الثلاثاء , نوفمبر 30 2021
الرئيسية / صحافة / العالم من أفق الإمبراطورية الأميركية…11

العالم من أفق الإمبراطورية الأميركية…11

أصبحت برقيات ويكيلكس المسربة مصادر أساسية للصحافيين والأكاديميين والمتخصصين في مجال التاريخ والعلاقات الدولية. وباتت إفصاحات السياسة الخارجية الأميركية منذ ذلك الحين راسخة في الإدراك السائد للشؤون الدولية. انتقد الدبلوماسيون الأميركيون في تقييماتهم المسؤولين والشخصيات الأوروبية. وورد في الرسائل الأميركية أن الرئيس الفرنسي السابق نكولا ساركوزي، نافذ الصبر، مفرط النشاط، رقيق البشرة (حساس للغاية)، ومستبد. بينما توصف المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بأنها عازفة عن المخاطرة ونادرًا ما تكون مبدعة. وسرد تقييم رئيس الوزراء الإيطالي السابق سيلفيو برلسكوني وصم قاسي باعتباره واهن، عبثي، غير مؤثر كمسؤول أوروبي حديث، سقيم جسديًا وسياسيًا، والناطق عن فلاديمير بوتين في أوروبا بدون قيد أو شرط. لكن الوثائق التي نشرتها ويكيلكس عن أوروبا تحتوي أيضًا على معلومات مهمة، وتقدم آراء ثاقبة وذات قيمة نوعية عن طبيعة الهيمنة الأميركية. تقف أوروبا بمفردها باعتبارها المكان الذي يتبنى مصلحة واشنطن ويستوعبها بدون اعتراض في أغلب الأحيان. وصفدت تجربة الاستعمار الأوروبية بواشنطن مع التزامها المشترك بالدفاع عن النفوذ الرأسمالي وتوسيع نطاقه أثناء الحرب الباردة وما تلاها، لاسيما بعد الحرب العالمية الثانية. منعت القوة الأوروبية الولايات المتحدة حتى في أشد أزماتها من استغلال أوروبا بدرجة مماثلة لاستغلال بقية دول العالم. وتقلص تعاون الدول الأوروبية مع واشنطن، في التجارة و”الحرب على الإرهاب”، التي ارتأى الأميركيون أنهما من أركان استدامة الهيمنة الأميركية. تطغى المسألتان على برقيات ويكيلكس من أوروبا، وتطرحان خارطة طريق لنقاط التعاون والإذعان والاعتراض بين الولايات المتحدة وأوروبا. تعقد نسيج العلاقات الأميركية-الأوروبية، وقيود الإمبريالية الأميركية في القرن الحادي والعشرين. وتتمحور العلاقات الأميركية-الأوروبية حول بريطانيا التي استعمرت أميركا قبل الثورة حتى باتت قدوتها في أسلوب الإدارة والحكم. تبرهن البرقيات على العلاقات العميقة بين واشنطن ولندن. وتثبت الحكومات البريطانية من برقيات كيسنجر إلى تقارير السفارات، حرصها على تأمين المنافع الأميركية الخارجية. تعد لندن شريك أميركا الرئيسي في غزو أفغانستان والعراق وأثناء الحرب الباردة، ثم “الحرب على الإرهاب”، إلا أن البرقيات توضح أن الولايات المتحدة لا تتعامل مع لندن من منظور العلاقة بين الأنداد، بل من أفق التابع والمتبوع. وينظر الأميركيون بغطرسة واستعلاء إلى صنوهم البريطاني، لاسيما في ظل توق بريطانيا إلى إرضاء واشنطن بشتى الأنماط، وثبات البريطانيين على موالاتهم ودعمهم اللامحدود. أقنع وزير الخارجية البريطاني وليام هيج الذي كان آنذاك معارض، الدبلوماسيين في السفارة الأميركية بأن حكومة المحافظين المستقبلية ملتزمة بتوطيد الشراكة عبر الأطلسي بين لندن وواشنطن، وتقدير الهيمنة الأميركية، قائلاً: “إنني وديفيد كاميرون وجورج أوسبورن من أبناء مارجريت تاتشر وجنود الأطلسي الأوفياء… لدي أخت أميركية وأقضي إجازاتي على غرار الكثيرين في أميركا التي أعتبرها بلدي الآخر الذي ألجأ إليه…أميركا البلد الأساس، وأي بريطاني يدخل مبنى 10 داونينج ستريت كرئيس للوزراء يدرك العلاقة المحورية مع واشنطن…نريد نظام موالي لأميركا…نحتاجه ويحتاج العالم إليه”. لكن العالم، أو على الأقل بقية أوروبا، لا تؤمن بعقيدة وليام الخانع.

تشير عشرات الوثائق إلى أوقات التوتر والنزاع بين الولايات المتحدة والحكومات الأوروبية، وتحديدًا في مجال التجارة. وتعد الشركات موضع جدل وخلاف. يعتقد البعض أن الشركات متعددة الجنسيات امتداد لسلطة الدولة، وتخضع للرقابة والقيود المفروضة عليها بسياسات بلدها ومؤسساتها الاقتصادية. في حين ارتأى آخرون أنها تحررت من سيطرة الدولة، وتستطيع التأثير على صناعة القرار في الجهات الحكومية. وتؤكد الوثائق عمق العلاقات بين الشركات والدولة. تحدثت صحف في الأشهر التالية لتسريبات Cablegate الأولى، عن دبلوماسيين في وزارة الخارجية عملوا كمندوبي مبيعات لطائرات بوينج. وذكرت صحيفة نيويورك تايمز، على سبيل المثال، أن واشنطن تهيأت للتفاوض على الطائرة الخاصة لملك السعودية الراحل عبد الله الذي أراد شراء 43 طائرة بوينج 777، التي تقترب تقنيتها من طائرات القوات الجوية. طلبت أنقرة من الأميركيين نقل رائد فضاء تركي إلى الفلك لضمان شراء عشرين طائرة، حتى أبرمت الصفقة. وأفادت التايمز أن مسؤولي وزارة الخارجية، بمن فيهم السفير الأميركي، طوقوا شركة الطيران البحرينية، وضغطوا على العائلة الحاكمة لمنع شراء طائرات إرباص من فرنسا، منافس واشنطن في تصنيع الطائرات، لشراء بوينج من الولايات المتحدة. وافقت المنامة على شراء الطائرة الأميركية، رغم الـ400 مليون دولار الذي أضافته شركة بوينج. واحتدم التنافس بين بوينج وإرباص في أذهان الأميركيين في أوروبا. ابتهج المسؤولون في قنصلية ميونيخ بعد تغيير طاقم إرباص، بالإبلاغ عن مشكلات مصنع الطائرة الأوروبية والانشقاق بين قيادة الشركة الفرنسية والألمانية. وتشير برقية ميونيخ إلى إخبار المسؤولين الألمان في إرباص القنصلية “بمغادرة المدير التنفيذي الفرنسي نويل فورجيارد كضرورة لتجاوز الفوضى، وتعد قضية نويل نموذج على تحديات التعامل مع شركاء فرنسيين يبحثون عن الأضواء…وأن إرباص تواجه عامًا شاقًا في ظل تنافسها مع بوينج، ولم تتوقع إمكانيات بوينج 777 بمحرك مزدوج التي استقطبت عملاء طائرة إرباص بأربع محركات أقل تقانة”. أكد مسؤول الاتصال في الشركة الأوروبية متعددة الجنسيات في يوليو 2006، بالسفارة الألمانية على التنافس الشرس بين بوينج وإرباص، حيث أورد أن “تعطيل المحركين في طائرة بوينج 777، من شأنه إعادة العملاء إلى طائرة إرباص 340”. وأوردت وثيقة من بلغاريا أن الأميركيين مثلوا دور بائعي السيارات لضمان أن الدول المحيطة بأوروبا اختارت الطائرات العسكرية العتيقة المصنعة في الولايات المتحدة على الطراز الحديث المصنع في أوروبا. تحث البرقية التي يعود تأريخها إلى أكتوبر 2007، في أعقاب قرار مجلس الوزراء البلغاري على مراجعة خارطة طريق التحديث العسكري لعام 2015. وأفاد أميركيون بأن ذلك أتاح “فرصة للولايات المتحدة من أجل التأثير على تطوير القدرات العسكرية البلغارية على المدى المتوسط والبعيد”، وتراكم الأموال في الخزانة الأميركية. يكمن تحدي بلغاريا في القدرة على نشر قواتها العسكرية في الخارج، لتنفيذ مهام في الحروب الأميركية في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى. وانتقل معظم جنودها البالغ عددهم 727 من كتائب المناورات للقوات البرية البلغارية، لدعم الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان. ومن ثم، أوصت السفارة الأميركية في صوفيا باستثمار بلغاريا في وسائل النقل والأسلحة والأجهزة التي تمكنها من الانتشار والقتال المشترك مع الولايات المتحدة وقوات الناتو الخارجية. وحثت البلغاريين على شراء طائرات لوكهيد مارتين من نوع C-27J، بينما أشارت على واشنطن بإقصاء صوفيا “عن شراء مقاتلات روسية إضافية التي تشكل عقبة إزاء تحول بلغاريا إلى تنظيم مرن من الناحية العملية والتقنية على النحو الذي يرنو الناتو إليه”.

لم يكن الروس محور اهتمام الدبلوماسيين الأميركيين، إنما الشركات المصنعة للذخيرة العسكرية الأوروبية: “تعرضت بلغاريا لضغوط من فرنسا للإمضاء على صفقة شراء سفن بقيمة تفوق المليار دولار”، ناهيك عن صفقات من القوى الأوروبية التي تبيع طائرات عسكرية حديثة. وخططت السفارة “لمناهضة الأنظمة الأوروبية باهظة الثمن على نمط Eurofighter وSwedish Gripen وJoint Strike Fighters، لبيع المنتجات الأميركية القديمة على غرار F-16 وF-18 كجسر ومحفز للانتقال العملي والتقني”. أدى تدهور اقتصاد أوروبا إلى إعاقة بلغاريا عن شراء الطائرات العسكرية، وتأجيل المشتريات المستقبلية إلى عام 2015. وسردت مجلة فوربس، أزمة الإنفاق الدفاعي في شرق أوروبا الذي عانى من الانهيار منذ عام 2008، رغم إجراءات روسيا في أوكرانيا وشبه جزيرة القرم التي حرضت على تداول المنتجات العسكرية. حجب اهتمام وزارة الخارجية بالبضائع الصناعية مساهمتها في تأمين مجال للمنتجات الزراعية المتغيرة وراثيًا (GMO) في منطقة لا تريد شرائها. واتسمت الحملة الأميركية الدعائية لمنتجات التقنية الحيوية بجهود دولية. تتناول 1000 وثيقة من مستندات Cablegate الجهود، لاسيما في أوروبا. واهتم الأميركيون بالقارة الأوروبية لتأمين مبيعات GMO الأميركية، سواءً ببرامج “التعليم”، الضغط الحكومي، القسر الصريح، أو إلغاء قوانين الاتحاد الأوروبي التي تعترض سبيلهم. تضمنت البرقيات المتاحة استثمار واشنطن في الوقت والجهد والنفقات بالنيابة عن شركات التقنية الحيوية الأميركية. واعترضت دول أوروبية على الأغذية المتغيرة وراثيًا، حيث تتميز القارة بقوانين تقيد تبادل وزراعة منتجات GMO، والارتياب العام بتأثيرها على صحة الإنسان. حدد تقرير وزارة الخارجية عام 2007، “استراتيجية التوعية بالتقنية الحيوية” التي أقرت بـ”آراء الاتحاد الأوروبي السلبية فيما يختص بعلم الأحياء” والتزمت بتقليصها كأولوية وطنية. تحدثت التسريبات عن عقبات إقناع الجماهير الأوروبية بقيمة التقنيات الحيوية. وتيقن الأميركيون في النمسا من لامبالاة “المستهلكين والمنتجين الذين لا يسعون إلى شراء مواد GMO الغذائية، بينما أفاد دبلوماسيون في بودابست أن رأي الجمهور ثابت بشأن الحظر المفروض على ذرة GMO…واضمحلت مقاومة المجر للمحاولات الأميركية”. رضخت بريطانيا كالمعتاد لقيادة واشنطن في محاصيل GMO في أوروبا التي تعهدت باختزال قوانينها في مجال المنتجات المتغيرة وراثيًا. ورفض وزير البيئة البريطاني الانتقادات الموجهة لمحاصيل GMO. صاغت وزارة الخارجية الأميركية بالنيابة عن مونسانتو وشركات التقنية-الحيوية نماذج مختلفة في أوروبا. وسعت واشنطن إلى كبح جماح الاعتراض على مواد GMO بحملات الدعاية لتجميل صورة منتجات GMO في أصقاع الدنيا، وتحديدًا في إيطاليا عام 2005. أوردت برقية من قنصلية ميلانو أن الأميركيين أزالوا الحواجز. وتجول الباحث الأميركي بروس تشاسي في إيطاليا بدعوة من سفارة بلاده للحديث في الاجتماعات والفعاليات العامة التي تشمل المؤتمر الدولي لمستقبل العلوم الذي نال تغطية إعلامية مكثفة على المستوى المحلي والدولي، وحشد 700 مشارك من التجمع العلمي-الاقتصادي-السياسي. التقت صحيفة إسبريسو الأسبوعية في 15 سبتمبر، الإصدار الإيطالي لصحيفة نيوزويك، مع تشاسي. ونشرت مقال إيجابي عن المصلحة الأميركية. في حين أذاعت صحيفة جازيتينو اليومية من مدينة البندقية مقالة بعنوان “ندافع عن الطبيعة مع منتجات GMO”.

حث الأميركيون حكومات أوروبا على الامتثال للوائح الاتحاد الأوروبي الداعمة لمنتجات GMO. واستهدفت إحدى حملات الضغط رومانيا، كأحدث دولة (إلى جانب بلغاريا) انضمت إلى الاتحاد الأوروبي. أرسل توماس ديلار، المسؤول عن السفارة الأميركية في بوخارست، إلى واشنطن عن إمكانية استغلال رومانيا كحليف في تجارة المحاصيل الزراعية في الاتحاد الأوروبي، باعتبارها “متفوقة في مجال التكنولوجيا الحيوية، وتزرع الصويا المعدل وراثيًا، المحظور في الاتحاد الأوروبي”. اقترح حملة تثقيف لبث معلومات عن التقنية-الحيوية بورش العمل والمنتديات. ولم تؤت الجهود الأولية ثمارها. تأقلمت الحكومة الرومانية عام 2006، مع شروط بروكسل لتقليص زراعة الصويا، حتى حظر منتجات GMO لتمهيد انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي. وكتب السفير الأمريكي، نكولاس توبمان، إلى واشنطن: “تأسست جمعية مزارعي GMO بالتعاون مع السفارة، وتهيأت لزراعة الصويا المعدل وراثيًا إذا حظرته الحكومة، لانبثاق أزمة سياسية وقانونية”. لم تندلع الأزمة، وحظرت رومانيا زراعة الصويا على أراضيها حتى انضمت إلى الاتحاد الأوروبي في عام 2007. لم يستسلم الأميركيون في بوخارست. وضغطوا على رومانيا، كما فعلت واشنطن عندما جابهت شركة مونسانتو تهديدات.

عن Rokayah

شاهد أيضاً

العالم من أفق الإمبراطورية الأميركية…19

استغل البنتاغون ودعاة الحرب من المحافظين الجدد الذين سكنوا البيت الأبيض في عهد جورج بوش …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *