحكومة في كابل كانت محدودة. باتت الروابط بين الدولة والقوى المحلية أكثر صعوبة بالتزامن مع الحداثة والتنمية الاقتصادية. وأسفر انهيار مؤشرات الإدارة الفعالة منذ الانقلاب الشيوعي في عام 1978، وتدمير البيروقراطية المركزية وغياب مشاركة كابل في شؤون المناطق، إلى صعوبة إعادة تأسيس الدولة القومية المؤثرة”.

لم يستطع الأميركيون فرض حكومة مركزية صلبة على الصعيد الوطني؛ وأهملوا “النظام الاجتماعي والسياسي في المناطق القبلية” الذي أدى إلى “تمرد شاسع”. لم يستطيعوا القضاء على بقايا تنظيم القاعدة قبل انتقالهم إلى باكستان ولا إزاحة تنظيم طالبان. وتمحورت ادعاءات إدارة بوش عن حرب أفغانستان حول “نقل الديموقراطية والحداثة وحقوق المرأة إلى بلد لا يعرف عنه معظم الأميركيين شيئًا، باستثناء أنه خاض حرب بالوكالة بين الولايات المتحدة والسوفييت في الثمانينيات 1980، وعثر تنظيم القاعدة فيه على مأوى في التسعينيات قبل مهاجمة أميركا”. لم تتجسد الادعاءات المسكرة للديموقراطية وغيرها. واقترنت نتائج حرب أفغانستان بأولئك المتهمين بأنهم “إرهابيين”، الوصم الذي يُستغل في مآرب متنوعة ويُنفذ بمعايير مزدوجة، بالإضافة إلى تمهيد الطريق لحرب العراق. لم يكن أغلبية القتلى “إرهابيين”، إنما مزارعين، مدعوين في حفل زفاف، وأطفال، وعدد قليل جدًا من أولئك الذين يمكن تصنيفهم في فئة “الأوغاد”. واقتضى بيع مشروع الحرب بناء أسطورة مفادها أن حرب الانتقام الأميركية تدعم شعب أفغانستان وتجعلهم أكثر أمانًا!!! ستنقذهم من التخلف الغارقين فيه بالطب الحديث، وتعليم الأبناء، وتحرر النساء…ويمكنك الاختيار من قائمة المبررات لتبييض الحرب!! تجلت فجوة التناقض بين الحرب وتقديم المعونة الإنسانية في الأسابيع الأولى، ولم تتناغم مع استراتيجية القتل المتعمد أو الادعاء بأنها لـ”مكافحة التمرد”. جابهت أفغانستان أزمة إنسانية قبل الغزو الأميركي نتيجة لثلاث وعشرين عامًا من الحرب، وإهمال قادة الحرب الباردة الذين تركوا وراءهم أسلحة متطورة بعدما أشعلوا الحرب الأهلية، وخمس سنوات من حكم طالبان المتزمت دينيًا، والعقوبات الدولية. وغادر منها أفغان قبل اندلاع الهجمات الأميركية، حيث استوطنت المجاعة في مدنها وقراها. مُنعت شحنات الغذاء الدولية ترقبًا للقصف الأميركي، وسحبت منظمات الإغاثة طاقمها. شرعت الولايات المتحدة بعد قصف أفغانستان في 7 أكتوبر 2001، في تسويق دعايتها عن إلقاء جوي لرزم طعام مغلفة باللون الأصفر الفاقع (كحصص “إنسانية” يومية) على أجزاء معزولة من البلاد. واتفق الخبراء في مجال الإغاثة أن قطرات الأغذية الجوية باهظة الثمن وعسيرة من الناحية اللوجستية، ولم تصل في أغلب الأحيان إلى المستهدفين، ولم تعالج ظروف المجاعة السائدة في أنحاء البلاد. نالت القطرات الغذائية دعاية باذخة على شاشة CNN، وبدت وكأنها تؤدي واجبها على ما يرام. جسدت أسلوب رائع لنشر “الإنسانية” المفترضة لحرب أميركا/الناتو، وتغلب الأميركيون في حرب التصور والمعلومات. من سخرية القدر أن البلاستيك الأصفر اللامع يستعمل أيضًا لتغليف القنيبلات في القنابل العنقودية التي تعد من الأسلحة المحرمة دوليًا ولا ينفجر بعضها إلا إذا لمسها المرء وقد تظل لسنوات، ولذا، يحاول أطفال اللهو بها لتنفجر في وجوههم وتبتر أطرافهم. غمرت الطائرات الحربية الأميركية أراضي أفغانستان بها مثلما يقصف التحالف السعودي اليمن بالقنابل العنقودية منذ سبع سنوات، بل إن الرياض قصفت بها المدن منذ الأشهر الأولى من الحرب، ولا يخفى تأثيرها على مدى السنوات القادمة. ومن ثم، يهدي الأميركيون الأفغان قنابل عنقودية بيد وعبوات غذاء باليد الثانية لتناولها في القبر!!! طرح تقرير من كلية الدراسات العسكرية لقيادة الجيش الأميركي وكلية الأركان العامة في فورت ليفنورث، في ديسمبر 2010، رؤية قاحلة للأحداث التالية: “لم يفكر المخططون بخطر وقوع رزم الأغذية في مناطق تحتوي على ذخائر عنقودية غير متفجرة. وضاعف اللون الأصفر من المخاطر. ذكرت مصادر في منظمة أوكسفام للإغاثة الدولية وحقوق الإنسان، في لقاء مع قناة CBS، أن الأفغان الباحثين عن الغذاء قد يدخلون بالخطأ إلى منطقة ملغومة. وفي حين نثرت قوات النقل الجوية حزم الطعام الصفراء، قصفت الطائرات القتالية الحزم العنقودية الصفراء BLU 92، مما هيأ ظروف محفوفة بالمخاطر لأولئك الذين رأوا أجسام صفراء في الحقول. ألقت القوات الأميركية رسائل باللغة الفارسية والباشتو لتحذير الأفغان، وكيفية تحديد فيما إذا كان الجسم الأصفر قنبلة أم رزمة طعام!! وتمثل التأثير الثاني لاضطراب اللون الأصفر في تقليص استعمال القنابل العنقودية BLU 92 بأمر من وزارة الدفاع التي أذاعت تعليمات لتغيير لون رزم الغذاء من الأصفر إلى السلمون من أجل منع الالتباس في المستقبل!”. كان القصد من الإنزال الجوي إطعام الأفغان في المناطق التي يصعب الوصول إليها في شمال البلاد، ونقلت القوات الجوية 2.5 مليون رزمة في الأيام الأولى من العملية. أدى الخطر الناجم عن صفار الحصص الغذائية والقنابل العنقودية إلى ارتباك البنتاغون. وأعلن البث الإذاعي: “انتبهوا يا شعب أفغانستان! ترمي “شراكة الأمم” رزم “إنسانية” يومية صفراء…ونقذف قنابل عنقودية في مناطق بعيدة عن أماكن إلقاء الطعام!!! لا تنفجر جميع القنابل أثناء الارتطام بالأرض. وتتسم هذه القنابل باللون الأصفر… من فضلك، توخى الحذر عند الاقتراب من أجسام صفراء مجهولة في المناطق التي تعرضت لقصف”. يعترف التقرير: “لم تستطع مهام الحصص الغذائية تحقيق مقاصدها كما يأمل المخططون”. وسجل تقرير لمقدم متقاعد من قوات الجيش الخاصة في مؤسسة “الشركاء” الدولية غير الحكومية، ثغرات الإنزال الجوي التي تضمنت عدم إدراك مخاوف الأفغان على المدى البعيد، عطب الرزم الغذائية أثناء الإلقاء الجوي، وإدراج مواد غير ملائمة طبيًا في الوجبات لتشرب الرطوبة. كانت النتيجة تلف المواد الغذائية الملوثة ومواد تشرب الرطوبة. وبات الطعام نادرًا في شمال أفغانستان، حيث اقترب الشتاء، وأودع أفغان مواد غذائية في مستودعاتهم. تطعم العبوات السكان لفترة وجيزة للغاية ممتدة من أيام إلى أسابيع. ولا تدعم الأمن الغذائي. أعدت الوجبات لتناولها عند اكتشافها، وليس لتخزينها. وأوردت القوات الخاصة المتصلة بالمنطقة الجغرافية أن الحزم تضررت أثناء الرمي وأتلف الطعام. اشتكى خمسة وثلاثين أفغاني من السقم بعد تناول محتوى العبوة. وأعلن البنتاغون في 1 نوفمبر 2001، أنه سيغير حزم الطعام إلى اللون الأزرق بدلاً من الامتناع عن استعمال القنابل العنقودية!!! صرح الجنرال مايرز في مؤتمر صحافي مع وزير الدفاع رامسفيلد، بأن أميركا لا تنوي تجميد استعمال القنابل العنقودية. وتعد الولايات المتحدة من الدول القليلة التي رفضت التوقيع على معاهدة أوتاوا لحظر الألغام الأرضية المضادة للأفراد. لم تهتم قنوات الإعلام برفض التوقيع على المعاهدة، ولم ينتج عنه سخط عام مثلما حدث مع قضية القنابل العنقودية في أفغانستان. تناولت سجلات الحرب الأفغانية برقية في ديسمبر 2008، عن خشية المسؤولين الأميركيين من أصداء المؤتمر الدولي الذي نادى بحظر الذخائر العنقودية. وقررت أفغانستان الإمضاء على معاهدة الذخائر العنقودية في ديسمبر 2008، في مدينة أوسلو. جابهت واشنطن إحجام الأفغان عن استدامة مخبأ البنتاغون للقنابل العنقودية في بلادهم. وتفصح البرقية عن انزعاج الأميركيين من قرار الحكومة الأفغانية بدون التشاور معهم.

لا تزال الولايات المتحدة دولة مارقة وخارجة عن القانون. وترفض التوقيع على حظر القنابل العنقودية. تحول جدل إدارة بوش بعد سنوات من الحرب من “مكافحة التمرد” إلى “مكافحة الإرهاب”، وحذفت ادعاءات الحرب عن حماية الأفغان. زعمت إدارة أوباما في عام 2009-2010، بأن سياستها في حرب أفغانستان من أجل “مكافحة التمرد” وحماية الأفغان من هجمات طالبان وغيرها من القوات المناهضة للحكومة. وتزامن الإعلان عن خطة أوباما “لمكافحة التمرد”، مع المواظبة على العمليات العسكرية ومهاجمة المدنيين بغارات جوية، تراشق الرصاص بين القوات الأميركية وقوات مقاومة الاحتلال، وغرس القنابل في الطرقات. كان تحول إدارة أوباما تضليل فج. وبرهن على ذلك تعيين اللواء ستانلي ماكريستال، لقيادة الحرب، وتجربته في فيتنام. ترأس القوات الخاصة لمطاردة المنتمين إلى تنظيم القاعدة والمتمردين في أفغانستان والعراق وباكستان لمدة خمس سنوات قبل استلامه قيادة حرب أفغانستان في عام 2009، مما يتضمن مضاعفة الغارات الجوية. وأقر كبار المسؤولين في البنتاغون بأن منهج ماكريستال يؤدي إلى “تصعيد العنف وعمليات القتل المستهدف، والهجمات التي يمكن إنكارها على مقرات طالبان في باكستان”. وحذرت مصادر عسكرية من اختيار ماكريستال الذي ينذر بمرحلة أكثر دموية لأنه قاتل خبير. أذاعت ويكيلكس تقرير للناتو عن تضخم الوفيات المدنية في أفغانستان بنسبة 46% في عام 2008، بعد ثلاثة أسابيع من أداء باراك أوباما اليمين الدستورية لتسنم الرئاسة!!! وأورد تصاعد درامي للحرب والفوضى. ارتفع في المقابل عدد الهجمات على القوات الأميركية/الناتو بنسبة 27% بالعبوات الناسفة، 40% برشق البنادق وغارات الصواريخ، و67% بصواريخ أرض-جو. وزاد عدد القتلى العسكريين من القوات الأميركية/الناتو بنسبة 35%، بينما ارتفعت عمليات الخطف والاغتيالات بنسبة 50%، وتضاعفت الهجمات على الحكومة الأفغانية المدعومة من الولايات المتحدة بنسبة 119%. لم تستطع 50% من العائلات الحصول على التطبيب، ولم ينضم 50% من الأطفال إلى المدارس. تضمنت الحرب منذ بدايتها، الاعتماد الرسمي على التعذيب، وانتهاكات حقوق الإنسان والمعاهدات الدولية، وازدراء كرامة الإنسان والأنماط الثقافية الأفغانية. ولم تتعامل القوات الأميركية وحلفاؤها الأفغان مع المعتقلين والمدنيين بأسوأ مما كان في الحروب السابقة، على سبيل المثال: أقفاص النمر التي اعتقلت فيها حكومة الدمية في جنوب فيتنام المدعومة من الولايات المتحدة خصومها الفيتناميين في الشمال. لكن الحرب العالمية على “الإرهاب” تجاوزت تبرير الانتهاكات إلى التفاخر والتبجح بها جهرًا!! دفع الأميركيون 715 مليار دولار كضرائب لحرب أفغانستان منذ أكتوبر 2001، وما يقارب 10 مليون دولار يوميًا!! وجسد إعداد وإمداد جيش احتلال يصل عدد جنوده إلى 150000 من أميركا/الناتو كابوس لوجستي، ناهيك عن نقل البضائع بالشاحنات عبر الحدود الباكستانية أو السفر بتكلفة ضخمة إلى قاعدة باغرام الجوية خارج كابل، وإمداد “قواعد العمليات الأمامية” في مختلف أرجاء البلاد. تضمن ذلك التعاقد مع شركات نقل أفغانية والدفع مقابل الأمن. وأفادت برقية من عام 2007، بأن شركة الشحن Four Horsemen الأفغانية تواصلت مع جنود طالبان للدفع مقابل المرور الآمن للقوافل الأميركية. وبلغ السعر 500 دولار لعبور شاحنة من قندهار إلى هرات، 50 دولار من كابل إلى غازني، 100 دولار من غازني إلى أورغون، و200-300 دولار من أورغون إلى وازيكواه. وتتم المفاوضات مع طالبان في مدينة كويتا الباكستانية.

انطوت أهم النتائج لسجلات ويكيلكس على الإحصاء التفصيلي للقتل الجماعي والهمجية. وتضمنت وثيقة سرد مروع لمذبحة دشت ليلي في الأسابيع الأولى من الاجتياح التي أدت إلى مقتل 3000 سجين من طالبان برصاص جنود أفغان تدعمهم الولايات المتحدة. أنذرت باستمرار جرائم الحرب التي تشتمل على سجن وتعذيب وهجمات على المدنيين تميزت بها حرب أميركا العالمية على “الإرهاب” على مدى 20 عام. وأوردت استسلام الآلاف من مقاتلي طالبان بعد قتال في مدينة مزار الشريف وقندوز في نوفمبر 2001، واحتجازهم في حاويات شحن لنقلهم إلى سجن شيبرغان في رحلة لمدة يومين من دشت ليلي. كانت حاويات الشحن المعدنية بدون نوافذ، مما أدى إلى وفاة معظم السجناء قبل وصولهم. ورشقت الحاويات المغلقة بالرصاص. يمثل مقتلهم انتهاك لاتفاقيات جنيف التي تتعهد بحماية المقاتلين بعد استسلامهم. وكان من المفترض أن ينتج عن المذبحة تحقيق ومحاسبة، إلا أن الفظائع سردت ببرود ولا مبالاة، مع تسليط الضوء فقط على فظائع طالبان، كما لو أن حلف الناتو والحكومة المدعومة من واشنطن يبررون جرائمهم بانتهاكات طالبان!! تتحدث وثائق المذبحة عن الجنرال عبد الرشيد دوستم، أمير الحرب الذي قاتل أولاً مع الحكومة الأفغانية الموالية للسوفييت في الثمانينيات ضد المجاهدين المناهضين للسوفييت، ثم انضم إلى مجاهدي الائتلاف الشمالي المدعوم من الولايات المتحدة حتى هزمهم طالبان في التسعينيات، وهرب دوستم إلى المنفى الرغد. رجع دوستم إلى أفغانستان مع قوات الغزو الأميركية في عام 2001، وبات رئيس أركان الجيش الذي أسسه الأميركيون، كما أعاد إنشاء مليشياته المستقرة في أوزبكستان الذي ينتمي إليها. دمغت صورة دوستم بوحشيته، واغتصاب مليشياته لفتيات، والقتل البربري لجنوده، وقصف مليشيا دوستم “جنبيش” بقنابل عنقودية على مناطق سكنية في كابل، يناير 1997، بالتزامن مع إنهاء الحرب. ترشح أشرف غني الهارب إلى الإمارات بعد عودة الحكم إلى طالبان عام 2021، في الانتخابات الرئاسية عام 2014، ونعت دوستم عندما كان مسؤول سابق في بنك دولي ذو اتجاه غربي، بالقاتل. لكنه رحب على حين غرة بالقاتل!! بانتخابات أفغانستان الطائفية في زمن الحرب، واختاره كنائب، للحصول على أصوات الأوزباكستانيين في مزار الشريف وشمال أفغانستان. أدى مجرم مذبحة دشت ليلي بعد فوز أشرف المتنازع عليه، اليمين الدستورية كنائب للرئيس!!! بدعم متباهي من الولايات المتحدة وحلف الناتو “للديموقراطية الجديدة في أفغانستان” التي لم تتحرر بعد من مستنقع الحرب.

عن Rokayah

شاهد أيضاً

تفاعلات الأمن السوري وأزمة المهاجرين…5

بدأت أزمة المهاجرين السوريين إلى تركيا في أبريل 2011، عندما وصلت المجموعة الأولى المؤلفة من …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *