الأربعاء , مايو 18 2022
الرئيسية / صحافة / الدفاع عن سيادتنا: القواعد العسكرية الأميركية في أفريقيا…

الدفاع عن سيادتنا: القواعد العسكرية الأميركية في أفريقيا…

جاء في خطاب رئيس بوركينا فاسو توماس سانكارا في الأمم المتحدة، يوم 4 أكتوبر 1984: “نرفض البقاء على الهامش. ونسعى إلى تقليص الضغوط لتحرير أريافنا من ركود العصور الوسطى وتدهورها. نريد تجسيد الديموقراطية في مجتمعنا، انفتاح أذهاننا على عالم المسؤولية المشتركة لنتحلى بالجرأة الكافية لابتكار المستقبل وإبداعه، تغيير الإدارة وإعادة تشكيلها بنوع مختلف من المسؤولية المدنية، وإشراك جيشنا مع الشعب في الإنتاج لتذكيره بأن الجندي يغدو مجرمًا سلطويًا بدون تدريب وطني…هذا برنامجنا السياسي”. وعقد مجلس السلام والأمن للاتحاد الأفريقي (بسك)، في 30 مايو 2016، اجتماعه رقم 601، لتوجسه من انهيار الدولة الليبية وتأثيره على منطقة الساحل، النزاعات في بحيرة تشاد وهيمنة بوكو حرام في نيجيريا، والحروب التي ميزت منطقة البحيرات بعد فقدان سيادة الكونغو على جهتها الشرقية. أورد مجلس بسك أن: “المسؤولية لمنع نشوب النزاعات تقع على عاتق الدول الأعضاء، الخمسة والخمسين في القارة الأفريقية من الجزائر إلى زيمبابوي”. وتتألف قيود بسك من شقين: التشظي الداخلي والضغوط الخارجية. وافق بسك قبل بضعة أشهر من اجتماع مايو على نشر 5000 جندي من البعثة الأفريقية للوقاية والحماية في بوروندي. ويرجع ذلك جزئيًا إلى النزاع الممتد في منطقة البحيرات الذي يشمل الحرب البوروندية (1993-2005)، والأزمة السياسية المنبثقة من اضطهاد الرئيس بيير نكورونزيزا للمنظومة السياسية، مما أدى إلى المظاهرات العامة وقمع الدولة في عام 2015. أذاع بيير جدول أعماله بين رؤساء الحكومات الأفريقية لعرقلة قرار مجلس السلام والأمن (بسك). وارتأى الاتحاد الأفريقي أن الأوضاع في بوروندي مستقرة، حتى بعد عثور الأمم المتحدة على براهين جرائم منافية للإنسانية. تعد بوروندي نموذج على تشرذم القيادة الأفريقية الذي أفضى إلى عجز بسك عن تنفيذ جدول أعماله الذي عقد اجتماع في فبراير ومارس 2011، لرسم خارطة طريق أولية وإعاقة احتدام النزاع في ليبيا. واجتمعت بعثة بسك في نواكشوط الموريتانية للسفر إلى طرابلس، عاصمة ليبيا، والتفاوض على أساس الفقرة رقم 7 من بيان مجلس السلام والأمن المعنون بـ”خارطة الطريق”، والمحتوية على مسار أنيق من أربع نقاط: إنهاء الأعمال العدائية، تقديم مواد الإغاثة التعاونية، حماية المقيمين، اعتماد وتنفيذ الإصلاحات السياسية لاجتثاث النزاع من جذوره. رفضت الحكومة الليبية والمعارضة خارطة الطريق، لكن سبل الحوار استدامت، مما جعل بعثة بسك متهيئة للذهاب إلى طرابلس في الوقت الملائم. وشرعت فرنسا والولايات المتحدة بقصف ليبيا في اليوم السابق لمغادرة بعثة مجلس السلام والأمن، بإدارة حلف شمال الأطلسي (الناتو) وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1973، الذي صوتت له ثلاث دول أفريقية: الجابون، نيجيريا، وجنوب أفريقيا. تجاوز “التدخل الإنساني”، تفويض الأمم المتحدة لحماية المواطنين الليبيين، واتجه نحو تغيير النظام بالعنف الذي أدى إلى مقتل ضحايا من المدنيين. أهملت دول الناتو الاتحاد الأفريقي ومجلس السلام والأمن في القارة، ولم يلاحظه امرؤُ. شهدت منطقة الساحل نزاعات في أعقاب حرب الناتو على ليبيا، وانبثق الكثير منها بدافع الملشنة والنزعة القتالية، القرصنة، والتهريب. تذرعت فرنسا وأميركا بهذه النزاعات وحرب الناتو التي أشعلتها، لتبرير اجتياح منطقة الساحل عسكريًا. وأنشأت فرنسا في عام 2014، منظمة الساحل الخمسة G-5، التي تنسق عسكريًا بين بوركينا فاسو وتشاد ومالي وموريتانيا والنيجر، ودشنت أو وسعت قواعد عسكرية في جاو، مالي؛ نجامينا، تشاد؛ نيامي، النيجر؛ وأواجادوجو، بوركينا فاسو. في حين شيدت الولايات المتحدة قاعدة ضخمة لطائرات الدرونز بدون طيار في أغاديز بالنيجر، حيث تنطلق منها غارات الدرون والمراقبة الجوية (التجسس) إلى منطقة الساحل والصحراء الكبرى. وأسست واشنطن تسع وعشرين قاعدة عسكرية رسمية في خمس عشرة دولة أفريقية، بينما شيدت فرنسا قواعد في عشر دول. لم ينشئ بلد آخر من خارج القارة هذا العدد من القواعد العسكرية الأجنبية في أفريقيا التي أنذرت بسك، وناقشها في اجتماع مايو 2016: “يخشى المجلس من نمو القواعد العسكرية في بعض الدول الأفريقية وتقصير الدول المعنية في مراقبة نقل الأسلحة من وإلى هذه القواعد. ويشدد على ضرورة توخي الحذر عند إبرام معاهدات لإنشاء قواعد عسكرية أجنبية على أراضيها”. ساهم بيان بسك في إحراز تقدم طفيف منذ عام 2016، ولم يذكر أسماء البلدان التي لديها قواعد جمة في القارة وتنتهك السيادة الأفريقية، لأن تصنيف الولايات المتحدة وفرنسا بأنهما الدولتان الرئيسيتان اللتان لديهما قواعد عسكرية في أفريقيا، يوجب على المجلس الحديث عن أسباب واشنطن وباريس لتحقيق غاياتهما بالمنشآت العسكرية. طرح المواطن الليبي فائز جفارة من بني وليد تساؤل يسير: “أحتاج إجابة من الناتو: لماذا دمرت منزلي وقتلت عائلتي؟”، ويرفض الناتو الرد عليه حتى الآن. شن الناتو حربًا في ليبيا بذريعة “حماية المدنيين” بتفويض من منظمة الأمم المتحدة. وتجاوزت غاراته الجوية العشرة آلاف. تخطى التفويض لتغيير النظام قسرًا. وأعاق جميع المحاولات لبلورة حل سلمي. مُنعت لجنة الاتحاد الأفريقي من دخول ليبيا بالتزامن مع وابل الناتو. وطلبت روسيا والصين تقييم القرار 1973، لتوضيح تجاوز التفويض. لا يقبل الناتو مراقبة عملياته مدنيًا وتمحيص أنشطته. ويتذرع بقرار الأمم المتحدة في حين يرفض أن تقيم المنظمة أعماله. بكلمات مختلفة، يعد الناتو كيان عسكري مارق ومتمرد على القوانين الدولية التي يدعو الآخرين إلى تطبيقها، وينفذ إرهابه خارج حدوده وفي بلدان ما وراء البحار. يتجاهل تقارير حقوق الإنسان عن ضرورة تقييم عملياته في ليبيا. ومن ثم، تحول “المدافع” باجتياحه العسكري وانتهاك السيادة إلى قاتل.

ينبغي إدراك أن التطورات العسكرية ليست المقياس لتاريخ أفريقيا الحديث وغير حتمية. طبع رئيس غانا السابق كوام نكروما في عام 1965، كتابًا بعنوان “الاستعمار الجديد: مرحلة الإمبريالية الأخيرة”، وتحدث عن ظاهرة القواعد العسكرية التي طغت في فترة الاستعمار من القاعدة البريطانية ساليسبوري، في روديزيا السابقة (هراري حاليًا في زيمبابوي) إلى القاعدة الفرنسية بالمرسى الكبير في الجزائر. وكان للجيشين البريطاني والأميركي قواعد في ليبيا، من ويلوس الجوية إلى المواقع العسكرية في طبرق والأديم. منحت المملكة البريطانية والولايات المتحدة لليبيا “المعونات” التي اعتبرها نكروما مكافأة على فقدان السيادة، وثمن لحيازة الأرض وبناء ثكنات عسكرية. وارتأى أنه اقتضى على: “القوى العالمية التي استندت إلى مبادئ الاستراتيجية الدولية التي اقتضت أن يكون لها قاعدة عسكرية في هذا البلد المستقل اسميًا أو ذاك، ضمان العلاقات الودية مع دولة المقر. ويمكن ضمان أمن القاعدة في بلد تأسس اقتصاديًا على المعونات الخارجية بحيث لا يمكنه البقاء بدون دعم القوة الخارجية التي أنشأت القاعدة العسكرية. لكن الافتراض خاطئ على غرار افتراضات الاستعمار الجديد المتداولة، لأن تشييد قواعد أجنبية يؤجج سخط الشعب من الأساليب الاستعمارية الحديثة التي تمكن القوى المهيمنة. وتعد ليبيا نموذج على إخفاق هذه السياسة”. حث رئيس مصر، جمال عبد الناصر، على إزالة القواعد العسكرية في عام 1964، وألغيت في طرابلس عام 1970، بعد أن أطاح العقيد معمر القذافي بالنظام الملكي. أصاب نكروما في تقييم الشعب الليبي قبل ذلك بخمس سنوات، وحدد مزاجه الممتد من عام 1965 إلى الوقت الراهن. لم تعثر القيادة الأفريقية للحكومة الأميركية (أفريكوم) على موطن لها في القارة منذ إنشاء مقرها عام 2007، في شتوتغارت الألمانية. ويضغط الأفارقة على حكوماتهم حتى لا ترضخ لأميركا وتوافق على نقل مقر أفريكوم من أوروبا إلى أفريقيا. أورد نكروما أن الاستعمار الجديد يسعى إلى تفتيت وبلقنة أفريقيا، إضعاف مؤسسات الدولة الأفريقية، عرقلة الوحدة الأفريقية، وانتهاك سيادتها، وبالتالي، تتوغل قواته في القارة لتقليص طموحات شعوبها إلى الاتحاد وترسيخ الرابطة الأفريقية. لم تتمكن منظمة الوحدة الأفريقية (1963-2002) ولا الاتحاد الأفريقي (من عام 2002 فصاعدًا) من تحقيق أهم مبدأين للرابطة: الوحدة السياسية والسيادة الإقليمية. وترمز القواعد العسكرية الأجنبية على أراضيها إلى تلاشي الوحدة والسيادة؛ وتفرض تشظي وخضوع شعوب وحكومات القارة. اقترحت وزارة الدفاع الأميركية توقيع معاهدة مركز القوات (سوفا) بين واشنطن وغانا عام 2018، في صفقة بقيمة 20 مليون دولار لزيادة عدد الجنود الأميركيين ونطاق وجودهم في البلاد. واجتاح الغانيون الشوارع في مظاهرات مارس لمناهضة المعاهدة. بينما اعترضت أحزاب البرلمان على بناء قاعدة عسكرية. أنكر الرئيس نانا أكوفوأدو في أبريل، اتفاق حكومته مع واشنطن لتشييد قاعدة. ونفى ذلك بيان السفارة الأميركية في أكرا: “لم تطلب الولايات المتحدة ولا تخطط لإنشاء قاعدة عسكرية في غانا”. وقع الطرفان بعد الضجيج على سوفا في مايو 2018، التي تتضمن إمكانية بناء قاعدة والتنازل عن سيادة غانا حيث تنص المادة رقم 6 من سوفا على منح أميركا الأولوية في الوصول إلى المنشآت والمناطق المتفق عليها والاستفادة منها، وحظر مشاركة الآخرين إلا بموافقة من غانا والولايات المتحدة. كما تنص المادة رقم 3 على: “حيازة الأسلحة للقوات الأميركية ونقلها في غانا أثناء أداء واجبها الرسمي، وإعطائها الامتيازات والإعفاءات والحصانة القانونية المرادفة لحصانة الدبلوماسيين”. ومن ثم، لا يمكن مقاضاة القوات الأميركية في غانا إذا اتهمت بارتكاب جريمة. صرح وزير الدفاع، دومينيك نيتيول، لمحطة إذاعية في مارس 2018، بأن دول أفريقية مغايرة (السنغال) وقعت على المعاهدة، وأمضت غانا على اتفاقات مماثلة مع الولايات المتحدة في عام 1998 و2007، لكن سوفا تبلورت في العتمة ولا تتضمن إعفاء ضريبي. حذر برات كويزي من المنتدى الاشتراكي (SFG) من تنازل غانا عن سيادتها بالإمضاء على الاتفاق. وساد الاعتراض العام إزاء القاعدة، ولذا، أنكرت الحكومة الغانية والأميركية تشييدها في البدء. كان برات محقًا. وبات الوجود الأميركي في مطار كوتوكا الدولي في العاصمة أكرا، مركز شبكة غرب أفريقيا اللوجستية للجيش الأميركي. تهبط الرحلات الجوية الأسبوعية منذ عام 2018، من قاعدة رامشتاين الجوية في ألمانيا إلى أكرا بإمدادات الأسلحة والذخيرة لـ1800 جندي من القوات الخاصة الأميركية المتناثرة في أرجاء غرب أفريقيا. وأفاد العميد ليونارد كوزينسكاي في عام 2019، بأن الرحلة الأسبوعية “طريق للحافلات”. كما أسست واشنطن في مطار كوتوكا موقع أمن تعاوني يمكن اعتباره بمثابة قاعدة في مختلف شؤونه ما عدا اسمه.

لا تحتوي القارة الأفريقية على عدد غير اعتيادي من القواعد العسكرية الأجنبية التي يمكن العثور عليها في مختلف البلدان، من القواعد الأميركية في اليابان إلى القواعد البريطانية في أستراليا. وتتفوق واشنطن على بقية الدول من حيث عدد قواعدها الخارجية. يدير الجيش الأميركي بموجب بيانات خطة الدفاع الأميركي لعام 2018-2022، مجموعة دولية من 568000 مبنى في 4800 موقع. وأعدت أفريكوم عام 2019، قائمة لبعض قواعدها العسكرية في القارة التي تميز بين القاعدة الدائمة وغير الدائمة أو شبه الدائمة: بنيت القواعد الدائمة في جيبوتي (2)، أوغندا (1)، كينيا (2)، جابون (1)، جزيرة أسنسيون (1)، غانا (1)، بوركينا فاسو (1)، السنغال (1)، تشاد (1)، والنيجر (2). وتتوزع القواعد غير الدائمة بين تونس (1)، النيجر (4)، مالي (1)، الكاميرون (2)، ليبيا (2)، الصومال (5)، كينيا (1)، غانا (1). لا تشتمل القائمة على القواعد التي تستفيد بواسطتها الولايات المتحدة من منشآت دولة المقر، كما هو الحال في سينغو بأوغندا وثيس بالسنغال. وتسيطر أميركا على أهم قوة عسكرية على الصعيد لدولي، سواءً من حيث الموارد ونفقات الجيش أو نفوذها العسكري بالقواعد والإمكانيات البحرية والجوية. لا تضاهي قوة عسكرية مغايرة قدرات واشنطن التي تنفق على ميزانيتها العسكرية أكثر من الدول الإحدى عشرة التالية مجتمعة. ولا تنفق الصين التي تتبوأ المرتبة الثانية بعد أميركا، سوى ثلث ما تنفقه الولايات المتحدة سنويًا. تتجلى بصمة الجيش الأميركي في القارة الأفريقية من حيث عدد وحجم القواعد والأنشطة العسكرية التي تسبغ عليها طابع مختلف ينطوي على قدرة الولايات المتحدة على الدفاع عن مصالحها في القارة والتصدي للمنافسين للهيمنة على الموارد والأسواق. ينفذ الجيش نوعين من المهام:

1-الشرطة: يسعى الجيش إلى تمييز الولايات المتحدة ونخبها الحاكمة، والتعاون مع جيوش بلدان الناتو، بما في ذلك فرنسا، لاستدامة منافع الشركات الغربية ومبادئ الرأسمالية. واستنتج نكروما ذلك في عام 1965، عندما أورد أن: “موارد أفريقيا الخام تعتبر من عناصر القوة العسكرية لدول الناتو…وتعتمد صناعاتها، لاسيما الاستراتيجية والنووية على المواد الأولية المنتجة في أقل البلدان تطورًا”. تحدد تقارير الجيش الأميركي بانتظام، مسؤولية القوات المسلحة لضمان تدفق المواد الخام إلى الشركات، لاسيما في مجال الطاقة، وحماية ممرات نقل البضائع بدون عوائق عبر قنوات الشحن. وتتضمن سياسة الطاقة الأميركية (مايو 2001)، بقيادة نائب الرئيس السابق تشيني، وتقييم وتدعيم قاعدة التصنيع والدفاع ومرونة سلسلة التوريد (سبتمبر 2018) من الطاقم المشترك بين الوكالات لتنفيذ القرار رقم 13806. وبالتالي، يعمل الجيش الأميركي مع شركائه في الناتو كشرطي لحماية المستفيدين من الرأسمالية. ويرتبط الوجود العسكري الفرنسي إلى جانب الأميركي في النيجر بمستلزمات قطاع الطاقة الفرنسي الذي يقتضي استخراج اليورانيوم من مدينة أرليت في النيجر، حيث يُضاء مصباح من بين ثلاثة مصابيح كهربائية في فرنسا بيورانيوم هذه المدينة المطوقة بالقوات الفرنسية.

2- الحرب الباردة الجديدة: تتعاظم المصالح التجارية الصينية الخاصة والعامة في القارة الأفريقية، ويتفاقم الضغط الأميركي لاحتواء الصين في القارة مع نمو عقود الشركات الصينية وتفوقها على الشركات الغربية. أوردت استراتيجية أفريقيا الجديدة للحكومة الأميركية الوضع التنافسي في عام 2019: “يمتد نفوذ الصين وروسيا المادي والسياسي في أنحاء أفريقيا. وتنمو استثماراتهما في المنطقة لنيل ميزة تنافسية على الولايات المتحدة”. كما تحدث تقرير الاتحاد الأوروبي بعنوان “نحو استراتيجية شاملة مع أفريقيا عام 2020، عن خشيته من “التنافس على الموارد الطبيعية”، رغم أنه لم يذكر الصين بشكل مباشر.

تعد أفريقيا ثاني أكبر كتلة يابسة في العالم وثاني أكبر عدد سكان قاري (1.34 مليار نسمة في عام 2020)، الذي يتجاوز عدد سكان أميركا الشمالية وأوروبا مجتمعين (1.1 مليار نسمة). في حين تعد آسيا أكبر قارة من حيث المساحة وعدد السكان (4.64 مليار نسمة). يتكون جوف الأراضي الأفريقية من موارد طبيعية متنوعة ذات أهمية: 98% من معدن الكروم على المستوى الدولي، 90% من الكوبالت، 90% من البلاتينيوم، 70% من الكولتان، 70% من التانتاليت، 64% من المنجنيز، 50% من الذهب، 33% من اليورانيوم، وكمية هائلة من احتياطيات العالم من معدن البوكسيت، الألماس، التنتاليوم، التنغستن، والقصدير. بالإضافة إلى 30% من الاحتياطيات المعدنية المختلفة، 12% من احتياطيات النفط، 8% من الغاز الطبيعي، و65% من الأراضي الخصبة القابلة للزراعة على مستوى العالم. أفاد برنامج البيئة للأمم المتحدة بأن حسابات رأس المال الطبيعي تتراوح بين 30% و50% من ثروة البلدان الأفريقية. وتنبأت الأمم المتحدة في عام 2012، بأن الموارد الطبيعية تمثل 77% من الصادرات و42% من الواردات الحكومية. لكن بلدان القارة تعد من أفقر البلدان وتنتشر فيها الأمية رغم هذه الثروات التي تسيطر عليها القوى الخارجية واللصوص المحليين. وتعتمد على رأس المال الأجنبي نتيجة لاستنادها إلى تصدير المواد الخام وهيمنة الشركات متعددة الجنسيات والافتقار إلى التصنيع المحلي. ترسخت حالة التبعية بسياسات الحكام المستعمرين الذين أداموا النشاط الاقتصادي المعتمد على استخراج ونمو المواد الخام التي تُباع بالتنازلات الاستعمارية لحكام الدول. وتوارثت أجيال من نخب ما بعد الاستعمار الاتكالية وراكمت الأموال من الريع، ولم تحرص على تغيير ظروفها. تعتمد الدول الأفريقية على الواردات الخارجية من تصدير المواد الخام، وبرامج المعونات للحكومات الغربية، والإغاثة المؤسسية. وينتج عن التبعية أساليب لتحايل واستغلال الحكومات الأجنبية ذات المنفعة الدائمة في أفريقيا. تستعين الحكومات المحلية بالموارد الطبيعية لتأمين معونات من الشركاء الأجانب دون الاهتمام بشروط ومقتضيات الدعم التي تستنزف موارد البلدان الأفريقية. وأفادت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية بأن: “التدفقات المالية اللامشروعة على مدى الخمسين عامًا الماضية أدت إلى خسارة ما لا يقل عن تريليون دولار المساوي لقيمة معونات التنمية الرسمية التي تلقتها القارة في الفترة ذاتها”. ويمكن استثمار هذه الأموال في تنويع الاقتصادات الأفريقية، تشييد البنى الأساسية، ونهضة الأجور الاجتماعية. تقلص التبعية الاقتصادية اختيارات الحكومات التي أصبحت خانعة للقوى الخارجية ومصالحها. ويفضي الإذعان الاقتصادي إلى فقدان الإرادة السياسية لمقاومة الاقتحام العسكري وإنشاء قواعد للجيوش الأجنبية. انبثقت منصات أفريقية في العشر سنوات الأخيرة لمعالجة التبعية، ومنها: الإطار الأفريقي البديل لبرامج التأقلم والإصلاح البنيوي من أجل الإنعاش والتغيير الاجتماعي-الاقتصادي (1989)، رؤية التعدين (2008)، إعلان جابورون للتنمية المستدامة في أفريقيا (2012)، بيان أروشا لاستراتيجية التنمية المستدامة لما بعد ريو+20 (2012)، بيان منتدى التنمية الأفريقي في القمة الثامنة (2014)، والاتحاد الأفريقي لخطة التنفيذ العشرية الأولى (2014-2023)، الواردة في الوثيقة الثالثة لجدول أعمال 2063: أفريقيا التي نصبو إليها (2015). وتشير الوثائق بمستويات مختلفة إلى ضرورة التحرر من الاتكال على صادرات المواد الخام، تنقيح العقود مع الشركات متعددة الجنسيات، واستثمار موارد الصادرات لتطوير الظروف الاجتماعية على النحو المنصوص عليه في اتفاقات الأمم المتحدة عن مقاصد التنمية المستدامة.

يؤدي الإخفاق في استثمار الموارد وصياغة برنامج تنمية لا يرتكز على مقتضيات الشعب إلى تهيئة السياق الاجتماعي للنزاعات السياسية والعسكرية، وحركات التمرد المبنية على أسس عرقية ودينية، ونمو الهجرة في القارة وباتجاه أوروبا. وتمنح هاتان النتيجتان للأزمة الاقتصادية الأفريقية (النزاع والهجرة) لأميركا وفرنسا وغيرهما من الدول مبرر واهي لإنشاء قواعد عسكرية. وطدت الحكومة الأميركية علاقاتها العسكرية التي تتضمن القواعد شبه الدائمة في جمهورية ساو تومي وبرينسيب على خليج غينيا. ولا تنكر واشنطن أن بقائها مرتبط بنقل نفط نيجيريا وخليج غينيا إلى الولايات المتحدة. انضمت نيجيريا إلى منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك)، وتتبوأ المرتبة رقم 11 في إنتاج النفط. تدعي الحكومة الأميركية من جهة مغايرة أن وجودها العسكري في خليج غينيا لمجابهة التطرف الديني، وتحديدًا تنظيم داعش والقاعدة، على الرغم من اتفاق المسؤولين الحكوميين على انعدام تأثير التنظيمات المتطرفة. وشاركت أفريكوم في وسط أفريقيا بتدريب جيش الكونغو منذ عقد من الزمن، لا سيما في قاعدة المعسكر خارج مدينة كايزانجاني. أورد بيان أفريكوم في عام 2010، أن التدريب العسكري: “جزء من شراكة ممتدة ومتعددة الأطراف بين الولايات المتحدة والكونغو لإصلاح قطاع الأمن، ومساندة الحكومة لتطوير القوات المسلحة. وتجذرت العلاقات بين الكونغو وأفريكوم منذ ذلك الحين. اكتشفت كميات ضخمة من النفط (1.7 مليار برميل) على حدود الكونغو وأوغندا في بحيرة ألبرت عام 2007، مما أدى إلى عسكرة المنطقة التي تتجلى في مدينة بيني، شمال كيفو، حيث تحولت إلى بؤرة جرائم القتل البشعة التي غالبًا ما تُنسب إلى كيان المتمردين الأوغنديين المعنون بـ”القوات الديموقراطية المتحالفة” (أدف)، والمستقر في الكونغو منذ مطلع التسعينيات. سافر وفد من ضباط أفريكوم إلى الكونغو في 27 يناير 2021، لمناقشة الجيش في: “شؤون التعاون والمشاركة، الأمن والاستقرار لتأهيل جنوده مهنيًا وترسيخ العلاقات”. وصنفت وزارة الخارجية الأميركية أدف في 10 مارس 2021، كـ”منظمة إرهابية أجنبية” و”إرهابيين دوليين محددين بصفة خاصة”، رغم أن المنظمات المحلية وخبراء الأمم المتحدة في شؤون الكونغو يقرون بأنه ليس ثمة دليل على ارتباط أدف بتنظيم داعش. ارتكز تصنيف وزارة الخارجية الأميركية على ادعاء مؤسسة برايدجواي، الذراع “الخيرية” لشركة الاستثمار Bridgeway Capital Management ومقرها تكساس. ويبرر لتأسيس القاعدة العسكرية الأميركية في الكونغو المتاخمة لاحتياطيات النفط. يحقق الجيش الأميركي الاستقرار للمسؤولين الأفارقة الأشداء الذين يتفاقم اتكالهم على دعم واشنطن لإطالة أعمارهم. وأسفرت برامج التقشف لصندوق النقد الدولي وفشل الدول الأفريقية في إدارة مبيعات الموارد لتهيئة حياة نبيلة ولائقة للسكان عن هجرة واسعة النطاق عبر القارة. وحاول ربع ما يقرب من 41.3 مليون مهاجر بسبب العنف والنزاع الوصول إلى أوروبا، بينما تحرك الباقون داخل القارة. يسافر المهاجرون الذين يرغبون في الذهاب إلى أوروبا من الصحراء الكبرى إلى ليبيا التي دمرتها حرب الناتو، ثم يعبرون البحر المتوسط. وتعد الرحلة محفوفة بالمخاطر، لكن دراسة لمنظمة الأمم المتحدة على أولئك الذين استطاعوا عبور الرمال والمياه، استنتجت أن 90% من المهاجرين لن يترددوا في إعادة التجربة لبلوغ غايتهم. ذهبت المحاولات الأوروبية لمنع تدفق المهاجرين عبر البحر المتوسط هباءً منثورًا. وحشدت الجيوش الأجنبية في منطقة الساحل لتقييد الهجرة وإبعاد المهاجرين عن الحدود الأوروبية الذي يفسر جزئيًا مبادرة فرنسا لدول الساحل الخمس، وتشييد قاعدة طائرات الدرونز الأميركية في أغاديز لرصد الهجرة جويًا في المنطقة. أرادت أوروبا فرض الحظر القاسي على المهاجرين بدون تغطية إعلامية. وينفذ الغرب سياساته العدائية ضد المهاجرين في الوقت الذي يبدو بريئًا أثناء ممارسات شركاته لأنشطتها القذرة. نقلت أوروبا حدودها الجنوبية من شمال البحر المتوسط إلى جنوب الصحراء الكبرى التي تنتشر فيها قواعد عسكرية من موريتانيا إلى تشاد، وأشاعت الذرائع الواهية لمنع النزاع وإدارة الهجرة. أوضح مسؤولون أميركيون أسباب عسكرتهم العملية، ومنهم العميد البحري جون نويل الذي أدار محطة الشراكة في أفريكوم عام 2008: “لن نتواجد في القارة الأفريقية إذا لم يندرج ذلك ضمن المصالح الأميركية”.

جاء في مجلة الحكومة الأميركية عن الدفاع لعام 2006: “تعد الصين من بين القوى الرئيسية والناشئة، أهم منافس لأميركا عسكريًا في مجال التقنيات العسكرية الهدامة التي قد توازن الخصائص التقليدية الأميركية بمرور الوقت”. وتعد الإمكانيات العسكرية الصينية دفاعية، حيث صنعت الصين قدراتها العسكرية للدفاع عن سواحلها وأراضيها. أكد وزير الخارجية الصيني وانغ يي في 24 أبريل 2021، أن بلاده ملتزمة بالتعددية: “ولا تسعى أبدًا إلى الهيمنة العالمية”. في حين لا يريد المخططون الأميركيون رؤية القوة التجارية والسياسية الصينية متحدية لهيمنة واشنطن الشمولية، مثلما أفصح نويل بأن “المصالح الأميركية سبب حضورهم المكثف في أفريقيا وغيرها من مناطق العالم. ويجب تقويض أي تهديد لتلك المصالح بأية وسيلة”. أعلنت الحكومة الصينية عن مبادرة الحزام والطريق (BRI) في عام 2013. وأنشأت قبل إضفاء الطابع الرسمي على المبادرة، منتدى التعاون الصيني-الأفريقي عام 2000، بين بكين و44 دولة أفريقية ثم وطدت 53 دولة من بين 55 في القارة علاقاتها مع الصين في إطار المنتدى منذ ذلك الحين. استثمرت الصين في مختلف البلدان الأفريقية منذ عام 2013، التي قطعت العلاقات مع تايوان التي تعد جزء من الصين وتدعم واشنطن انفصالها منذ عشرات السنين لمصالح اقتصادية وليس من أجل سواد عيون التايوانيين الضيقة، باستثناء إيسواتيني (سوازيلاند سابقًا)، وأقرت بسيادة جمهورية الصين الشعبية. وقعت بكين تدريجيًا مذكرات تفاهم مع الاتحاد الأفريقي، ومنها عام 2015، ضمن رؤية 2063، لدعم تشييد المباني الأساسية. واستثمرت مبالغ طائلة في البنى الأساسية التي تتضمن مشروع السكك الحديدية بين مالي وغينيا، خط السكك الحديدية بين السودان والسنغال؛ مشروع مامبيلا للطاقة الكهرومائية في مجال الطاقة بسعة 2600 ميجاوات في نيجيريا، سد بوي بسعة 400 ميجاوات في غانا؛ والاتصالات السلكية واللاسلكية بين إثيوبيا وغانا وكينيا والسودان. بدأ تشييد مقر المراكز الأفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها في جنوب أديس أبابا الإثيوبية الذي تموله الصين وبلغت تكلفته 80 مليون دولار في ديسمبر 2020. وأنجزت حتى الآن 600 من مشاريع مبادرة الحزام والطريق. لا يأتي الدعم الصيني بشروط منهكة على النقيض من صندوق النقد الدولي، الاستثمار التجاري الغربي، ومساندة التنمية الخارجية، لأن بكين تتبنى نظرية رأس المال الصبور المطبقة حتى داخل حدودها، وانتشرت من خلال بنوك الدولة التي تعد مستثمر رئيسي خارج أراضيها. تصنف الصين حاليًا ثاني أكبر دولة مستثمرة في العالم، ويعتبر بنك التصدير والاستيراد وبنك التنمية من أهم المستثمرين. تمنح المؤسسات الحكومية قروض لاستثمارات طويلة الأجل. وتدرك أن الغاية من قروضها تخطي عقبات تشييد البنية الأساسية ودعم التنمية الاجتماعية. تتعامل بمرونة مع البلدان المقترضة حيث من المتوقع أن تعود إليها الفوائد على المدى البعيد. على سبيل المثال: لن يتم استرداد 30% من تكلفة الاستثمار في آسيا الوسطى و80٪ من استثمارات باكستان.

شنت الولايات المتحدة “حرب باردة جديدة” على الصين في القارة الأفريقية بدلاً من تطوير سياسة المعونات التجارية والإنمائية الإنسانية التي تفيد الشعوب الأفريقية. ويعد تأسيس أفريكوم في عام 2007، ونمو عدد القواعد العسكرية الأميركية والمتحالفة في منطقة الساحل والقرن الأفريقي المجاور لليمن جزء من هذه الحرب الباردة التي تتكون من عنصرين أساسيين:

1-“استعمار” الصين: تواظب القوى الاستعمارية القديمة على سياسة الاستعمار تجاه الصين وأفريقيا في حين تتهم الصين بأنها قوة استعمارية!!! وتصور بكين في إعلامها المضلل بأنها تستغل أموالها لإيقاع البلدان في فخ الديون الذي يرغمها على تسليم مواردها بأسعار منخفضة. تستعمل مصطلح “دبلوماسية فخ الديون” ضد الصين التي لم تفرض قروض التأقلم الهيكلي الغربية التي أوقعت معظم البلدان الأفريقية في مصيدة ديون كارثية متفاقمة أثناء وباء كورونا. ولم تنفذ الصين إطار عمل سياسي بإدارة وزارة الخزانة الأميركية، بل صندوق النقد الدولي. تتهم واشنطن بكين أيضًا بـ”رفض إعادة التفاوض على شروط القروض، ثم السيطرة على المباني الأساسية”، في حين ألغى المقرضون الصينيون، وأجلوا، أو أعادوا صياغة شروط القروض قبل وأثناء الوباء، ولم يصادروا الممتلكات السيادية لأي دولة. كتب اثنان من الأساتذة الأميركيين في فبراير 2021، مقال بعنوان “فخ الديون الصيني أسطورة”، ولا تعد تهمة الاستعمار ضد الصين إلا من تزييف دول لديها تاريخ موثق جيدًا من الاستعمار القديم والجديد في أفريقيا.

2-الإمكانيات العسكرية الصينية: تتهم القوى الاستعمارية الصين بترسيخ وجودها العسكري في أفريقيا. وأدلى قائد أفريكوم اللواء ستيفن تاونسند بادعاءات لا أساس لها عن حرص الصين على بناء قاعدة بحرية على ساحل غرب أفريقيا. لا يمكن مقارنة الوجود العسكري الصيني بالبصمة العسكرية الغربية المتضخمة. وانضمت بكين في عام 2008، إلى مناورات مكافحة القرصنة في القرن الأفريقي وميناء عدن الذي تستميت أبوظبي للسيطرة عليه مثلما كان الوضع في عهد علي صالح الذي أجر لها ميناء عدن لمدة 100 عام وكأنه دكان ورثه من والده وتحول إلى خراب حتى ألغي اتفاق التأجير بعد ثورة عام 2011. ولذا، فإن دعم الإمارات للانفصاليين في جنوب اليمن وتأسيسها للمليشيات ليس أيضًا من أجل سواد عيونهم!!! إنما لمصالح اقتصادية بحتة، على غرار ما قاله انفصالي حثالة في مواقع التواصل الاجتماعي بأنه لا مانع لديه من بيع مدن جنوب اليمن بقضها وقضيضها للإماراتيين مقابل تمكينه من السلطة!!! وكأنها من ممتلكات أبيه يهبها لمن يشاء ويمنعها عمن يشاء، لإعادة عدن إلى عهد الاحتلال البريطاني عندما كان البريطانيون يضربون سكانها بالعصي في الشوارع ويغتصبون المعارضين والمتظاهرين منهم في السجون. كما يرفع هؤلاء الانفصاليون شعار “الجنوب العربي” وعلمه الذي اخترعه البريطانيون، فلتذهب وعهد جنوبك المحتل إلى الجحيم. من المفارقات الساخرة، أن الانفصاليين يزعمون في وسائل إعلامهم أن غايتهم بناء دولة ديموقراطية وتمكين الحرية والتعبير عن مختلف الآراء، في حين تزدحم سجونهم الرسمية وغير الرسمية بالمعارضين وتسود بينهم الاغتيالات والاختطافات والإخفاء القسري بدعم وتمويل إماراتي ومرتزقة شركة بلاكووتر الأميركية. استندت عمليات مكافحة القرصنة إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1816، في عام 2008، الذي طلب من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة مؤازرة حكومة الصومال “بشتى أدوات محاربة القرصنة والسطو بالأسلحة”. وأنشأت الصين أول قاعدة عسكرية خارجية في جيبوتي بعد عشر سنوات من هذه العمليات. يرتكز المقصد من القاعدة على دعم السفن المرافقة للناقلات الصينية لوجيستيًا في ميناء عدن، والمشاركة في الحملات متعددة الجنسيات لمكافحة القرصنة. أنفقت الحكومة الصينية على منطقة القرن الأفريقي (جيبوتي والصومال وإريتريا وإثيوبيا) التي تتكثف فيها أنشطة العسكرة، لبناء سكة حديد كهربائية بين إثيوبيا وجيبوتي ضمن مشروع بقيمة 4 مليار دولار، ومنح بنك التصدير والاستيراد الصيني تمويل بقيمة 300 مليون دولار لتشييد خط أنابيب مياه الشرب من إثيوبيا إلى جيبوتي. يختلف منهج الصين إزاء السلام عن الأنشطة العسكرية الغربية التي تركز على مهام الشرطة وإمدادات الأسلحة، وتهتم بالتنمية الاقتصادية للبنى الأساسية ومكافحة الفقر.

بحث الاتحاد الأفريقي قضية القواعد العسكرية الأجنبية في القارة عام 2016. ولم يناقشها منذ ذلك الحين. أدى اعتماد الاتحاد على الموارد والتمويل الخارجي لعملياته، بما في ذلك حفظ السلام، إلى تقييد حريته في صناعة قرارات استراتيجية وتخطيطية مستقلة. تدفع الدول الأفريقية 2% فقط من تكلفة عمليات السلام والأمن لاتحادها، في حين تدفع القوى الخارجية على نمط الاتحاد الأوروبي 98% من الأموال. وأدى ذلك إلى تقييد قدرة مجلس السلام والأمن (بسك) على تنفيذ جدول أعماله، ولم يتمكن الاتحاد الأفريقي من إعادة مناقشة القواعد العسكرية الأجنبية وانتهاكها للسيادة. نشر نايل جاردينر وجيمس كارافانو من مؤسسة التراث في الولايات المتحدة مقال بعنوان “المعونات العسكرية الأميركية لأفريقيا: أنجع حل”، في 15 أكتوبر 2003. وجادلا بأنه ينبغي على “الحكومة إنشاء قيادة للتدخل في شؤون أفريقيا عندما تكون مصالحها مهددة، كما حدث عندما أنشأت واشنطن القيادة الجنوبية الأميركية عام 1963، في أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي”. تجسدت قيادة أفريكوم على أرض الواقع في عام 2007. ورحبت بوتسوانا وليبيريا بإيواء مقرها الرئيسي. بينما اعترضت جنوب أفريقيا على انتقاله من ألمانيا إلى القارة، مما أدى إلى تراجع بوتسوانا وليبيريا. لا يزال الاعتراض على مقر أفريكوم طاغيًا بين الشعوب الأفريقية، إلا أن جهود الولايات المتحدة وبعض رؤساء الدول الأفريقية لم تتوقف. واقترح الرئيس النيجيري محمد بخاري في اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي بلينكين في 27 أبريل 2021، نقل مقر أفريكوم من شتوتغارت إلى القارة الأفريقية لمحاربة التمرد. ساهم ضغط المتطرفين دينيًا (بوكو حرام) وغيرهم من المعارضين، ونمو الفوضى في بلورة مناشدة بخاري، رغم أنه لم يستطع إيواء أفريكوم. وتغيرت سياسة نيجيريا عن موقفها الأولي المناهض لأفريكوم قبل عقد من الزمان. تكاثرت القواعد الأميركية بعد ذلك. وأشار الاتحاد الأفريقي إلى خطر التفشي العسكري في عام 2016، غير أن كلماته كانت فاترة: “قلق” و”حذر”. توغلت أفريكوم في مكاتب الاتحاد من خلال ملحق مجلس بسك وقسم منع النزاعات والإنذار المبكر، وقسم عمليات دعم السلام. وصاغت واشنطن إطار عمل الاتحاد الأمني بالتزامن مع انضمام أفريكوم إليه بغطاء “التعاون المتبادل” بين القوات العسكرية الأميركية وقوات حفظ السلام للاتحاد الأفريقي. أورد نكروما في كتابه عن الاستعمار الجديد في أفريقيا: “لا ينبع الخطر على السلام العالمي من أولئك الذين يسعون إلى إنهاء الاستعمار الجديد، إنما من المتقاعسين الذين يمهدون له السبيل…ويجب مجابهته بالعمل الإيجابي في نطاق شعوب المناطق التي تعاني منه بحسم واتحاد”. ولا تزال كلماته معبرة عن صوت الحقيقة من عام 1965 حتى لحظة تدوين هذه السطور.

عن Rokayah

شاهد أيضاً

العبودية الأميركية لكيان إسرائيل المؤقت…9

نشطت حملة صهيونية مماثلة لتلك الأميركية في سراديب أوروبا. وتوغلت الطواقم الصهيونية في مخيمات اللاجئين …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *