الأربعاء , مايو 18 2022
الرئيسية / صحافة / العالم من أفق الإمبراطورية الأميركية…12

العالم من أفق الإمبراطورية الأميركية…12

لم تستطع أساليب القوة الناعمة والترهيب الأميركي تحقيق النتائج المرجوة، وارتأى الدبلوماسيون تطبيق أدوات قسرية لإدارة الدولة. حظرت فرنسا الذرة المنقحة وراثيًا MON810 في عام 2007، بعد دراسات استنتجت أن المحاصيل تهدد البيئة، وحرض كريج ستابلتون، السفير الأميركي السابق في فرنسا، على شن حرب تجارية في أنحاء أوروبا. كتب ستابلتون: “إنه ليس توجس ثنائي…تترأس فرنسا تجديد الرؤية الأوروبية لقبول التقنية-الحيوية الزراعية ومنهجها إزاء التنظيم البيئي…تسعى إلى امتداد السياسة الفرنسية المحلية إلى دول الاتحاد الأوروبي وتعتقد أنها في طليعة الرأي العام الأوروبي وقادرة على التصدي للمنتجات المنقحة وراثيًا GMO…يوصي الطاقم الأميركي في باريس بإعداد قائمة للانتقام المستهدف التي تفضي إلى ألم جزئي في أنحاء الاتحاد الأوروبي لأنها مسؤولية مشتركة، مع التركيز على أسوأ الجناة. وينبغي أن تكون القائمة قياسية ومستدامة على المدى البعيد، لأننا لا نتوقع نتائج على المدى القريب. تبعث سياسة الانتقام رسالة إلى الأوروبيين بأن مسارهم الراهن ذو تكاليف باهظة على الاتحاد الأوروبي وقد تساهم في تدعيم الأصوات المؤيدة للتقنية-الحيوية”. لم تضمن الحرب التجارية الشاملة المصالح الأميركية. وألغت المحكمة الفرنسية العليا الحظر المفروض على ذرة MON810 عام 2013، بعد النتائج التي توصلت إليها هيئة الأمن الغذائي الأوروبية بأن فرنسا حظرت المنتج في انعدام الأدلة الدامغة لتأثيراته السلبية على البيئة. كما ارتأت محكمة بولندا أن فرنسا تنتهك قانون الاتحاد الأوروبي فيما يختص بإدارة GMO. تسطع حرب واشنطن على ما تسميه بـ”الإرهاب” إلى جانب الدعاية لصناعة التقنية الحيوية في وثائق Cablegate باعتبارها بؤرة توتر منتظمة بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين. وعكس رفض الدول الأوروبية لمواكبة البرنامج مقت الجماهير الأوروبية لمقاصد الغزو الأميركي في العراق، وارتياب الحكومات الأوروبية بالسياسة الأميركية اللاشرعية في أفغانستان والشرق الأوسط. ساندت أوروبا السياسة الأميركية بُعيد هجمات 11 سبتمبر، إلا أنها نفرت من عمليات “التسليم” الاستثنائي والتعذيب وخليج جوانتانامو كأدوات لمحاربة التطرف. وتهيأت لأزمة دبلوماسية إقليمية عندما أعلنت واشنطن عن خطتها لشن حرب على صدام حسين. فاقمت الغطرسة الأميركية المعارضة الأوروبية لمقاصدها في العراق. وصرح المسؤولون الفرنسيون والألمان في الأشهر التي سبقت الاجتياح عام 2003، بضرورة تجنب الحرب مهما كان الثمن. أجاب وزير الخارجية دونالد رامسفيلد ردًا على استفسار الصحافيين عن اعتراض المخططات الأميركية في بغداد: “لدى ألمانيا وفرنسا مشكلة. لكن طيف متنوع من بلدان أوروبا لا تتفق مع باريس وبرلين، لأنها مع الولايات المتحدة”. وأسفر خطاب رامسفيلد المؤجج للانقسام عن تلويث العلاقات الأميركية مع أوروبا الغربية، وأحرج دول أوروبا الشرقية المساندة لواشنطن. تتضح الخلافات في تقارير الدبلوماسيين الأميركيين في أوروبا التي تعقد جهود واشنطن لتأمين مصالحها في أوروبا وخارجها. ورفع الفرنسيون شعار “نحن جميعًا أميركيون”…”Nous sommes tous Américains”، في أعقاب هجمات 11 سبتمبر. جابه الأميركيون أزمات في أوروبا بعد تدشين حروبهم الخارجية. وسخط مسؤولون ألمان من الأميركيين لانتهاكاتهم المالية. اشتكت برلين إلى سفير الناتو إيفو دالدير في فبراير 2010، من سوء تعامل الولايات المتحدة مع المساهمات الألمانية في صندوق ائتمان الجيش الأفغاني ANA، ونهب جزء من التبرعات. أوردت برقية البعثة الأميركية إلى الناتو، أن السفير الألماني أولريتش براندنبورج اتصل بدالدير للتبرع لصندوق ANA، بـ50 مليون يورو في أكتوبر 2009: “لتشييد مشاريع محددة: معهد ANS اللوجستي في كابل، كلية الهندسة في مزار شريف، وثكنات للجيش الأفغاني في مدينة فايز أباد، ولم يتم صرف الأموال لهذه المشاريع، وتعطل بناء المعهد”.

لم يقتصر غضب الألمان على تقاعس الأميركيين عن إنفاق الأموال فحسب، إنما امتد إلى الضرائب التي فرضتها واشنطن على المساهمات. وتتحدث البرقيات عن المخاوف الألمانية من “رسوم إدارية بنسبة 15% يتقاضاها فيلق المهندسين في الجيش الأميركي” على تبرعات الصندوق التي تفوق الميزانية التقنية وإدارة المشروع. اعتقد أولريتش أن استفسارات النواب عن المساهمة الأولية بقيمة 50 مليون يورو تعسر على مجلس الشعب الألماني تخصيص مبالغ مستقبلية للصندوق. وكتب سفير الناتو دالدير إلى واشنطن: “ثمة أسباب رصينة لفرض ضريبة بنسبة 15%، في حالة الطوارئ وليس من أجل رسوم إدارية…تكلف الولايات المتحدة حلفائها بضرائب مفرطة مقابل الأموال التي تبرعوا بها لصندوق الجيش الأفغاني، التي لا يمكن تبريرها في مناقشة برلمانية…ونحث واشنطن على إعادة التفكير بالقضية من الناحية السياسية والتقنية والمالية بشفافية قدر المستطاع”. لم يتم حل أزمة برلين على الرغم من مناشدة دالدير. وذكرت صحيفة دير شبيجل أن أيادي المسؤولين الأميركيين مقيدة بإدارة الأموال وتمويل صندوق الجيش الأفغاني. وبرهنت بادرة على نبل نواياهم عندما أعادوا 3 مليون يورو إلى الجيش الألماني. خشي الأميركيون من تقليص المخاوف الأوروبية بشأن القسط والمحاسبة على انتهاكات “الحرب على الإرهاب”، مع إبقاء الجمهور في الظلام والتعتيم الإعلامي، مثل برنامج واشنطن الدولي للتسليم الاستثنائي الذي يتضمن اختطاف المشتبه بهم برعاية حكومية. ولا يختلف عن عمليات اختطاف المليشيات إلا بطابعه الرسمي فقط. أذاعت قناة BBC في عام 2005، أن مطار شانون الأيرلندي محطة لعبور طائرات المخابرات الأميركية المستأجرة التي تنقل المشتبه بهم المختطفين إلى السجون القاتمة black sites للاستجواب والتعذيب، مما أدى إلى انفجار السخط العام في أرجاء أيرلندا، وتحديدًا في شانون. واستمر المطار بمثابة نقطة تجمع المتظاهرين بعد الغزو الأميركي لأفغانستان والعراق، بعدما تبين أن الجيش الأميركي استغل شانون في مرور الطائرات العسكرية من وإلى ميادين القتال. اعتبر النشطاء والسياسيون الأيرلنديون أن الرحلات الأميركية من مطار بلادهم انتهاك للحياد الأيرلندي في العراق. وتشير برقية من عام 2004 إلى أنه في مواجهة معارضة الرأي العام “تظل العلاقات الأميركية-الأيرلندية صلبة مثلما كانت. وتجيز أيرلندا للجيش الأميركي التزود بالوقود في مطار شانون”. في حين تضمنت برقية من عام 2010، أن “النقاش على مستوى الاتحاد الأوروبي عام 2005-2006، عن التسليم الاستثنائي (الاختطاف) حفز الجمهور المعارض للحرب للاستفسار عن وصول الجيش الأميركي إلى المطار”. حفزت المعارضة العامة الحكومة الأيرلندية على “تقييد بعض الرحلات الأميركية من شانون، بما في ذلك شحنات الجيش للذخيرة العسكرية غير القاتلة…وأنكرت وزارة الخارجية عام 2005، مغادرة متهم من شانون إلى أميركا قد يعتقد الجمهور أنه مختطف”. ناشدت لجنة حقوق الإنسان الأيرلندية (IHRC) الحكومة لتفتيش الطائرات المشاركة في رحلات الاختطاف. واشتملت قائمة المختطفين التي وثقتها منظمة العفو الدولية، على الإثيوبي المقيم في بريطانيا بنيام محمد الذي اعتقل في باكستان لتسليمه إلى المغرب عام 2002، ثم إلى خليج الخنازير (جوانتانامو) عام 2004، حيث تعرض للتعذيب. عادت طائرة تسليمه من المغرب إلى الولايات المتحدة والطائرة التي نقلته من المغرب إلى أفغانستان عام 2004، عبر مطار شانون. ولم تحدث اضطرابات وزارة الخارجية الأميركية مع أوروبا على الأراضي الأوروبية فقط، حيث قُتل ضابط مخابرات إيطالي بالرصاص في بغداد عند نقطة تفتيش أميركية في مارس 2005. لم يتضح سبب مقتل نكولا كاليباري، وتناقضت سرديات واشنطن وروما عما حدث. امتعض الأميركيون من نتائج التحقيق الإيطالي في جريمة القتل، رغم طمأنتهم من السياسيين في روما بأن الحكومة لن تنفذ استنتاجاتها: “وأكد الإيطاليون أن حكومتهم أرادت نسيان الحادث الذي لن يفسد صداقتنا وتحالفنا، ولن يؤثر على الالتزام الإيطالي في العراق”. لم تتوارى القضية من شاشة الرادار السياسي. وأمر قاضي إيطالي في عام 2007، بمحاكمة الجندي الأميركي بتهمة القتل في إيطاليا. ألغت محكمة إيطالية القضية في ذلك العام، بذريعة أنه ليس لديها سلطة قضائية. وأفادت المرأة التي رافقت كاليباري في السيارة عندما رشق بالرصاص: “تخلينا عن معرفة الحقيقة…لقد انتصرت عنجهية أميركا التي رفضت المحاكمة”.

يتجلى الذعر الدبلوماسي الأميركي في قضية خالد المصري، المواطن الألماني المختطف أثناء إجازته من قوات الأمن في مقدونيا ليلة رأس السنة عام 2003، التي اعتقدت أنه عنصر في تنظيم القاعدة لتشابه اسمه مع متطرف آخر، وسلمته إلى المخابرات الأميركية التي نقلته جوًا إلى أفغانستان لسجنه وتعذيبه. كتب خالد بعد خروجه من المعتقل مقال في صحيفة لوس أنجلوس تايمز بعنوان “لست من أسرار الدولة”، وورد فيه الآتي: “اعتقلتني الشرطة المقدونية في ليلة رأس السنة عام 2003، عند الحدود الصربية-المقدونية، واعتقدت خطأً أنني مسافر بجواز سفر ألماني مزور. سُجنت في زنزانة انفرادية لثلاثة أسابيع. وسُلمت إلى المخابرات الأميركية التي انتزعت ملابسي، ضربتي بشدة، قيدتني بالأصفاد، أجبرتني على ارتداء حفاظة أطفال، حقنتي بمادة مخدرة، وكبلتني بالسلاسل إلى أرضية الطائرة التي نقلتني إلى أفغانستان، حيث سُجنت في زنزانة ملوثة لمدة تتجاوز الأربعة أشهر. أعادني الأميركيون معصوب العينين بعدما أدركت الحكومة أنني بريء على متن طائرة للسفر إلى أوروبا. وتركوني على قمة تل في ألبانيا بدون تفسير أو اعتذار عن الكابوس الذي عانيت منه. يتابع النائب العام في بلدي ألمانيا اتهام 13 من عملاء ومقاولي وكالة المخابرات الأميركية لاختطافي وإساءة معاملتي واعتقالي. لم أتخيل أن أغدو الشخصية العامة لبرنامج “التسليم الاستثنائي”، وبالتأكيد لم أرغب فيه أبدًا. لماذا تشدد الحكومة الأميركية على أن تجربتي القاسية من أسرار الدولة؟ إنه سلوك يفوق استيعابي. قدمت دعوى قضائية ضد مدير CIA السابق جورج تينيت مع عملاء ومقاولين آخرين لوكالة المخابرات في ديسمبر 2005، بالتعاون مع اتحاد الحريات المدنية الأميركي، لاختطافي وسجني التعسفي. وأرنو من المحاكمة إلى الإقرار جهرًا من حكومة الولايات المتحدة بأنني بريء، وضحية لبرنامج الترحيل السري، واعتذار عن المعاناة التي تجشمتها. سافرت إلى أميركا للمرة الأولى للإصغاء إلى المحامين المدافعين عني في محكمة الاستئناف في ريتشموند بولاية فيرجينيا ولقاء أعضاء الكونجرس وطاقم مبنى الكابيتول هيل. ربما لم نصل إلى النقطة التي يطرح فيها القضاة الألمان اتهامات جنائية ضد أميركيين فيما إذا عاملني النظام القانوني الأميركي بقسط…اعتذر لي الكثير من الأميركيين عن الهمجية المقترفة ضدي باسمهم. رأيت في وجوههم أميركا “الحقيقية”، أميركا التي لا تقع أسيرة الخوف من أعداء مجهولين وتدرك هيمنة العدل وقوته…أميركا التي أتمنى أن تراني ذات يوم كإنسان، وليس جزءًا من أسرار الدولة”. اجتهد المسؤولون الأميركيون وراء الكواليس لحماية ضباط المخابرات المتورطين في اختطاف خالد من المقاضاة الأوروبية. ورصدوا القضاء الألماني الذي قد يسعى إلى اعتقال ومحاكمة ثلاثة عشر من عملاء المخابرات الجناة. أفادت قنصلية ميونيخ إلى واشنطن في برقية 2 فبراير 2007: “أعلن مكتب النائب العام في ميونيخ يوم 31 يناير عن إصدار 13 تفويض اعتقال ضد خاطفي خالد المصري…وتكثف الضغط الإعلامي للحصول على تفويض اعتقال دولي”. قضت محكمة العدل الأوروبية في عام 2012 بأن خالد أذعن لتعذيب المخابرات أثناء احتجازه، وأنبت مقدونيا التي انتهكت المعاهدة الأوروبية لحقوق الإنسان وأمرتها بدفع تعويضات لخالد بقيمة 78000 دولار.

لم تكن قضية خالد استثنائية، حيث اختطفت المخابرات الأميركية إمام مسجد ميلانو أبو عمر (حسن مصطفى أسامة) في عام 2003، بالتواطؤ مع الاستخبارات الإيطالية التي نقلته جوًا من إيطاليا إلى مصر عبر ألمانيا. وخضع حسن بعد اختطافه وترحيله إلى القاهرة لضباط المخابرات المصريين المعروفين بوحشيتهم إلى درجة أن واشنطن استعانت بهم لتعذيب مختطفين في برنامج “التسليم الاستثنائي”. اتهمت محكمة إيطالية عليا بعد بضع سنوات، 23 من ضباط المخابرات الأميركية لاختطاف أبو عمر وتعذيبه. وباتت القضية ذات أولوية للمسؤولين الأميركيين الذين أفصحوا عن امتعاضهم للحكومة الإيطالية. أوضح رونالد سبوجلي، سفير واشنطن في إيطاليا، لنائب سكرتير رئيس الوزراء، جياني ليتا، عام 2006، أن مصير الجواسيس الأميركيين سيؤثر سلبيًا على العلاقات الأميركية-الإيطالية. واستمرت محاكمة الأشباح الثلاثة وعشرين على الرغم من الاعتراضات الأميركية، وأصبحت محور المناقشات الثنائية بين واشنطن وروما. التقى وزير الدفاع آنذاك روبرت جيتس برئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلسكوني في عام 2010، لبحث أهم القضايا الأمنية في البلدين. وطرح جيتس قضية أبو عمر مع برلسكوني، وضغط عليه لحماية الأميركيين من المقاضاة الإيطالية. أوردت التسريبات أن جيتس “أراد تأكيد السلطة القضائية الأميركية على العقيد رومانو، من المتهمين في قضية أبو عمر، بموجب اتفاق حلف شمال الأطلسي (SOFA). وأسهب برلسكوني في حديثه عن النظام القضائي الإيطالي الذي “يسيطر عليه اليساريون” على مستوى النائب العام. توقع أن تنحاز المحاكم لمصلحة واشنطن عند الاستئناف، مشيرًا إلى أن محاكم الاستئناف العليا أقل تسييسًا من المحاكم المحلية”. مضت محكمة ميلانو في مقاضاة الأميركيين بغض الطرف عن ضمان برلسكوني وحكومته. وأدانت في عام 2009، عشرين من المتهمين بالتسليم اللاقانوني وحكمت عليهم غيابيًا. بينما منحت الثلاثة الباقين، بمن فيهم رئيس محطة المخابرات الأميركية في روما، حصانة دبلوماسية وحازوا على “البراءة”. ألغت محكمة الاستئناف تلك البراءة بعد أربع سنوات وحكمت على الأميركيين الثلاثة بالسجن. كما قضت بسجن رئيس المخابرات العسكرية الإيطالية لمدة عشر سنوات. ولا يزال المتهمون الثلاثة والعشرون أحرار لجهود إدارة بوش وأوباما التي رفضت طلبات المحاكم الإيطالية لتسليم المجرمين. واظبت الولايات المتحدة على التعامل مع المحاكم الأوروبية حتى بعد تنصلها من المسؤولية في قضية خالد وأبو عمر. وتعاون الدبلوماسيون في مدريد على مدى السنوات التالية مع القضاء والحكومة الإسبانية لمنع محاكمة المسؤولين والعسكريين الأميركيين. تمكنوا من طمس مقتل صحافي إسباني بجنود أميركيين في العراق، واتكأوا على مدريد لطمر تحقيق “بوش 6” الذي ينطوي على ألبرتو جونزاليس، جاي بايبي، دوجلاس فيث، وجون يو، مهندسي النظام القانوني الذي يبرر انتهاكات التعذيب الأميركية وجرائم “الحرب على الإرهاب”. هددت إدارة أوباما وداهنت الحكومة الإسبانية في عام 2009، لإلغاء التحقيق. وتجاوز البيت الأبيض إلى حد ابتعاث رئيس الحزب الجمهوري السابق ميل مارتينيز إلى مدريد، لتنبيه وزارة الخارجية بأن التحقيق سيؤثر سلبيًا على “العلاقات الثنائية”. لا تزال القضية تشق طريقها في إسبانيا منذ يناير 2015، بتؤدة وتمهل. وعقد قاضي التحقيق، بالتازار جارزون، العزم لمقاضاة الولايات المتحدة على جرائمها في “الحرب على الإرهاب”. نشر مقالات في الصحافة الإسبانية لانتقاد جوانتانامو والحرب الأميركية على “الإرهاب”، حتى أقصي من القضاء في عام 2010، وأدانته محكمة إسبانية في عام 2012، بسلوك غير لائق!!! وافق جارزون على الدفاع عن جوليان أسانج كمحامي أول في قضية لجوء مؤسس ويكيلكس في بريطانيا. وأقر أوباما في خطابه الذي حشد حلفائه الأوروبيين للتصدي لما وصمه بالهجوم الروسي في شبه جزيرة القرم (التي تعد جزء من أراضي الاتحاد الروسي التاريخية) أثناء زيارته لبروكسل عام 2014: “لا الولايات المتحدة ولا أوروبا مثالية في الالتزام بالمبادئ والقيم. ولا ندعي القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ…نحن بشر في نهاية المطاف، ونواجه قرارات معقدة لممارسة سلطتنا. لكن ما يجعلنا مختلفين عن الآخرين أننا نرحب بالانتقاد ومسؤوليات القيادة العالمية”. تثبت برقيات ويكيلكس نقيض ما ورد في خطاب أوباما. سعى الدبلوماسيون الأميركيون إلى قمع اعتراض الحكومات الأوروبية التي تنتقد السياسة الأميركية في “الحرب على الإرهاب”، وتملصوا من المساءلة عندما تنتهك واشنطن القانون الدولي. لجأ مسؤولو وزارة الخارجية خلف الأبواب المغلقة إلى سياسة العصا والجزرة لضمان رضوخ حلفاءهم الأوروبيين. ويمقت الدبلوماسيون الأميركيون احترام آراء الجماهير “الأجنبية” المخالفة لمصلحة الشركات الأميركية متعددة الجنسيات. يثبت التصميم الأميركي لمحو الاعتراض الأوروبي على المنتجات المنقحة وراثيًا، استدامة المشاريع الاستعمارية في عهد الإمبريالية الأميركية، حتى ضد القوى الاستعمارية السابقة في أوروبا. وينتهك الدبلوماسيون الأميركيون السيادة الأوروبية لضمان هيمنة شركاتهم، مثلما تحررت الحرب على “الإرهاب” من قيود القانون الدولي، وأفلت الجناة من العقاب.

عن Rokayah

شاهد أيضاً

العبودية الأميركية لكيان إسرائيل المؤقت…9

نشطت حملة صهيونية مماثلة لتلك الأميركية في سراديب أوروبا. وتوغلت الطواقم الصهيونية في مخيمات اللاجئين …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *