الثلاثاء , يناير 25 2022
الرئيسية / صحافة / العالم من أفق الإمبراطورية الأميركية…18

العالم من أفق الإمبراطورية الأميركية…18

برهنت برقيات ويكيلكس عن العراق على همجية السياسات الأميركية التي دامت طيلة فترة الاحتلال. وأفضت مداهمات المنازل، إنشاء فرق الموت، واستراتيجيات “فرق تسد” عبر “مجالس الصحوة” العميلة، وممارسات التعذيب، إلى بيان أهمية الوثائق لإلقاء الضوء على أساليب الهيمنة الأميركية. أورد تلغراف مداهمة القوات الأميركية لمنزل في 15 مارس 2006، مما أدى إلى مقتل عشرة أفراد، من بينهم نساء وأطفال. وتضمن رسالة من فيليب ألستون، المقرر الخاص للأمم المتحدة لحالات الإعدام التعسفي خارج نطاق القضاء، التي أوردت الآتي: “تلقيت تقارير مختلفة تشير إلى مقتل ما لا يقل عن 10 أفراد أثناء الغارة، ألا وهم: السيد فائز خلف ( 28عام)، وزوجته سمية عبد الرزاق (24 عام)، وأولادهما الثلاثة حوراء (5 سنوات) عائشة (3 سنوات) وحسام (5 أشهر)، والدة فائز السيدة تركية مجيد علي (74 عام)، شقيقة فائز (الاسم غير معروف)، وأبناء أخته أسماء يوسف (5 سنوات)، وأسامة يوسف (3 سنوات)، ومقربة زائرة السيدة إقتيزاد حميد مهدي (23 عامًا)”. جاءت المداهمة المنزلية بعد شن غارات جوية على الحي الذي تقطن فيه الأسرة. ويعد التلغراف دليل على سياسة أميركية واسعة النطاق أثناء الاحتلال برشق الرصاص أولاً والاستجواب تاليًا، ناهيك عن اعتقال أي شخص “مشتبه” بمشاركته في الهجوم على القوات الأميركية. التقى الصحافي الأميركي-اللبناني دهر جميل بعشرات الجنود الأميركيين في العراق الذين تحدثوا عن سياسات “الاستطلاع بالرصاص”، حيث أُمر الجنود حرفيًا برشق العراقيين في طريقهم بالرصاص أولاً، ثم التأكد فيما إذا كان القتلى يشكلون تهديدًا أم لا!!! وأورد جنود أن ضباطهم أخفوا جرائمهم فيما بعد، طالما أنهم يقتلون المارة إذا تصوروا “تهديد ما”. غالبًا ما انتهت المداهمات بإعدامات موجزة لأبرياء بدون محاكمات أو تهمة، وغالبًا ما اعتبر الجيش الأميركي في العراق أن كلمة “مشتبه به” مرادفة لـ”مجرم”. يستدعي التلغراف ضرورة التزام الجيش بالقانون الدولي والإنساني، ويشير إلى انتشار العنف المفرط: “أفادت تقارير مغايرة بحوادث قاتلة في غضون الأشهر الخمسة الماضية، للقوات متعددة الجنسيات MNF التي لجأت إلى العنف المفرط للرد على تهديدات متخيلة عند نقاط التفتيش والقصف الجوي على مناطق مدنية”. يطرح التلغراف نموذج من عشرات الآلاف من حالات العنف التي نفذتها القوات الأميركية وأدت إلى مقتل أكثر من مليون عراقي أثناء الغزو والاحتلال الذي دام عشر سنوات. أماطت وثائق جوليان أسانج، اللثام عن أساليب الإمبراطورية الأميركية في العراق التي تمارسها لتوسيع نطاق نفوذها. وطبقت واشنطن استراتيجية عسكرية تسعى إلى إحداث خسائر في صفوف المدنيين وتأليب السكان ضد المتمردين المناهضين للاحتلال: “يبدأ التأثير السيكولوجي لمصطلح CSDF [شبه العسكري] بعكس استراتيجية المتمردين ضد الاحتلال وتحويل الحكومة إلى سياسة القمع، مما يجبر المتمردين على تجاوز عتبة خطيرة لمهاجمة وقتل السكان الذين يطمحون إلى تحريرهم من الاحتلال”. وتوضح فقرة أسلوب التحريض على الاعتقالات: “من حق الولايات المتحدة المشاركة في عمليات اختطاف غير توافقية خارج الحدود الإقليمية لثلاثة أسباب محددة…إلخ”. كما أورد الجيش إجراءات إخضاع المعارضة: “تعد نقاط التفتيش، حواجز الطرق؛ المراقبة والسيطرة على الصحافة؛ وتقييد أنشطة النقابات العمالية، والمجموعات السياسية وغيرها، من تدابير السيطرة على الموارد والسكان PRC”.

استعانت أميركا بالحرب الاقتصادية ضد شعب العراق كوسيلة لمحاربة المناضلين ضد الاحتلال، في سياسة أثرت حتمًا على المدنيين: “تتضمن السياسة الأميركية ارتداء زي العدو لاختراق منطقته. في حين تحظر المادة رقم 39 من المرسوم الأول لاتفاقيات جنيف ارتدائه”. وبات عنف الطائفية القاعدة في عراق ما بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003. يتألف بعض أحياء بغداد من أعداد متساوية من السنة والشيعة، ويسود ذلك في العديد من المدن العراقية، مثل بعقوبة في ديالى. يقع أهم الأضرحة الشيعية في العالم، قبر الإمام العسكري في وسط مدينة سامراء السنية بمحافظة الأنبار. ولم يكن ثمة مقاومة شديدة ضد الجيش الأميركي في الأشهر الستة الأولى من الاحتلال، لكنها تصاعدت في نهاية عام 2003. بث الاحتلال الفوضى حيث شرعت المقاومة في مهاجمة قوات الاحتلال وتنمية خسائرهم. وكانت المقاومة من المذهب السني في المقام الأول. وانضم إليها في ربيع عام 2004، انتفاضة مقتدى الصدر بمليشيا “جيش المهدي”. حاولت واشنطن في غضون ذلك السيطرة على جزء من بغداد والأنبار مترامية الأطراف، ومناطق شاسعة من الجنوب ومنطقة الصدر في بغداد، حيث تجمع جنود مقتدى. وانبثق نزاع عام 2004، بين قوات الصدر والأميركيين أثناء حصار الفلوجة، حيث انقطع الإمداد العسكري الأميركي، ولاحت مؤشرات انزلاق السيطرة على العراق. انتقى بوش لاستعادة السيطرة، في 6 مايو 2004، جون نيغروبونتي كأول سفير للولايات المتحدة في العراق بعد الغزو إلى عام 2005. وجلب جون العقيد المتقاعد جيمس ستيل، الذي عمل معه عن كثب عندما كان نيغروبونتي سفير رونالد ريجان في هندوراس في مطلع الثمانينيات. أنشأ جون وجيمس “فرق الموت” لتنفيذ العمليات التي نتج عنها مقتل عشرات الآلاف في أميركا الوسطى، ووثقت انتهاكاتهما المتطرفة لحقوق الإنسان. استعان بهما بوش عندما فقد السيطرة على العراق، لاستئناف استراتيجيتهما الاستعمارية التقليدية المبنية على قاعدة “فرق تسد” التي يشار إليها بعنوان “مكافحة التمرد”. وأسس الاثنان فرق الموت في العراق وبعد أقل من عامين، دمرت وأرهبت بغداد يوميًا. رأى العراقيون المقيمون في العاصمة حقيقة الحرب الطائفية البشعة في عام 2006. وانفجر العنف الطائفي نتيجة لفرق الموت. انفصلت أحياء في بغداد ذاتيًا، ونزحت العائلات السنية من الأحياء ذات الأغلبية الشيعية، والعكس صحيح، حتى بات التمييز الطائفي والانفصال القاعدة الاعتيادية عام 2006-2007، بدعم من الجيش الأميركي في الأحياء المختلطة بالشيعة/السنة في بغداد. شيدت قوات الاحتلال حواجز خرسانية ضخمة على امتداد أميال لتفرقة العائلات، وتقسيم الشيعة-السنة. ومن المفارقات الساخرة، أن التقسيم الطائفي دعم إيران التي لا تعد حليفة لواشنطن وتعتبرها طهران “شيطان أكبر” في إعلامها، وتضاعف الدعم الأميركي لرئيس الوزراء نوري المالكي الموالي لإيران منذ الثمانينيات والمنتمي إلى حزب “الدعوة” الذي أسسته طهران في عهد صدام حسين لاختراق الحدود العراقية. غير أن واشنطن لم تدعم المالكي مجانًا، إنما لأنه وافق على هيمنة الشركات الغربية على حقول النفط، وشراء الأسلحة العسكرية الأميركية والتدريب. وسرعان ما بدأ العراقيون في وصم المالكي بـ”صدام الشيعي”، واتسمت فترة حكمه بالتمييز الطائفي المتطرف. أسفر الدعم الأميركي للمالكي أيضًا عن انشقاق سياسي بين الأحزاب السياسية الشيعية والكردية، إلى جانب تفجيرات الأضرحة الشيعية، مما ساهم في تضخيم سخط العراقيين، واعتقد كثيرون أن قوات الاحتلال تسعى إلى غرس الانقسام بين العراقيين. تناولت برقية بيان لزعيم ديني شيعي انتقد غارة أميركية-عراقية على حي أور، ووصمها بالجريمة الشنيعة. تتهم البرقية الولايات المتحدة بمساندة السنة، وتنفي اندلاع حرب طائفية في البلاد، مما يثير التهكم لأن واشنطن التي أشعلت الحرب الطائفية. أوردت الأساليب الانتقامية للجيش الأميركي أثناء الاحتلال. وتلا انتقاد القادة الشيعة للممارسات الأميركية الغارة العنيفة المذكورة سابقًا، حيث انتقد مكتب محمد اليعقوبي (الزعيم الروحي لحزب الفضيلة) في 26 مارس قبل مداهمة حي أور، الحكومة الأميركية لإنكارها وجود حرب طائفية في العراق…وتحدث عن عمليات القتل اليومية والاعتداءات على الأضرحة “المقدسة”، والنزوح للبرهنة على الحرب الطائفية. حث البيان الأحزاب السياسية على نبذ الأطراف الداعمة “للإرهاب”، في تلميح ضمني إلى العرب السنة، وانتقد مجلس الأمن العراقي والسفير الأميركي والدول العربية. اختتم بيان اليعقوبي بمطالبة الولايات المتحدة بتغيير سفيرها، ومواجهة الحكومة العراقية لعناصر الحرب الطائفية. ودعا “الأمة الشيعية” في محاولة لتكريس الطائفية الدينية إلى تنظيم جهودها في “لجان ومجموعات للدفاع عن ذواتهم وأماكنهم المقدسة”. أسفرت الحرب الطائفية في غضون بضع سنوات، عن ترسيخ نفوذ المالكي بإهمال السياسيين السنة في بغداد، وتشييد مراكز اعتقال سرية مخصصة للسنة فقط!! وأسهبت منظمة هيومن رايتس ووتش، في مراكز الاعتقال واستدامة سياسة مداهمات المنازل والاعتقالات في المناطق السنية بشكل أساسي. تبين برقية مغايرة تصاعد التوترات الطائفية حتى اشتكى قادة الفلوجة إلى الجيش الأميركي من تأجيج ألوية من الجيش العراقي للطائفية في المدينة المحاصرة إلى درجة أن السنة تطلعوا إلى إدامة الوجود الأميركي بعد نضالهم ضد احتلاله!!!

انتقد قادة الفلوجة وبعض جنود الجيش العراقي، توقيت إعدام صدام حسين، واعتبروه سلوك انتقامي من الحكومة ذات الأغلبية الشيعية. صرح قادة الفلوجة لصحيفة الأنبار في الأول من يناير: “خيم الصمت على المدينة بعد إعدام صدام حسين في 30 ديسمبر”، وانتقدوا توقيت الإعدام الذي تزامن مع عيد الأضحى. أفاد رئيس بلدية الفلوجة بأن التسرع في إعدام صدام انتقام من حكومة الشيعة. وردد ضابط تنفيذي شيعي في كتيبة الجيش العراقي في الفلوجة، الانتقادات ذاتها بشأن توقيت الإعدام، معتقدًا أن “العام الجديد بدأ بنذير شؤم” (يُلاحظ أن القنوات الإعلامية العراقية الراهنة تتجنب الحديث عن صدام حسين تمامًا باستثناء لعنه من قادة الحشد الشعبي الموالين لطهران!!! ولا تبين فترة حكمه من سلبيات وإيجابيات وإنجازات لا يستطيع خصومه إنكارها مهما حاولوا طمسها من تقاريرهم، وتكتفي بسرد فترة الحكم الملكي وعهد عبد الكريم قاسم). ألمحت قوات المارينز البحرية في 2 يناير، إلى مظاهرة مؤيدة لصدام ومناهضة لمقتدى الصدر في مدينة حديثة بالأنبار. ونقلت عن أمين مجلس الفلوجة، عباس علي حسين أن “طبيعة العيد المقدسة انتهكت…حيث قتلت الحكومة صدام في اليوم الذي تُذبح فيه البهائم كقربان إلى الله!!!”. أغضب توقيت الإعدام السكان السنة، سواءً في العراق أو في أنحاء الشرق الأوسط. وتفاقمت التوترات الطائفية والعنف عام 2005-2006. شاهد العراقيون آنذاك جثث متناثرة يوميًا في شوارع بغداد صباحًا بعد نشاط فرق الموت التي أنشأها الأميركيون في الليل. وتصور الشيعة أن القتل من تنفيذ السنة!!! حتى أعلنت مليشيا “جيش المهدي” لمقتدى الصدر حربًا مفتوحة على السنة بعد تأسيسها لمقاومة الاحتلال!!! أوردت برقية بعنوان “الفلوجة: خلاف الجيش-الشرطة ورسائل أميركية متفاوتة” التوترات، في 3 أبريل 2006، في ذروة إراقة الدماء الطائفية، وأوضح رئيس بلدية الفلوجة بأن سياسة الانحياز الأميركية إلى الشيعة بدعم حكومة المالكي الطائفية أدت إلى اندلاع خلافات بين الجيش والشرطة في الفلوجة، واجتماع المارينز يوم 20 مارس لنقل مخاوف قوات التحالف وتنفيذ التغييرات العملية: وافق اثنان من ألوية الجيش المهيمن عليها الشيعة، وقوات شرطة الفلوجة ذات الأغلبية السنية (1300 مجند آنذاك) على تطوير التواصل بينهم. وانخفض التوتر بين قوات الأمن العراقية، لكن ألوية الجيش والشرطة في المدينة بقيت مضطربة، واقتضت رقابة المارينز. أعرب رئيس بلدية الفلوجة، ضاري عبد الهادي، عن إحباطه من “الرسائل المتباينة” الأميركية. وامتدت خشية سكان الفلوجة من سياسة التحالف الداعمة للعنف الطائفي إلى ما وراء بغداد. ومن ثم، تحول اهتمام العراقيين (السنة والشيعة على حدٍ سواء) من مقاومة الاحتلال إلى الخوف من بعضهم البعض واللجوء إلى المحتل لحمايتهم!!! وأشار إمام الفلوجة إلى أن لدى الشيعة والأكراد مليشياتهم وأسلحتهم خارج نطاق الدولة من البيشمركة إلى بدر وكتائب حزب الله وعصائب أهل الحق…إلخ، باستثناء السنة الذين حظرت عليهم الحكومة الشيعية استعمال الأسلحة.

أعادت الولايات المتحدة تنشيط أسلوب صدام حسين للسيطرة على المليشيات في الأنبار كجزء من تدفق القوات الأميركية عام 2006-2007. وتضمن العثور على زعماء القبائل وإنفاق عشرات الملايين من الدولارات لإغرائهم وتحفيزهم على أمر المقاتلين الخاضعين لسيطرتهم للتراجع عن مهاجمة قوات الاحتلال. أثمر الأسلوب بتقهقر بعض عناصر المقاومة، وانضمامهم إلى “قوات الصحوة” المتعاونة مع الأميركيين الذين تعهدوا لهم بالحصول على وظائف في الجيش ومؤسسات الأمن بعد انسحاب الولايات المتحدة، لكن أغلبية “جنود الصحوة” البالغ عددهم 100000، لم تنفذ عهودهم أثناء رئاسة المالكي. وجاء في برقية بعنوان “سني عربي يحذر المالكي من إعادة إشعال التمرد”: “ساهم عشرات الآلاف من أبناء العرب السنة، وجنود الصحوة في إخراج تنظيم القاعدة من الأنبار، ودافعوا عن العراقيين في مدن مختلفة، ولم يتم استيعابهم رغم ذلك في قوات الأمن وبرامج التدريب المهني، كما توقع نائب الرئيس طارق أحمد الهاشمي”. أضاف الهاشمي بأن “حكومة المالكي محاطة بمستشارين ذوي ثقة مفرطة وتوجهات طائفية، وأمرت باعتقال المئات من قادة العرب والصحوة السنة، وإزاحة الآلاف من جنودهم. وحذر من رد فعل عنيف قد يعيق المصالحة الوطنية ويؤجج التمرد السني”. أثبتت تحذيرات الهاشمي أنه متبصر وذو رؤية ثاقبة. واحتوى تلغراف آخر تحذير من سياسة إنشاء ودعم قوات الصحوة التي أدت إلى تفاقم التوترات بين السنة والشيعة: “أفاد زعيم الصحوة المكنى بأبو عزام، بأن حكومة العراق والشيعة اعترضوا على استيعاب الصحوة ومؤسسة “أبناء العراق” حتى ألغيت، مما نتج عنه إحساس العرب السنة بخيانة الشيعة. وارتأى أبو عزام وجوب بقاء الأميركيين في العراق لحمايتهم من الشيعة والموالين لهم في إيران!!! شدد على تحرر الناخبين من القيادة الراهنة الخاضعة لإيران. واعتقد أن الأحزاب السياسية الشيعية متطرفة وراسخة ومتجذرة في الفساد حتى أن المرء يتخيل أنه لا يمكن استئصالها بالانتخابات”. تضمنت غايات الصحوة حماية الأميركيين، منذ ارتفعت الخسائر البشرية للجنود. واستطاع الأميركيون بمقاتلي الصحوة الانسحاب من الجبهات الأمامية المحاربة لتنظيم القاعدة والمتمردين. أزاحت الإمبراطورية هؤلاء المرتزقة حتى جفت شرايينهم وتخلت عنهم بعد حماية الأميركيين والتعاون معهم!!! واهتم جنود “الصحوة” منذ عام 2009، بالحصول على رواتب ومصدر دخل أكثر من أمن بغداد العام، أو أداء أعضاء الصحوة الآخرين خارج العاصمة. أحدث الدعم الأميركي للحكومة التي يهيمن عليها الشيعة، شرخ عميق بين المجموعات السياسية السنية والشيعية. وباتت قوات الصحوة عنصر خلاف محوري بين القبائل والحكومة، ونقطة نزاع سياسي بين السنة والشيعة حتى يومنا هذا.

مكث علي عباس في حي العامرية ببغداد. وتبين مأساته نطاق ومنهجية حملة التعذيب الأميركية في أنحاء العراق. أورد في لقاء صحافي عام 2004، أن جيرانه اعتقلوا وحثه أصدقاؤه على الذهاب إلى القاعدة الأميركية في العامرية لمعرفة سبب اعتقال الأبرياء. ذهب ثلاث مرات بدون فائدة. واعتقل في المرة الرابعة يوم 13 سبتمبر 2003، رغم أنه لم يُتهم بجريمة. انتقل في غضون يومين من القاعدة العسكرية إلى سجن أبو غريب، حيث حبس لمدة تتجاوز الثلاثة أشهر. وبدأت معاناته منذ لحظة وصوله إلى السجن. انطوى تعذيبه على الإخضاع الجنسي، الضرب، الحرمان من الغذاء والماء، الإعدام الوهمي، التهديد بالقتل، إرهاب أسرته، التخويف بالكلاب، ومظالم مخالفة لمبادئ الإسلام. أورد أن الانتهاكات ليست آثام فردية، إنما منهج منظم يمارسه جميع الجنود في أبو غريب ومسؤولين عنه. واحتوت سجلات حرب العراق على وثائق تورط اللواء ديفيد بترايوس والعقيد المخضرم في حروب واشنطن القذرة في أميركا الوسطى، جيمس ستيل، في انتهاكات السجناء. شهد أميركيون وعراقيون في وثائقي لصحيفة الجارديان/ BBC، على مشاركة مستشارين أميركيين في انتهاكات حقوق الإنسان التي مارستها قوات الكوماندوز. ولم يجبر بترايوس على الاستقالة من إدارة المخابرات إلا بعد انتهاك جنسي في أميركا. لم يكن أبو غريب سوى غيض من فيض. وتجلت انتهاكات المعتقلين في سجون أميركا من أفغانستان إلى خليج جوانتانامو وزنزانات بلدان “العالم الثالث” التي بعثت إليها واشنطن سجناء لتعذيبهم على طريقة القرون الوسطى. شاعت تقنيات الاستجواب القاسية والقسرية، على غرار إخضاع المعتقلين لأوضاع مؤلمة وحرمانهم من النوم في مختلف مراكز الحبس العراقية. وأقر تقرير للواء أنطونيو تاجوبا بأن الانتهاكات الإجرامية السادية والوحشية في أبو غريب تشكل انتهاكات منهجية وغير قانونية. بينما وثق تقرير للبنتاغون 44 جريمة حرب في أبو غريب. واستنتج تقرير الصليب الأحمر الدولي أن أقسام المخابرات العسكرية في أبو غريب طبقت أساليب الإرغام الجسدي والنفسي لانتزاع اعترافات. أذاعت منظمة العفو الدولية نتائج مماثلة. وتمحورت برقيات ويكيلكس عن التعذيب في منشآت الاحتجاز العسكرية الأميركية حول تفاعل قنوات الإعلام مع نشر الصور البشعة من أبو غريب أكثر من اهتمامها بمعاقبة المسؤولين عن التعذيب ومقاضاتهم. أوردت برقية بعنوان “تفاعل الإعلام مع إساءة معاملة السجناء العراقيين”، في مايو 2004، (لاحظ أن كلمة “تعذيب” لم تكتب أبدًا في البرقيات إنما “انتهاك” أو “سوء معاملة”) معلومات عن تغطية وسائل الإعلام العربية المختلفة لردود الأفعال على صور الازدراء. وتحدثت برقية بعنوان “التفاعل العام مع انتهاكات الأسرى العراقيين”، عن مخاوف المحتلين من ردود الفعل الجماهيرية السلبية والعنيفة على صور وتقارير انتهاكات السجناء التي هيمنت على منافذ الإعلام المحلية والإقليمية. أصبحت جهود الدبلوماسية شبه مستحيلة لأن الصور أمدت المناهضين للاحتلال بذخيرة إضافية لمهاجمة الولايات المتحدة. واطلع الجيش الأميركي على السجون “السرية” في شتى أرجاء العراق التي تشمل الفلوجة. نشر ويكيلكس في فبراير 2008، مذكرة من اللواء كيلي، قائد القوات الأميركية في غرب العراق التي أكدت على السجون ولم تناقضها القوات متعددة الجنسيات الغربية (MNF-W) عندما استجوبها شاون ووترمان ، محرر الأمن القومي. وجاء في تعليق رئيس MNF-W: “أمضيت اليوم في تفتيش سجن الفلوجة المزدحم الذي لا يحتوي على أدنى مستويات النظافة البشرية، وبدون غذاء ولا مياه ولا نوافذ تهوية. واستفسرت من العراقيين والمارينز الحاضرين أثناء التفتيش عن هذه الظروف، فأجابوا بانعدام الدعم الحكومي لسجون الأنبار. لم يتم توفير أموال ولا غذاء أو دعم طبي من مختلف الوزارات. وتولى إدارة سجون الأنبار المسؤولين عن التحقيق في الجرائم!!! يعاني هؤلاء السجانون/المحققون من تقلص أعداد الطاقم، ويقضون وقتهم في البحث عن طعام ومصادر دخل بدلاً من التحقيق في الجرائم (من غير المرجح أن يأكل السجناء اليوم). كما تفتقر الأنبار إلى ضباط إصلاحيات مدربين لإدارة السجون. ويمكن الاستعانة بهم في مجال التحقيق الجنائي. تجتهد الشرطة العراقية قدر المستطاع، وتطمح إلى مساندة السجناء بتحفيز الحكومة على دعمهم بمقتضى المبادئ الإنسانية والأخلاقية والدينية”. تواطأ علماء النفس والأطباء النفسيون العسكريون الأميركيون في التعذيب وغيره من الإجراءات غير القانونية. وفي حين انتشر التعذيب المروع في مراكز الاعتقال الأميركية، إلا أن البرقيات اهتمت بتقليص الضرر الصحافي والسيطرة على التغطية الإعلامية والجبهات الدبلوماسية، بدلاً من محاسبة المسؤولين. تتغير الأولويات عندما يرتبط الأمر بقتل العراقيين. وتضمنت وثيقة 24 يوليو 2006، تعليمات من العقيد ناثانيال جونسون: “بحجب البراهين المصنفة في جلسة استماع المادة رقم 32 لأربعة جنود: كوري كلاجيت، وليام هنساكر، ريموند جيروارد، وجاستون جربر، الذين أعدموا ثلاثة عراقيين مجردين من الأسلحة وزعموا أنه نتيجة لمحاولة هروب، مثلما جاء في التغطية الإعلامية للمحاكمة العسكرية”. نشرت ويكيلكس استئناف من جونسون ضد تقرير مايكل ستيل الذي لم يدرج اسمه للترقية المهنية. وكان مايكل الضابط المسؤول عن الجنود المتهمين الذين اعترفوا بأنه أمرهم بقتل جميع العراقيين في مرحلة التجنيد. تمثل الأحداث الواردة نماذج على أسلوب عمل الإمبراطورية في العراق، التي توضح سياستها على المستوى الإقليمي. وتبين تركيع رعاياها الجدد، وأنماطها الفظيعة للتعتيم الإعلامي والضبابية. لم تتعرى إمبراطورية وتسقط ورقة التوت عن سوءتها مثلما حدث لأميركا عندما قرر جوليان أسانج والعاملون في ويكيلكس إتاحة البرقيات والسجلات والوثائق للجمهور التي تثبت مسؤولية “السياسيين” والعسكريين الأميركيين عن تقسيم وتفتيت وفساد العراق الذي نشهده اليوم مع إفلاتهم من المقاضاة والعقاب.

عن Rokayah

شاهد أيضاً

تفاعلات الأمن السوري وأزمة المهاجرين…5

بدأت أزمة المهاجرين السوريين إلى تركيا في أبريل 2011، عندما وصلت المجموعة الأولى المؤلفة من …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *