الثلاثاء , يناير 25 2022
الرئيسية / صحافة / العالم من أفق الإمبراطورية الأميركية…15

العالم من أفق الإمبراطورية الأميركية…15

غرقت واشنطن في الذعر عام 2010، عندما تأهب موقع ويكيلكس الإلكتروني لبث كنز دفين من البرقيات الدبلوماسية الصادرة من السفارات والقنصليات الأميركية في أرجاء الدنيا. وحظرت مؤسسات إنفاذ القانون الشؤون المالية لويكيلكس، بينما هرع الدبلوماسيون الأميركيون لتحذير نظرائهم الأجانب من محتوى التسريبات. تنبأ المرء بمأزق مشابه لعملاء واشنطن في كيان الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين من ذوي العلاقات الراسخة مع الولايات المتحدة، حيث تخصص واشنطن منحة سنوية للجيش الإسرائيلي تفوق الـ3 مليار دولار، وتستغل مقعدها في مجلس الأمن لحماية إسرائيل من رد الفعل الدبلوماسي على انتهاكاتها في فلسطين ولبنان (حتى عندما تتعارض مع سياسات واشنطن). يرتبط الجيش الأميركي بمليشيات الاحتلال الإسرائيلي. ويحرج عدد التبادلات التي تجلت في برقيات الحكومة الأميركية (إن بقي ثمة حرج!!)، حيث يوافق المسؤولون الأميركيون على الانتهاكات الإسرائيلية المستدامة للقانون الإنساني الدولي بابتهاج ولا مبالاة، إلى جانب قرارات مجلس الأمن، والقرار التاريخي لمحكمة “العدل” الدولية ضد المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة. يقترف الإسرائيليون شتى أنواع الانتهاكات التي تؤدي حتميًا إلى فرض عقوبات إذا ارتكبتها حكومة لا تحبها الولايات المتحدة مثلما تعشق ائتلاف المتطرفين الإرهابيين في إسرائيل. يطغى الدعم الأميركي للسياسات والجرائم الإسرائيلية أثناء تمحيص الوثائق وتطابق المصالح الأميركية والإسرائيلية دائمًا، بدلاً من الوضع المعكوس “الذيل الذي يهز الكلب”، أو حالة الدبلوماسيين الأميركيين المرتعدين من ضغط اللوبي الإسرائيلي المتبجح. ويفعل ذلك أحيانًا حلفاء واشنطن العرب المستبدين الأوتوقراطيين. ابتهج الإسرائيليون بتسريبات ويكيلكس بدلاً من الذعر مع نظرائهم في واشنطن، ونشروا قائمة غسيل المستبدين العرب الذين ناشدوا واشنطن سرًا لتدمير المباني النووية الإيرانية، أو على حد تعبير العاهل السعودي عبد الله “قطع رأس الأفعى”. تباهى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في نوفمبر 2010، لأول مرة في التاريخ الحديث، بأنه: “لا يوجد اتفاق غير مهم بين إسرائيل ودول المنطقة التي ينبع منها التهديد الإيراني وخططها التوسعية ومراحل عسكرتها”. ودعا القادة العرب إلى “التصريح جهرًا بما يقولونه سرًا!!!”، وزعم أن “إسرائيل لا تهدد السلام والأمن في المنطقة” إنما إيران. أوجز البهجة الإسرائيلية الكاتب الإسرائيلي سيفر بلوكر الذي كتب ساخرًا: “إذا لم يوجد موقع ويكيلكس، لتوجب على إسرائيل اختراعه”. اتفق بعض منظري المؤامرة في حمى مستنقعات الإنترنت، حيث زعمت حفنة من المواقع العربية الإلكترونية ومواقع عنصرية أميركية عن تفوق ذوي البشرة البيضاء بعد نشر البرقيات الأولى أن ويكيلكس جزء من مؤامرة يهودية لإخفاء معلومات ضارة عن إسرائيل مع إرباك منافسيها. لكن التحالف الأميركي-الإسرائيلي لم ينجو من التدقيق. وبثت آلاف البرقيات عن إسرائيل في الأشهر التالية، وبلغت ذروتها بنشر 4000 وثيقة في أوغست 2011. لم تتضمن سوى عدد ضئيل من القذائف المدوية، إلا أنها تضفي نسيج حاسم على أهم القضايا في العلاقة الأميركية-الإسرائيلية، وتحديدًا فلسطين وإيران، في حين تفاقم الخذلان في المجتمع المدني الأميركي من تعامل حكومة الولايات المتحدة مع القضية الفلسطينية. تؤكد البرقيات على المسافات بين الانحيازات السياسية المعلنة للحكومتين الأميركية والإسرائيلية حتى عندما تتلاشى المساحات أثناء تنفيذ تلك السياسات. وتثبت أنها من السجلات التاريخية الأكثر قيمة عن حدود ومدى “العلاقة الخاصة” بين واشنطن وإسرائيل. تجمدت العلاقات الإسرائيلية-الفلسطينية منذ اتفاقيات أوسلو عام 1993، في إطار لم يكن من المفترض أن تتقيد به. وأقرت أوسلو بهيئة حاكمة – السلطة الفلسطينية – في محاولة لتخفيف بصمة الجيش الإسرائيلي في فلسطين المحتلة، وإدارة أجزاء من قطاع غزة والضفة الغربية حتى تأسيس هيئة فلسطينية “أكثر شرعية”، وإبرام اتفاق الوضع النهائي بين إسرائيل ومنظمة “التحرير” أو بالأحرى منظمة الخيانة والتواطؤ الفلسطينية. قاد رئيس فتح محمود عباس (أبو مازن)، السلطة المسؤولة عن إدارة ما تبقى من الأراضي الفلسطينية منذ عام 2005، والتفاوض مع إسرائيل. وبدا أوسلو على الورق، وكأنه خارطة طريق عملية. تصلب في قوقعة مجوفة بعد سنوات من الركود، وإدامة الاستعمار الإسرائيلي، وانتفاضة ثانية أكثر عنفًا، وسيطرة حماس على قطاع غزة، وعنف متزامن مع الاحتلال.

تعتمد حكومة عباس على الحكومة الإسرائيلية التي تحاصر قواتها عشرات الجيوب في الضفة الغربية التي من المفترض أنها خاضعة لإدارة السلطة في غياب خارطة طريق لتأسيس دولة فلسطينية. وحاول الفلسطينيون في غضون ذلك تطوير نموذج للاعتماد على الذات والتمكين للبرهنة على قدرتهم في إدارة حكومة واقتصاد، وسيادة القانون، وحماية إسرائيل!! أرادوا إقناع إسرائيل والولايات المتحدة بحكم دولة مسؤولة وقابلة للحياة إذا سحبت إسرائيل قوات احتلالها من الضفة الغربية والقدس الشرقية. ولم تكترث الحكومة الإسرائيلية لمقاصدهم. تابع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الاقتراحات أحيانًا لحضور محادثات السلام التي ترعاها الولايات المتحدة بعد انتخابه عام 2009. ولم يهتم بالتفاوض على إنشاء دولة فلسطينية بترسيخ تحالف من الأحزاب اليهودية المتطرفة المعتدية على حقوق الفلسطينيين. أخمد بنيامين الضفة الغربية بمزيج من القمع والتنمية الاقتصادية والتعاون الأمني مع عباس، بينما يلقي باللوم على عباس ووزرائه، الأشخاص الذين تعتمد عليهم إسرائيل للتغطية على جرائمها وحمايتها وكبح جماح المظاهرات، في تجميد عملية السلام. وتزدهر المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في أنحاء الضفة الغربية والقدس الشرقية طيلة الوقت، لإضعاف شرعية عباس. انتزعت حماس السيطرة من فتح عام 2007 بانتخابات غزة، حيث يعتمد إسرائيل على الخنق الاقتصادي والحصار والغارات الجوية والاجتياحات البرية المنتظمة لإعاقة حماس التي فازت بأغلبية الأصوات والمقاعد في الانتخابات النيابية من إعادة الحياة إلى الجيب المحاصر. لم تصاغ خطة لكسر الجمود رغم شكوى الإسرائيليين والأميركيين من التداعيات الدبلوماسية لتقرير جولدستون، الدراسة التي أقرتها الأمم المتحدة ووثقت جرائم الحرب الإسرائيلية أثناء اجتياح غزة عام 2008-2009. وبخت إدارة أوباما الطرفين لفشل عملية السلام، بينما تبرهن البرقيات على أن الجزء الأكبر من اللوم يقع على الجانب الإسرائيلي. وأوردت برقية من نوفمبر 2009، إلى نائب وزير الخارجية الأميركية جيمس شتاينبرج، أن الدبلوماسيين الأميركيين يعتقدون أن نافذة حل الدولتين في طريقها إلى الانغلاق، مع تجنيد حكومة عباس لإطفاء جذوة الأراضي المحتلة. يتوجس الإسرائيليون الذين يؤمنون بحل الدولتين من إخفاق المفاوضات الإسرائيلية-الفلسطينية والأزمة السياسية في سلطة عباس. ويخشى المرتابون بحكومة إسرائيل من اضمحلال الحوار السياسي والحديث عن انهيار حكومة عباس الذي قد يقوض منهجهم التصاعدي الذي يدعون إليه كبديل لاتفاق الوضع النهائي. ألقم نتنياهو ونوابه الدبلوماسيين الأميركيين وكبار الشخصيات الزائرة، شكاواهم عن المفاوضات مع الفلسطينيين. وتستند مزاعم إسرائيل إلى مخطط نتنياهو في يونيو 2009 لـ”دولة فلسطينية منزوعة السلاح” وهل يوجد في الدنيا دولة منزوعة السلاح؟!!! ومؤلفة من كانتونات (أقاليم) غير متجاورة على غرار غيتوهات اليهود في أوروبا، تتنازل عن سيادتها لإسرائيل عبر الحدود والمجال الجوي وموجات الأثير وقوات الأمن. رسم نتنياهو في تصريحاته لوفد زائر من الكونجرس الأميركي القيود باعتبارها تنازل لا مثيل له من الجانب الفلسطيني، وتبجح بأنه متأهب لـ”ترتيبات” مع الفلسطينيين تنطوي على انتهاك سيادتهم وفرض قيود على نمط عدم تأسيس جيش فلسطيني، السيطرة الإسرائيلية على الحدود والمجال الجوي والطيف الكهرومغناطيسي. ثم زعم نتنياهو أن 70 إلى 80% من الإسرائيليين مستعدون لتقديم تنازلات من أجل السلام لكنهم لا يعتقدون أن لديهم شريك فلسطيني!!! بالطبع، ليس شريك، إنما تابع ومنفذ للأوامر.

أضاف نتنياهو إلى شكواه في العام التالي للنائب الأميركي “الديموقراطي” آيك سكيلتون: أن حكومته ألغت مئات العقبات والحواجز في الضفة الغربية، ودعمت اقتصاد الضفة لتحقيق نمو بنسبة 7%، “ويمكننا زيادته إلى 10%”. وسم نتنياهو خطابه في جامعة بار إيلان الإسرائيلية في يونيو عن شروط تأسيس دولة فلسطينية، بـ”الشاق” على روحه!!! لكنه وحد الإسرائيليين لقبول دولة فلسطينية منزوعة السلاح!!! وقارن “جهوده” بالسلطة الفلسطينية وتذمر من “المقاطعة السياسية والاقتصادية” لإسرائيل، وضع شروط مسبقة للتفاوض، رفض تقرير جولدستون في الأمم المتحدة، وتحدث عن إعلان الاستقلال أحادي الجانب. أخبر نتنياهو المسؤولين الأميركيين عام 2007، عندما كان زعيمًا للمعارضة، بأنه سيحكم على النوايا الفلسطينية بالتنازل عن حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وشدد على أنه لن يسمح أبدًا لأي لاجئ فلسطيني بالعودة إلى إسرائيل أو بالأحرى فلسطين المحتلة. أوردت الوثائق الفلسطينية المسربة أن الجانب الفلسطيني ألغى عمليًا حق العودة الشامل، لكن نتنياهو لم يعترف بذلك، ويفرق بين بناء المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في الضفة الغربية والقدس الشرقية وحق العودة. ضغطت عليه إدارة أوباما لتجميد بناء المستوطنات وإفساح المجال لمحادثات السلام، وجادل نتنياهو بأنه قد يؤجل بناء مستوطنات جديدة غير أنه لا يجابه مشكلة في تشييد المستوطنات القديمة. يتطلع مشروع الاستيطان الإسرائيلي إلى اختراع “حقائق على الأرض” لإجبار الفلسطينيين على التنازل عن المزيد من الأراضي في اتفاق تأسيس دولة مستقبلية، وتحريض الشباب على مغادرة الأراضي المحتلة، وحرمان الأسر الفلسطينية المتنامية من بناء مساكن إضافية أو توسيع منازلها، وهدم المنازل المخالفة لقانون الاحتلال الجائر بالجرافات. وتضمنت برقية مسربة من باريس: “أبلغ مسؤول الشرق الأوسط في وزارة الخارجية، باتريس باولي في 18 يونيو بأن وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك أخبر مسؤولين فرنسيين في باريس يوم 15 يونيو بأن الإسرائيليين لديهم اتفاق سري مع الحكومة الأميركية لإدامة نمو المستوطنات في الضفة الغربية”. يعد توسيع المستوطنات غير قانوني بموجب اتفاق جنيف الرابع الذي يحظر على أي دولة نقل سكانها المدنيين إلى الأراضي التي استولت عليها بالقوة العسكرية. وأكدت محكمة “العدل” الدولية في عام 2004، التزام أطراف الاتفاق – ومنهم الولايات المتحدة – بالقانون الدولي، ويبرهن إقرار المحكمة على انتهاك إدارة أوباما للمبدأ القانوني، وانتهاك النشاط الاستيطاني الإسرائيلي لقرارات مجلس الأمن رقم 446 و452 و465 و471، التي شددت على لا شرعية الاستعمار الإسرائيلي للأراضي المحتلة. ينتهك أيضًا “الاتفاق السري” بين واشنطن وتل أبيب المادة 7 من قرار مجلس الأمن الدولي رقم 465، الذي يحث الدول الأعضاء على إقصاء التعاون مع جهود إسرائيل الاستيطانية. ولجأت واشنطن بعد كتابة البرقية إلى حق النقض ضد قرار مجلس الأمن الدولي الذي يؤكد على لا شرعية المستوطنات الإسرائيلية في فلسطين المحتلة ويدعو إلى تجميد البناء. احتوت برقيات على تهكم من “دولة” نتنياهو المقترحة التي نعتها رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض بـ”دولة ميكي ماوس”، للقيود المفروضة على السيادة الفلسطينية.

لا يحتاج المرء إلى تأمل أبعد من غزة لمعرفة ما قد يحدث في الضفة الغربية بعد انهيار السلطة الفلسطينية. سحب إسرائيل جنوده المتبقين في عام 2005، من غزة، وأزاح مستوطناته غير القانونية، مع السيطرة على حدود غزة ومياهها ومجالها الجوي، وبالتالي، بقيت القوة المحتلة من الناحية القانونية والعملية. وكان فك الارتباط جزءًا من محاولة تسليم الأراضي إلى عباس العميل. حرضت إدارة بوش عناصر في أجهزة فتح الأمنية لتنظيم بانقلاب وطرد حماس من الإدارة بعد فوز حماس في الانتخابات التشريعية وجهود فتح وحماس لتشكيل حكومة ائتلافية. وعلمت حماس بالانقلاب الوشيك في يونيو 2007، فهاجمت أولاً. جردت فتح مؤسسات الدولة من المنتمين إلى حماس بعد بضعة أيام من الاقتتال. ووطدت حماس هيمنتها في غزة، حيث عملت في حكومة الأمر الواقع. برهن الانقلاب على عمق الاعتماد الإسرائيلي والأميركي على السلطة التي تهيمن عليها فتح بقيادة عباس لإبقاء حركات المقاومة الفلسطينية تحت السيطرة، واعتماد فتح اليائس على إسرائيل لدعم هيمنتها ضد خصومها. وأفصح رئيس جهاز الأمن ديسكين في محادثة يونيو 2007، قبيل هزيمة حماس لمقاتلي فتح في غزة، عن رثائه لضعف فتح، وأوضح للسفير الأميركي ريتشارد جونز أن فتح طلبت مساندة إسرائيلية عاجلة في معركتها ضد حماس، مع تركيز عباس على تقاعده، وخلفائه المحتملين العاجزين عن قيادة الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة…قال ديسكين إن الوضع ينذر بسوء لإسرائيل: “تلقينا طلبات من عباس لتدريب قواته في مصر واليمن…يقترب من وضع محصلته صفر، ويريد منا رغم ذلك مهاجمة حماس…إنهم قانطون”. كما ألمح إلى خطة المنسق الأمني الأميركي لإسرائيل، اللواء كيث دايتون، “لتجهيز قوات الأمن الموالية لعباس وفتح”، رغم خشيته من وصول الأسلحة إلى حماس. يزعم الأميركيون وحلفاؤهم الخليجيون محاربة الانقلاب في اليمن الذي لم يأت على هواهم في حين يدعمون انقلاب مصر وفلسطين والسودان، وطردت حماس أنصار فتح من غزة بالتفاعل مع انقلاب عباس. تكهن عاموس يادلين، مدير استخبارات الدفاع الإسرائيلي، في لقاء مع السفير جونز في خضم انهيار قوات فتح بالأحداث التالية، وأفصح عن بهجته فيما إذا سيطرت حماس على غزة طالما لم يكن لديهم منفذ جوي أو بحري، لأن “الجيش الإسرائيلي يستطيع التعامل مع غزة كدولة عدائية بعد حصارها”. فرضت تل أبيب عقوبات اقتصادية متطرفة على غزة فيما يرقى إلى العقاب الجماعي بسبب فوز حماس في الانتخابات!!! وتصاعد الحصار الإسرائيلي في أعقاب معركة غزة، برًا وجوًا وبحرًا، وأغلقت الحدود ضد حركة البشر وانتقال البضائع الاستهلاكية المدنية والعسكرية بالتعاون مع حكومة القاهرة لإغلاق معبر رفح. أفاد دوف وايسجلاس، مستشار رئيس الوزراء آنذاك إيهود أولمرت، عن الاستراتيجية: “ترتكز على فرض نظام غذائي على الفلسطينيين بدون قتلهم من الجوع”. وارتأى رئيس مكافحة الإرهاب أو بالأحرى حركات مقاومة الاحتلال في مجلس الأمن الإسرائيلي، داني أرديتي، المتعامي عن الإرهاب الإسرائيلي بعد شهر من طرد عباس من غزة أن الحصار يساهم في إعادة تجميع صفوف فتح. وزعم أن الإسرائيليين يطمحون إلى الإضرار بحكومة حماس ماليًا بدون تهيئة الظروف لأزمة إنسانية!!! لم يُلغ الحصار بعد 15 عامًا، ولم يتحد الفلسطينيون أو يتكون جيش عباس للنضال ضد حماس!!! وأسفر إغلاق منفذ رفح عن انتظار آلاف الفلسطينيين على الحدود لأيام إن لم يكن لأشهر من أجل دخول غزة.

قرر الإسرائيليون استدامة الحصار عام 2008 إلى أجل غير مسمى. وأكدوا للاقتصاديين الأميركيين إبقاء اقتصاد غزة على شفير الانهيار بدون دسره إلى حافة الهاوية كجزء من خطة الحظر الشاملة. دافعت الولايات المتحدة بشدة عن حصار غزة في الهيئات الدولية مثلما تبرر لحلفائها الخليجيين حصار اليمن برًا وبحرًا وجوًا بشتى السبل. لكنهم حثوا إسرائيل (من كرم أخلاقهم!!!) على عدم نهب الأموال المخصصة لدفع رواتب المدنيين في غزة. رشقت قوات الجيش الإسرائيلي النشطاء الفلسطينيين المتظاهرين على حدود غزة بالرصاص. وتعثرت المناوشات لفترة وجيزة بعد عقد هدنة لمدة ستة أشهر بوساطة مصرية في يونيو 2008. تتقوض هيمنة عباس منذ ذلك الحين. وتتجذر سلطة حماس سياسيًا وعسكريًا حيث لم يزدهم الحصار إلا عناد وقوة!! ناقش الإسرائيليون شن هجوم عسكري على نطاق شاسع ضد حماس، لكنهم مقيدون بإمكانية وقوع خسائر جمة، وإدانة دولية، بدون استراتيجية للخروج إذا قرروا اجتياح غزة. وبلغ تبادل العنف الأوج في عملية الرصاص المصبوب التي اشتملت على هجوم جوي وقصف بحري وغزو بري. انسحبت القوات الإسرائيلية في يناير 2009، وقدرت الأمم المتحدة مقتل 1400 فلسطيني، أغلبيتهم من المدنيين وضباط الشرطة غير العسكريين. عرقل الإسرائيليون وصول مواد البناء. وقلصت الحكومة الأميركية من أهمية الأزمة الإنسانية في غزة، إلا أن السيناتور جون كيري اعترف في برقية مسربة من الدوحة بتدهور الوضع الإنساني. أذاعت منظمة الأمم المتحدة تقرير جولدستون عن الرصاص المصبوب في سبتمبر 2009، الذي وثق جرائم حرب إسرائيلية استهدفت المدنيين والمباني المدنية، وقصفت بقذائف مشبعة بالفوسفور الأبيض في مناطق مأهولة بالسكان (تشمل المستشفيات)، وتعذيب المعتقلين من بين تهم متعددة. أوصى التقرير بإحالة التهم الموجهة ضد المسؤولين الإسرائيليين وحركة حماس إلى المحكمة الجنائية الدولية إذا لم يحقق الطرفان في سلوكهما أثناء الحرب (ومن عاشر المستحيلات أن يحرص متهم على التحقيق مع ذاته لمحاكمتها!!!). أصدر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة الذي حظر التحقيق في جرائم الحرب وانتهاكات التحالف السعودي في اليمن لأن العاملين فيه يستلمون رواتبهم من الرياض وأبوظبي قرارًا لتأييد نتائج التقرير، وصوتت الجمعية العامة مرتين لحث الطرفين على تحقيقات مستقلة. غضبت الحكومة الإسرائيلية من التقرير والاتهامات. ودافع نتنياهو الذي تولى منصبه بعد نحو ثلاثة أشهر من اجتياح غزة، عن سلوك إسرائيل في محادثة مع النائب الأميركي آيك سكيلتون. قارن نتنياهو تقرير جولدستون كتهديد لإسرائيل مع برنامج الأسلحة النووي الإيراني (مع غض الطرف عن البرنامج النووي الإسرائيلي الذي لا تنبس أوروبا وأميركا عنه ببنت شفة). وزعم أن جولدستون منح “الإرهابيين” ويقصد حركات التحرر الفلسطينية حصانة لمهاجمة إسرائيل في مناطق مأهولة!!! رغم أن التقرير شدد على هجمات حماس الصاروخية، لكن الإسرائيليون رفضوا محتواه لأنه تحدث عن العمليات العسكرية الإسرائيلية غير المتكافئة التي طالت المدنيين، ورغم أن رئيس اللجنة، ريتشارد جولدستون قاضي يهودي من جنوب أفريقيا وابنته مواطنة إسرائيلية، وقاد محاكمات جرائم الحرب في يوغوسلافيا ورواندا، كما وافق على تعيين مجلس حقوق الإنسان UNHRC، بعدما امتد تفويض اللجنة لمقاضاة طرفي النزاع بدلاً من إسرائيل فقط. لم يحاكم أولمرت على جرائمه، إنما تتسابق إليه وسائل الإعلام لإجراء لقاءات صحافية والتباهي بعلاقاته الوثيقة مع ملوك الخليج وزيارتهم في قصورهم والثناء عليهم!!! ناهيك عن ليفني وباراك. وصرح نتنياهو بأنه لن يقبل اتهام جنود الدفاع الإسرائيلي بارتكاب جرائم حرب “لحماية بلادهم” أو بالأحرى الأراضي المستعمرة من هجوم يستهدف “المدنيين”، ثم هاجم تقرير لجنة جولدستون ومنظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، وانتقد حماس لنشرها أسلحة ومقاتلين على مقربة من المناطق المدنية في الجيب المزدحم!!! لم يعثر الراصدون على دليل لتأكيد التهمة الإسرائيلية المتواترة بأن حماس اتخذت من السكان “دروع بشرية”، أو اختبأ جنودها بين المدنيين. وكالمعتاد، انحازت الإدارة الأميركية إلى الحكومة الإسرائيلية ضد اتفاق الآراء لمجتمع حقوق الإنسان الدولي. رددت حكومة أوباما صدى شكاوى إسرائيل من التقرير، وضغطت على حلفائها في الأمم المتحدة للتصويت ضده في الجمعية العامة، وعندما فشلت، منعت مجلس الأمن من مراجعته وتداوله!!! هل يمكن الثقة بمنظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن بعد ذلك؟!!! بالطبع، لا.

أعرب مسؤولون إسرائيليون عن تقديرهم لدعم واشنطن للقضايا الدبلوماسية والعسكرية التي تتضمن تقرير جولدستون. وأشاروا إلى دعم إدارة أوباما للحكومة الإسرائيلية الذي لم ينل الاهتمام في “إسرائيل”، ولم ينسب الفضل إلى أوباما لتأثيره على القضايا التي تمس أمنهم، مثل تقرير جولدستون، وتوترات العلاقات التركية-الإسرائيلية، وبيان مجلس الاتحاد الأوروبي عن القدس الشرقية الذي وصفها بالأرض المحتلة. دافع المدير العام لوزارة الدفاع الإسرائيلية، ألكسندر فيرشبو، عن جرائم الحرب ضد الفلسطينيين، وقارن العمليات الإسرائيلية في غزة بالعمليات الأميركية في العراق وأفغانستان!!! يعترف الإسرائيليون في الوثائق بأن حربهم عام 2006 على لبنان وحربهم عام 2008-2009 على غزة، المدعومة من إدارة بوش وأغلبية الحزبين في الكونجرس، فشلت في تحقيق غاياتها، وأن حماس وحزب الله جدد إمداد جنوده بالأسلحة الفعالة. يتطلع الإسرائيليون إلى حربهم القادمة على غزة بدلاً من تقييم استراتيجياتهم الفاشلة. وأورد تلغراف من اللواء جابي أشكنازي الذي هاجرت عائلته من بلغاريا إلى فلسطين، أنه في “الحرب القادمة سيتجاوز إسرائيل مختلف القيود على الاقتتال في المناطق المدنية”. من المفارقات، ارتأت الولايات المتحدة وإسرائيل في البرقيات التي توضح تفاصيل المحادثات السرية المنتظمة بين المسؤولين الأميركيين ورئيس الشاباك يوفال ديسكين ومسؤولين عسكريين إسرائيليين آخرين، أنه من التهور إضعاف حماس لاستدامة الانقسام والتشرذم بين الفلسطينيين والحصار. وأقر الطرفان بأن ثمة مليشيات أكثر “تطرفًا” من حماس التي تستطيع السيطرة عليها. اشتكى الإسرائيليون أيضًا في تلغراف عام 2009، من مبيعات الأسلحة الضخمة لواشنطن إلى دول الخليج، وتخوفوا من تقويضها للتفوق العسكري النوعي، أو QME، الميزة العسكرية الإسرائيلية على الدول المجاورة التي تعهدت واشنطن بدعمها طالما بقيت إمبراطورية!!!

عن Rokayah

شاهد أيضاً

تفاعلات الأمن السوري وأزمة المهاجرين…5

بدأت أزمة المهاجرين السوريين إلى تركيا في أبريل 2011، عندما وصلت المجموعة الأولى المؤلفة من …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *