الثلاثاء , يناير 25 2022
الرئيسية / صحافة / العالم من أفق الإمبراطورية الأميركية…17

العالم من أفق الإمبراطورية الأميركية…17

تمثل برقيات ويكيلكس وثائق عن العلاقات الأميركية مع أنظمة الشرق الأوسط التي لن تتاح للصحافيين والباحثين بدون قناة ويكيلكس إلا بعد عقود من الزمن. ولا تتطابق مع التغطية الشاملة للوثائق الأرشيفية التي ألغيت عنها السرية وأذاعتها وزارة الخارجية في مجلدات علاقاتها. لا تعد وثائق ويكيلكس سرية للغاية ولا تميط اللثام عن قرارات السياسة، إنما تضيف بُعد مهم لاستيعاب إدارة الأمن الأميركي لنفوذ الشرق الأوسط. وتطرح لمحات عن سياسة وزارة الخارجية والدبلوماسيين الأميركيين وحلفائهم، لا سيما استجابة الجهات الفاعلة لمؤشرات الإدارات الملائمة لمخطط السياسة الأميركية. تكشف التناقضات بين الخطاب العام والحسابات العملية ومواقف الولايات المتحدة والدبلوماسيين المتحالفين معها. ولا يمكن مناقشة مختلف أبعاد السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، ناهيك عن الحلقات التاريخية. يعكس اختيار المواضيع زاوية من العلاقة الثلاثية بين أميركا وكيان الاحتلال في فلسطين وإيران التي تمثل الديناميكية المركزية للسياسة الأميركية في المنطقة. ويقدم ويكيلكس موجز عن القضية النووية الإيرانية التي أصبحت محور السياسة الخارجية الأميركية منذ إدارة بوش إلى عهد بايدن. ألقى الضوء على انسجام المصلحة الأميركية مع إسرائيل، ومدى تأثير التناغم على الدبلوماسية الأميركية في المنطقة. وأوضح تعامل الولايات المتحدة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) فيما يختص بالقضية النووية الإيرانية. ساهمت مبيعات الأسلحة في صياغة السياسة الأميركية تجاه الأنظمة العميلة في الشرق الأوسط وجنوب آسيا، من إيران وباكستان إلى السعودية. ويسود العنصر الإسرائيلي المحفز لصياغة وتنفيذ السياسة الأميركية في الشرق الأوسط. يفرض نفوذ اللوبي الإسرائيلي قيود على إمكانيات الإدارة الأميركية لتنفيذ سياسة مستقلة، سواءً ارتبطت بالسلام مع الفلسطينيين أو البرنامج النووي الإيراني. ويعد الدعم الأميركي لاستدامة الهيمنة العسكرية الإسرائيلية في الشرق الأوسط الرابط الأساس بين المصالح المحلية والسياسة الأميركية-الإسرائيلية. يتجلى تأثير السياسة الداخلية في الدبلوماسية الأميركية في مستندات ويكيلكس. وتسطع ثلاثة موضوعات في المحادثات الدبلوماسية: أولاً، درجة التزام الحكومة الأميركية بمعاهدات الهيمنة العسكرية الإسرائيلية في المنطقة; ثانيًا، انحراف إدارة أوباما نحو إسرائيل في مفاوضات السلام الفلسطينية; وثالثًا، استغلال إدارة أوباما للتهديد الإسرائيلي بمهاجمة إيران للضغط على حكومة طهران. تقيدت الحكومة الأميركية بمنح إسرائيل هيمنة عسكرية على مختلف المنافسين وضد الخصوم المتخيلين، مما أسبغ أهم مزايا إسرائيل للضغط على واشنطن، كما يتضح من تلغراف زيارة نائب وزير الخارجية للشؤون السياسية والعسكرية، أندرو شابيرو، إلى مقر إسرائيل بفلسطين في يوليو 2009، لمناقشة حماية واستدامة “التفوق العسكري النوعي الإسرائيلي” (QME). وادعى الإسرائيليون في لقاءات شابيرو، بأن ثمة خطورة تهدد تفوقهم العسكري، وأكدوا على المسؤولية الأميركية لضمان بقاء مستوى الأنظمة العربية العدائية ضد إيران أو المتعاونة عن كثب مع إسرائيل في الشؤون الأمنية أقل من تل أبيب في المجال العسكري، لأنهم قد يتحولون إلى خصوم عسكريين لإسرائيل في المستقبل، ثم شددوا على رؤية المعلومات الاستخباراتية المصنفة التي استندت إليها سياسة QME الأميركية.

أكد الإسرائيليون على حماية تفوقهم العسكري النوعي. وزعموا بأن تل أبيب تدرك مقاصد السياسة الأميركية لبيع الأسلحة إلى الدول العربية “المعتدلة” (يقصد الأميركيون والإسرائيليون بوصف بعض الدول بالاعتدال تلك الراضخة لاحتلالهم وتغض الطرف عن انتهاكاتهم السافرة، في حين تنعت الرافضين للاحتلال بالإرهابيين حتى إذا كانوا إسرائيليين أو أميركيين)، لمواجهة التهديد الإيراني (تمكن الإسرائيليون والإيرانيون من إمالة البوصلة العربية من التهديد الإسرائيلي المتراكم إلى التركيز على التهديد الإيراني المتخيل أو العملي). يحبذ الإسرائيليون أن تأتي مبيعات الأسلحة من واشنطن بدلاً من روسيا أو الصين. ويحددون المخاطر التي قد تشكل تهديدات أو خصوم في المستقبل. أفصحوا عن ضرورة مراجعة تقرير QME قبل تقديمه إلى الكونجرس. وأوضح شابيرو أن التقرير استند إلى تقييم الاستخبارات، وبالتالي، لا يمكن اطلاع حكومة احتلال إسرائيل عليه. أفاد الإسرائيليون بتقديرهم لطبيعة التقرير السرية، وبينوا صعوبة التعليق على نتائج التقرير بدون مراجعة محتواه أو تقييمه الاستخباراتي. ناشد بوكرس وغيره من مسؤولي حكومة الاحتلال لمراجعة تقارير QME المستقبلية. وتحدثوا عن توجسهم من تحول الدول العربية إلى أعداء الذي يجب أن يؤخذ في الاعتبار في عملية QME. ناقش نائب مدير أبحاث السياسات بوزارة الخارجية، حول مائدة مستديرة، ملخصات استخباراتية عن السعودية ومصر ولبنان لدعم ذريعة تل أبيب بأن هذه الدول قد تصبح أعداء في المستقبل. وألمح شابيرو إلى المصلحة المشتركة مع دول الخليج التي تعتبر إيران التهديد الأولي. أعرب مسؤولو الجيش الإسرائيلي عن ارتيابهم بالمساندة العسكرية لدول الخليج من أجل التصدي لطهران، لأنها لا تستطيع مجابهة تهديدات إيران النووية واللامتكافئة. واقتنع شابيرو بأن دعم دول الخليج يجب ألا يقلص التفوق العسكري النوعي لإسرائيل الذي يبعث إشارة إلى تلك الدول وإيران بأن تل أبيب لديها حلفاء أقوياء في الغرب!!! كما يساهم في إقناع الخليج بأن مصالحهم مع المعسكر المعتدل (المقصود به إسرائيل!!!) وليس مع إيران. تبرهن تقارير شابيرو مع مسؤولي الأمن الإسرائيلي على التمييز القانوني والسياسي لضمان التفوق العسكري الذي يمنح تل أبيب نفوذ يمكنها من تحدي السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، ورفض ترسيخ العلاقات العسكرية والأمنية مع الأنظمة العربية حتى تلك المتحالفة مع إسرائيل باتفاقيات أو من وراء حجاب، على غرار مصر، السعودية، الأردن، المغرب، السودان، الإمارات، والبحرين. أراد أوباما تجميد المستوطنات الإسرائيلية من أجل تأسيس دولة فلسطينية، وتهيأ لإخضاع سياسته في إيران لهذه المصلحة. تطلع إلى موافقة المحتل (رئيس الوزراء نتنياهو) على الرحيل من الأراضي المستعمرة!!! مقابل تعهد أوباما بالتزمت مع السياسة الإيرانية. لكن نتنياهو ضغط على واشنطن عام 2009، من خلال لجنة الشؤون الأميركية-الإسرائيلية (AIPAC)، ونال توقيع من ثلاثة أرباع أعضاء مجلس النواب ليتجنب أوباما الضغط السياسي العلني على إسرائيل. أوضحت الخطوة أن نتنياهو يرفض المقايضة، وتراجع أوباما عن دعوته لتجميد احتلال وتشييد المستوطنات، جاعلاً دينيس روس مستشاره الأول في المفاوضات الفلسطينية. تضمن خنوع أوباما في قضية المستوطنات الانحياز الأميركي الحاد نحو الجانب الإسرائيلي. وقررت إدارته عدم تغيير رأي نتنياهو لتأسيس دولة فلسطينية وإنهاء النزاع. أورد لقاء روس مع المبعوث الصيني إلى الشرق الأوسط، سايك، في أكتوبر 2009، أن روس أخفى استسلام الإدارة الأميركية المهين لاستيلاء نتنياهو على الأراضي الفلسطينية من أجل تشييد المستوطنات الإسرائيلية للصوص القادمين من شتى بقاع الدنيا، مما يقوض الفرضية المركزية لاتفاقيات أوسلو: “استفسر سايك عما إذا كان لدى الولايات المتحدة خطة سلام محددة للشرق الأوسط، ومتى سيتم الإعلان عنها. وأجاب روس بأنه قد يكون لها نتيجة غير مقصودة لتفادي التفاوض بدلاً من دعمه. وأعاد التأكيد على تركيز الولايات المتحدة على تحديد شروط المفاوضات التي ستشارك فيها، وتقدم مقترحات تجسير للمقاربة حسب الاقتضاء”.

لم تقدم إدارة أوباما خطة سلام لإنهاء النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني وأعطت نتنياهو الضوء الأخضر لإدامة التوسع في مستوطنات الضفة الغربية التي من المفترض أنها جزء من دولة الفلسطينيين المستقبلية. كان ادعاء الأميركيين بأنهم يحاولون “التجسير حسب الاقتضاء” أسلوب التواء واحتيال للتعبير عن السلبية الأميركية، وتجنب المواجهة السياسية مع نتنياهو. واتفق أوباما ونتنياهو أثناء اجتماع روس مع المبعوث الصيني، وأُعلنوا بعد أيام عن تجميد الاستيطان لمدة عشرة أشهر الذي يستثني القدس ويواظب على مستوى المستوطنات السابق. لم يكترث روس وأوباما برفض الفلسطينيين، وفشلت المفاوضات مع السلطة الفلسطينية. استندت سياسة نتنياهو في إيران إلى تهديد صوري بالقوة العسكرية كملاذ أخير إذا لم تعالج أميركا والدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا “القضية” (P5 + 1) بما يرضي إسرائيل. وتستطيع سياسة أميركية مستقلة في الشرق الأوسط رفض الخنوع للتهديد المزعزع للاستقرار من كيان محتل يعتمد كليًا على الدعم السياسي والاقتصادي الأميركي، إلا أن موقف إدارة أوباما لاستنكار الهجوم العسكري الإسرائيلي على إيران لم يتم تنفيذه بالتنسيق، واستغلت الإدارة التهديد الإسرائيلي لتدعيم نفوذها الدبلوماسي على إيران، وحث الدول على تطويق إيران والتأثير على قرارها. حصل المسؤولون الأميركيون على دعم الأوروبيين وتركيا وروسيا والصين، لفرض عقوبات متطرفة على إيران والادعاء بأن الفشل يفاقم من إمكانية هجوم إسرائيلي على إيران وبث الفوضى في المنطقة. واقترح مستشار البيت الأبيض السابق في مجال منع انتشار الأسلحة غاري سامور، استغلال التهديد الإسرائيلي لمهاجمة إيران في غضون حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2008. بات سامور مستشار أوباما في أسلحة الدمار الشامل في يناير 2009. وأورد وزير الدفاع روبرت جيتس ومسؤول القيادة المركزية CENTCOM اللواء ديفيد بترايوس في 1 أبريل 2009، اليوم الذي تولى فيه بنيامين نتنياهو منصب رئيس الوزراء، أن إسرائيل قد يهاجم إيران إذا نفذت برنامجها النووي. أوضح اجتماع جيتس ووزير الخارجية الإيطالي، فرانكو فراتيني، في فبراير 2010، استغلال التهديد الإسرائيلي لتحريض الحكومة الإيطالية على دعم الاتجاه الأميركي العدواني ضد إيران. وذكرت وزارة الدفاع أن قرار مجلس الأمن “الدولي” يمنح الاتحاد الأوروبي منصة قانونية لفرض عقوبات أشد قسوة على إيران. لم تحرز وزارة الدفاع تقدم في الأشهر التالية، وتوجست من الانتشار النووي في الشرق الأوسط الذي يتفوق على إسرائيل لأنها لم تعترض على البرنامج النووي الباكستاني والهندي. تنبأ وزير الدفاع بـ”عالم مختلف” في غضون 4 إلى 5 سنوات إذا طورت إيران أسلحة نووية. وحذر رجب إيردوغان، واتفق مع تقييم فرانكو عن السعودية والصين، مع توضيح أهمية السعودية لبكين وموسكو أكثر من إيران. وثقت حكومة رجب علاقاتها مع إيران. وأرادت إدارة أوباما أن يثني الأتراك إيران عن “تحدي” الولايات المتحدة ومجموعة 5+1. تحدث نائب وزارة الخارجية ويليام بيرنز عن الهجوم الإسرائيلي في لقائه مع نظيره التركي فريدون أوغلو، عندما رفض الأخير العقوبات المتزمتة. وحث بيرنز أوغلو على إقناع الحكومة الإيرانية لتصويب سياستها. أكد أوغلو على معارضة الحكومة التركية لبرنامج إيران النووي. وأعرب عن مخاوفه من تأثير الحرب على أنقرة وارتأى أن العقوبات توحد الإيرانيين لدعم حكومتهم وتضر بالمعارضة. أقر بيرنز بتأثير العقوبات الاقتصادية على تركيا، لكنه حذر أوغلو من تضرر المصلحة التركية إذا تحرك إسرائيل عسكريًا لتثبيط إيران من حيازة أسلحة نووية أو إذا سعت مصر والسعودية للحصول على ترسانة نووية.

صاغت أميركا سياستها في إيران من عدسة المصلحة السياسية والبيروقراطية-الاقتصادية غير المعلنة. وأدرجت طهران في أوائل التسعينيات، ضمن مخاطر انتشار الأسلحة النووية، لتبرير البرامج العسكرية والاستخباراتية الأميركية التي كانت تتخذ من التهديد السوفييتي ذريعة وألغي مبرر وجودها بانتهاء الحرب الباردة. تذرع الدفاع الصاروخي بتهديد الصواريخ الباليستية الإيرانية المستقبلية للولايات المتحدة لقسر إدارة كلينتون على إنشاء نظام دفاع صاروخي. واستغل التهديد المزعوم للصواريخ الإيرانية تجاه أوروبا والشرق الأوسط كأداة لبيع أسلحة الدفاع الصاروخي والعتاد الهجومي إلى حلفاء الناتو وأنظمة الخليج العربي. تجذر الرابط السياسي بين برنامج الدفاع الصاروخي الأميركي والتهديد العسكري المتخيل من الصاروخ الباليستي الإيراني العابر للقارات في عهد كلينتون. وهيمن لوبي الدفاع الصاروخي في التسعينيات إلى درجة أن المخابرات CIA تعرضت لضغوط لتغيير تقريرها عام 1995 (NIE) الذي نفى تهديد الصواريخ الباليستية الإيرانية العابرة للقارات ICBM على الولايات المتحدة، ليتناسب مع الادعاءات الأميركية و”لجنة رامسفيلد” التي زعمت أن التهديد ممكن في غضون 15 عامًا. أمرت إدارة بوش في ديسمبر 2002، التي اختارت رامسفيلد كوزير للدفاع، بانتشار الدفاع الصاروخي عام 2004، وأصدرت تعليماتها إلى وزارة الدفاع والخارجية لتعميق التعاون الدولي في مجال الدفاع الصاروخي الذي ينطوي على الهياكل الثنائية وتحالفات الناتو، والتفاوض على الترتيبات الملائمة. أقر روبرت جيتس، الذي خلف رامسفيلد في وزارة الدفاع عام 2006، بانعدام البراهين على صواريخ طهران ICBM. واقترح في أكتوبر 2007، استئناف المفاوضات، وثابر لتلبية نزعات تحالف البيروقراطية-الصناعية للسياسة الصاروخية كوزير دفاع لباراك أوباما الذي أمضى في سبتمبر 2009، على برنامج دفاع صاروخي منقح لأوروبا بعنوان “المنهج الأوروبي المرحلي المتأقلم”، الذي رسم تقنية الدفاع الصاروخي في أوروبا قبل 12 سنة، وأقصي لاضمحلال المعلومات التي تثبت الصاروخ الإيراني بعيد المدى. واظبت إدارة أوباما رغم ذلك على اتهام إيران بتهديد المدن الأوروبية بصواريخها المتخيلة!!! وأورد ويكيلكس “نقاط الحوار” بخطة الدفاع الصاروخي الأوروبي المرسلة إلى مختلف الدول، كما صورت وزارة الخارجية الأميركية إيران كتهديد لتركيا ودول الخليج والقوقاز: “يكثف من اختبار الصواريخ الباليستية التي قد تصل إلى أوروبا”. كانت الغاية من رسالة التحذير بشأن التهديد الصاروخي الإيراني روسيا التي توترت علاقاتها مع إدارة بوش بعد أزمة جورجيا عام 2008. ورنا أوباما إلى حث روسيا على الانضمام إلى التحالف الدولي والضغط على إيران لإلغاء برنامج التخصيب مثلما كان الوضع من عام 2005 إلى 2007. تضمنت “نقاط الحوار” لمستشار الأمن القومي اللواء جيمس جونز في اجتماع مع السفير الروسي سيرجي كايسلياك الادعاء بأن الصواريخ الإيرانية تهدد موسكو برؤوس حربية نووية على المدى البعيد، وضرورة بث الرادارات وأنظمة الاعتراض والتجسس بالقرب من إيران.

زعمت صحيفة نيويورك تايمز أن وثائق ويكيلكس أثبتت أدلة المخابرات الأميركية على صواريخ إيران التي يمكنها الوصول إلى العواصم الأوروبية. لكن البرقية المعنية من وزارة الخارجية إلى الدبلوماسيين في فبراير 2010، تبين أن الخبراء الروس المشاركين في “تقييم التهديد” لبرنامج الصواريخ الإيراني رفضوا الذريعة الأميركية عن التهديد، ولم يتمكن المسؤولون الأميركيون من إثبات اتهامهم. لم يتضمن سرد التايمز تغطية الاجتماع; ولم يوضح أن برقية ويكيلكس عبارة عن تقييم أميركي-روسي مشترك مرتاب بالادعاءات الأميركية. أورد الوفد الأميركي أن إيران لديها صاروخ BM-25، الذي طورته كوريا الشمالية على أساس صاروخ باليستي من غواصة سوفييتية عفا عليها الدهر ويصل مداها إلى 2000 ميل. وطعن الروس في ادعاء الوفد الذي اعترف بأنه لا يمتلك صور فوتوغرافية أو أدلة قاطعة، وأفاد بأن الكوريين استعرضوا صاروخ BM-25 في شوارع بيونغ يانغ، لكن الروس ردوا بأنهم شاهدوا فيديو الاستعراض، وأن الصاروخ مختلف عن BM-25. أوفد الروس جهود إدارة أوباما لإدراج شبح الأسلحة النووية في القضية. وجاء في بيان بالنيابة عن نائب أمين مجلس الأمن الروسي: “لا يمكن أن تضع إيران جهاز نووي على صواريخ ذات مدى متطور، وليس لديها صواريخ باليستية قادرة على نقل أسلحة نووية”. استمرت إدارة أوباما في التحذير من التهديد الصاروخي الإيراني لأوروبا والشرق الأوسط، ونزعت إلى مصلحة البنتاغون وحلفائه من الشركات لبيع تقنية الهجوم والدفاع الصاروخي إلى السعودية والإمارات والكويت، وتشييد نظام الدفاع الصاروخي في منطقة الخليج. اشترت الإمارات كأول دولة خليجية نظام الدفاع الصاروخي الأميركي في ديسمبر 2008، وابتاعت 172 صاروخ من طراز PAC-3، إلى جانب قاذفات، عتاد أرضي، برمجيات، تدريب، ودعم شامل. وجلبت الصفقة موارد بقيمة 5.1 مليار دولار لشركة Lockheed وRaytheon. كانت مبيعات الإمارات البداية لموجة من مشتريات الأنظمة الأميركية المضادة للصواريخ والأسلحة الهجومية ذات الكميات المذهلة. وتفاوضت واشنطن مع السعودية لإبرام صفقة أسلحة بقيمة 60 مليار دولار في عام 2007، وتحديدًا لشراء طائرات F-15، وتحديث أسطول F-15 القديم، وأعلنت عن المبيعات رسميًا في أكتوبر 2010. كان من المتوقع أن تصل قيمة الصفقة إلى 150 مليار دولار في عقود المشتريات والتعاون على مدى 20 عام. وحفز الأميركيون السعوديين على شراء تقنية الدفاع الصاروخي THAAD. تمركز سرد نيويورك تايمز المستند إلى ويكيلكس على إلحاح مشيخات الخليج لتعطيل برنامج إيران النووي بالقوة، حيث أشار الملك السعودي إلى ضرورة “قطع رأس الأفعى” يقصد إيران، ورغبة ولي عهد الإمارات، محمد بن زايد آل نهيان في معاقبتها. واستشهد نتنياهو بالبرقيات لتبرير التقييم الإسرائيلي والبرهنة على اتفاق السعوديين ودول الخليج مع الإسرائيليين. تميل الأنظمة الملكية العدائية ضد إيران إلى الاستسلام لرواية إدارة بوش وإسرائيل عن طموحات إيران إلى حيازة أسلحة نووية، واعتمدت على واشنطن لمعاقبة خصمها الإيراني. يرتبط الأمن الخليجي بالقواعد العسكرية الأميركية. وتمركزت دول الخليج في “الوسط” بعد تصاعد التوترات الأميركية-الإسرائيلية، من جهة، والإسرائيلية-الإيرانية من جهة مغايرة، مما جعلها عميلة محورية لمبيعات وصفقات الدفاع الصاروخي.

تعكس برقية من السفارة الأميركية بأبو ظبي في فبراير 2007، العلاقة المعقدة بين اهتمام الأنظمة الخليجية بالتقنية الأميركية المضادة للصواريخ، وتهديد حرب إيران المتفاقم نتيجة للسياسات الأميركية-الإسرائيلية. أفصح ولي العهد ورئيس الدولة محمد آل نهيان (مبز)، الذي كان نائب رئيس القوات الإماراتية المسلحة، في لقاء مع رئيس أركان القوات الجوية الأميركية اللواء مايكل موزلي، عن رغبته في تعطيل البرنامج النووي الإيراني “بشتى الوسائل المتاحة”. وانعقد الاجتماع في سياق التفاوض على شراء أنظمة الدفاع الصاروخي وغيرها من التقنيات العسكرية المتقدمة، ولم ترغب القيادة في اتخاذ موقف وسط بين الولايات المتحدة وإيران: “حذر مبز من تهديد إيران المتعاظم، وألمح إلى أنه لا يمكن التغاضي عن برنامجها النووي”. أراد مبز نظام دفاع صاروخي في صيف 2009، وتطلع إلى منصات هجوم مستندة إلى سفن كجزء من النظام. حددت الإمارات موقع في الحدود الشمالية بارتفاع 6000 قدم لتثبيت رادار الإنذار المبكر. وتلا اجتماع موزلي-مبز إبلاغ رايثيون/لوكهيد مارتن لمبز عن تطوير نظام ثاد/باك-3، وأنظمة الإنذار المبكر المشتركة. يتحدث مبز بأسلوب صارم عن إيران رغم العلاقات الإماراتية-الإيرانية المتجذرة في مجال الاقتصاد والمقيمين الإيرانيين في الإمارات، ناهيك عن المسؤولين الإماراتيين من جذور إيرانية، على سبيل “ردع طهران بالوسائل الممكنة” و”التعامل مع إيران عاجلاً وليس آجلاً”، في سياق شراء التقنية العسكرية. وتخشى الإمارات السبع في الوقت ذاته من الإجراءات الأميركية ضد طهران المتفوقة عسكريًا على دول الخليج. يبلغ حجم التجارة بين الإمارات وإيران 4 مليار دولار الذي يضاعف من تعقيد العلاقة. وشرع مسؤولو الدفاع الإسرائيليين وإدارة أوباما، بطريقة منسقة في أبريل 2009، عندما تهيأ بنيامين نتنياهو المنتخب حديثًا لتقلد رئاسة الوزراء، في إخبار قنوات الإعلام بأن إسرائيل قد “تجبر” على مهاجمة إيران عسكريًا. استثمر الطرفان (الإسرائيلي والأميركي)، الإعلان لتنفيذ المصلحة السياسية والدبلوماسية، وهرعت مشيخات الخليج إلى شراء أنظمة الدفاع الصاروخي الأميركية. تفاعل رئيس “الجيش” الإماراتي مع مؤشرات اجتماع مبز والسفير ريتشارد هولبروك، الذي تحدث فيه مبز عن مخاوفه من الاختيار العسكري وحرب إيران التي تؤذي الإمارات، وتوجسه من الهجوم العسكري الإسرائيلي بدون تشاور. تيقن مبز من رد إيران. وسارعت دول الخليج إلى تثبيت نظام الدفاع الصاروخي في سياق مناقشة هجوم عسكري على إيران. صرح اللواء ديفيد بترايوس، قائد CENTCOM، في مؤتمر لمعهد دراسة الحرب في واشنطن، في يناير 2010: “تعتقد جبهة الخليج أن إيران تهديد خطير للغاية، وشيدت الولايات المتحدة ثمان بطاريات صواريخ باتريوت، اثنتان لأربع بلدان خليجية”. أفادت برقية من السفارة الأميركية في الكويت بعد بضعة أيام أن تقرير التايمز أفضى إلى تصاعد المخاوف الكويتية من المواجهة العسكرية الإسرائيلية-الأميركية: “تكدرت الحكومة الكويتية من تقرير نيويورك تايمز في 31 يناير على غرار بعض دول الخليج، لأنه ربط بين خطط نشر أنظمة صواريخ دفاعية في الكويت وعدد من دول الخليج وهجمات صاروخية إيرانية محتملة. وأذيع التقرير بعد أيام من زيارة رئيس البرلمان الإيراني علي لاريجاني إلى الكويت من 26 إلى 27 يناير التي حذر خلالها دول الخليج من شن هجمات من القواعد الأميركية باتجاه إيران.

أثبت سرد نيويورك تايمز أن انحياز أنظمة الخليج إلى سياسة إسرائيل تجاه إيران مضلل. واعترض النظامان الإماراتي والكويتي، على الحرب الإسرائيلية، وانبثق شراؤهما لتقنية الدفاع الصاروخي من خوفهما من المواجهة العسكرية. ارتأى المحافظون الجدد في إدارة بوش تغيير النظام الإيراني بالقوة العسكرية. وتمحورت الاستراتيجية لتحقيق الغاية حول برنامج طهران النووي الذي يتضمن وثائق استخباراتية مسربة إلى المخابرات الخارجية الألمانية من عناصر منظمة مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة التي نفذت تفجيرات ضد أميركيين في عهد الشاه، وتعاونت مع حكومة صدام حسين في حربها ضد إيران; ثم تواصلت مع المخابرات الإسرائيلية في التسعينيات. اتسمت الوثائق بأخطاء تقنية وتناقضات مع حقائق ثابتة، مما يثبت أنها ملفقة. وفوضت إدارة بوش الوكالة الدولية للطاقة الذرية IAEA، التي تستطيع تحديد فيما إذا كانت دولة ما ملتزمة باتفاقية “الوقاية”، لإسباغ شرعية على “وثائق الحاسوب المحمول” كدليل على برنامج الأسلحة النووية. ارتاب مدير الوكالة آنذاك، محمد البرادعي، بمصداقية الوثائق، واعتقد أنه لا ينبغي اعتبارها براهين ضد إيران، لاسيما أن أميركا رفضت مشاركتها مع طهران. صاغ البرادعي مع طهران “خطة عمل” عام 2007، لتناول التجارب الإيرانية وبرنامجها النووي الذي اعتقدت الوكالة وقتئذ أنه مريب. وافقت إيران على التجاوب مع “وثائق الحاسوب”، بشرط الحصول على صورة من المستندات لفحصها، ولم تتقيد بمعالجة الأزمة مع الوكالة. نفرت إدارة بوش وحلفاؤها الأوروبيون، بريطانيا وفرنسا وألمانيا (P3+1) من الاتفاق، حتى لا يعتقد البرادعي أن التفسيرات الإيرانية موثوق بها، وأن إيران متعاونة مع الوكالة بدلاً من إخفاء مقاصدها النووية. وسعت إلى إعاقة البرادعي والوكالة الدولية من تسوية ملف إيران ما لم تقدم تنازلات جمة للدول الغربية بإنهاء التخصيب والإقرار ببرنامجها النووي. ذكرت برقية أن مسؤول فرنسي “أورد أن جهود P3+1 حذرت من خطة العمل. وسرد أن مدير السياسة الخارجية للوكالة، فيلموس سيرفيني – حليف البرادعي – اعتبر المذكرات الدبلوماسية المنسقة تهديد، وقال للدبلوماسي الفرنسي: لا يمكنك تحدي رأينا، أو اختراق المؤسسة”. ارتأى فيلموس أنه إذا هاجمت الولايات المتحدة وحلفاؤها قرارات البرادعي بشأن إيران، سيخاطرون بفقدان ثقة الوكالة كمؤسسة دولية فعالة للتعامل مع قضية التكاثر النووي. وأورد تقرير البرادعي في نوفمبر 2007، عن تطوير خطة العمل أن إيران قدمت معلومات مقنعة لمحققي الوكالة بشأن تجارب البلوتونيوم في فترة الثمانينيات والتسعينيات وأجهزة الطرد المركزي P2 وتلوثها باليورانيوم مرتفع التخصيب الذي تبين أنه من أجهزة باكستان المستوردة، وليست منتج لتخصيب الأسلحة النووية الإيرانية. حجبت معالجة الإعلام الغربي للبرقيات الاتجاه الرسمي الأميركي-الإسرائيلي-الأوروبي، وركزت على وثائق إيران. يتجسد درس ويكيلكس الأساسي في أن التنقيب عن الحقائق من محتوى التسريبات من استقصاء صحافيين وباحثين مستقلين وليس بواسطة أولئك الذين يتقيد بحثهم عن الحقيقة بمكونات المنفعة والنفوذ.

عن Rokayah

شاهد أيضاً

تفاعلات الأمن السوري وأزمة المهاجرين…5

بدأت أزمة المهاجرين السوريين إلى تركيا في أبريل 2011، عندما وصلت المجموعة الأولى المؤلفة من …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *